الأغراض الشعرية المعصرنة في قصائد ديوان /ما علّمني الطّيرُ/ للشاعر العراقي خلف دلف الحديثي بقلم د. عبير خالد يحيي

 

 


أُخِذَ على القريض أنّه شعرٌ محبوسٌ في القافية والأغراض الكلاسيكية, وضمن هذا المأخذ بقي الشعراء يراوحون به بأغراض بسيطة جلُّها تخوض في الرومانسية والطبيعة, والتمنطق بتنضيد الكلمات الكبيرة المقعّرة والقديمة, دون الانتباه لما يحمله المضمون في البناء الفني للقصيدة, فحدث فراغ واسع بين الشكل والمضمون في القصيدة الكلاسيكية, سببه الرئيسي غياب المناهج النقدية العلمية التي تغوص في أعمدة النص وتستخرج الإمكانيات التي تتطابق مع كل عصر, وتوجّه الشاعر نحوه, ما دام الشعر مرآة للمجتمع في حقبة زمنية أو تاريخية معيّنة.

ما لفتَ انتباهي وأنا أتصفّحُ هذا الديوان المعنون ب / ما علّمني الطّيرُ/ للشاعر العراقي خلف دلف الحديثي, عتباتِ نصوصه التي تقرّر ثيمات قصائده ودلالاتها المتجهة نحو مدلولات ومفاهيم بأغراض عصرية تتعانق بشوق مع أغراض الشعر المُحْدَث, رغم أنّه شاعر خليلي حدّ النخاع, يكتب الشعر المقفّى وفقط, وابتداءً من العناوين التي وضعها لقصائده, والتي وجدتُها عناوين عصرية, وعند الخوض في مضامين القصائد وجدتُها قصائد عصرية حديثة, لكنها كُتِبتْ بقافية, ووزن خليلي, وهذا يثبت أنّ ثبات الشعر الكلاسيكي واقتصاره على الأغراض الكلاسيكية لم يعدْ حقيقة ثابتة, وإنّما كذبة ثبّتها وغطّى عليها شهرة وقوّة الموسيقى, والمضمون المحدود والبسيط في الشعر الجاهلي, وإثبات هذا الأمر وحلّه سيكون نقديًّا, أي لو تناول النقد العلمي التعقيد في المضمون لغطّاه الشعر بقافية, إذًا, المراوحة في كلاسيكية الشعر هي قضية نقدية قبل أن تكون قضية شعرية, ربّما أحسّ بهذه المعضلة الكثيرون, لكن دون أن ينتبه لها أحدٌ بما يكفي, بسبب النقص والتقبّض النقدي, حتى وقع بين أيدينا هذا الديوان للشاعر خلف دلف الحديثي, فوجدنا الشاعر يعيدنا إلى نفس السيناريو لهذه القضية الراكدة, محاولًا أن يتنفّس الصعداء في باب منهج علمي نقدي, ففُتِحَتْ له أبواب الذرائعية, تفحّصتُ عناوينه العصرية, التي تُوقِظ من نوم عميق في الشعر القريض, وتزيل الركام عن حقيقة كبيرة, وهي:

إن القريض لا يحتّم الركود في المضمون, وإنّ الحرية في الشعر لا تُقاس بالموسيقى, بوجودها أو عدمها, ولا تُقاس بالتفعيلة, أيضًا بوجودها أو عدمها, وإنّما هي لازمة لتنوّع المضمون الملتصق بالتطوّر الاجتماعي.

فلو تفحّصنا عتبات كل قصيدة من القصائد, لوجدنا أنها قصائد عصرية, لأن العتبة الأولى (العنوان)هي ( الغرض – الثيمة- الاستراتيج), إذًا, فما علاقة الموسيقى بحرية القصيدة؟  سنجيب على هذا السؤال بعد استعراضنا لمقتطفات من بعض القصائد.

استهل الشاعر ديوانه بأولى قصائده التي كانت بعنوان ( أتربةُ الجوع), والتي كان مضمونها عن تفشّي وباء كورونا في العالم, وفيها مواكبة لأبرز حدث كوني شهده وما زال يشهده العالم المعاصر الحديث, ليثبت أحد الأغراض الشعرية الجديدة ( أدب الأوبئة) وإن كان السرد قد سبق الشعر في هذا النوع من الأدب:

يا أيّها الفيروس أين تريدُني

                     وَسَنا الإلهِ لي استعادَ الذبذبهْ

زرعوا بجمجمةِ الهوى جرثومة

                   فنمتْ بأجسادِ الطفولة مُرعبَهْ

وأنا القتيل فزِدْ بطعني طعنة

                  فأنا لقتلي بالوباء مَنِ انتبَهْ

فرغبتُ من نفسي أعودُ لغيبتي

                وأفرّ من موتي لموتِ الأتربَهْ

في قصيدة ( كانوا هناك) يتجلّى الغرض الوطني, الأسى على ما حلّ على هذا الوطن من حروب مهلكات, وانعكاس ذلك على حال الرعيّة, فقرًا وجوعًا وقتلًا, حالٌ مزرٍ يستحلبُ ضرعَ الحزن, يقابله الغرض السياسي, على منصة الحكّام وولاة الأمر:

بي كلّ ما في الكون من مطر الأسى

                          وأنا أساي أظنّه لا يغربُ

في (ساحةِ الطيرانِ) وجهٌ مُتعبٌ

                        وفمٌ يصيحُ وآخرٌ يتكسّبُ

يتحاورونَ على مفارشِ جوعِهم

                      ولهم وعودُ ( البرلمانِ) تُكَذَبُ

قد يرجعونَ وقد يلوكُ جسومَهم

                     تفجيرُ مجنونٍ لهم يترقّبُ

مَن مثلُهم في موتِهمْ وكفاحِهم

                   عن حبّهم لبلادِهم قد أعربوا

في قصيدة ( تَوَهان), يستحضر ثيمة الغربة القسرية التي فرضتها الظروف القهرية المعاصرة, سواء الأمنية أم المعيشية, بكل مظاهرها وأحاسيسها وتبعاتها:

لأيِّ الدربِ يأخذكَ القرارُ

          ويطوي ليلَ ظَلمَتِكَ الغبارُ

أراكَ وأنتَ في مدنِ التلاشي

              إليكَ يفرُّ من تعبي الفِرارُ

متاهُكَ غربة أنسَتْكَ عُمْرًا

        وضِعْتَ وضاعَ من فمِكَ الحوارُ

خطوطي رَحْلةٌ أَلغيْتُ منها

              سنينًا قدْ تآكلَها السُّعارُ

غريبٌ وقعُ خَطوي في متاهي

          على رجّاتِ يأسي يُستثارُ

أعدني يا أنا يا قلبُ عِدْ بي

          لأيّ سوَفَ يأخذك الفِرارُ

ونكاد نرصد ثيمة الحنين في كل القصائد, الحنين إلى الماضي الذي أشرق حضارةً ورخاءً وخيرًا عميمًا, بات مفقودًا في حاضر مات فيه الجمال, في قصيدة أيُّها الآتي, يقول:

واستوى حُلمي وغنّاني الفراتْ

              في ربابِ الشوقِ قانونَ الفلقْ

وشكاني الجرفُ أقدام الحُفاةْ

            حينَ مرّتْ واكتوى منها العبقْ

وظلالُ النخلِ ترنو للرعاةْ

           كي تُعيدَ الناي من كفِّ الورَقْ

إنّ في ذكراكَ طَعْمَ الذّكرياتْ

          وحنينَ الشوقِ لو ضجّ الألقْ

أيّ أمسٍ هزّ عرشَ الأمنياتْ

         وفؤادي في لظى الحُزنِ احترقْ

  من الأغراض القديمة وجدنا الرثاء في قصيدة ( ضباب الذكريات), قالها في رثاء من وصفه بتوأمه ولم يحضر تشييعه:

رحلَ العبير وكنتَ ضوع شذائِهِ

          وعليكَ تبكي شهقةُ الدرّاقِ

يا كلّ شيءٍ ضاعَ حتى أنّني

         أجريتُ آهاتي وراكَ سواقي

أيضًا من الأغراض الكلاسيكية القديمة, نجد الفخر والمدح, في قصيدة ( تضاريس الحروف), يفخر بالمرأة العراقية, يقول:

وكنتُ لعبقرَ صوتَ الجمالِ

        فتهتفُ جذلى خفايا الدفوفْ

تضاريسُ روحي تصوغُ البهاءَ

            وفيها أطيلُ وذاتي الوقوفْ

أنا صوتُ ذاتي وصوْتَ الخلاص

            ملأتُ الحياةَ بلحنٍ طريفْ

أنا مَن أنا بنتُ هذا العراقِ

           وليسَ يَطالُ سمائي الكسيفْ

أنا بنتُ هذا الفراتِ العظيمِ

          تعلّمتُ منه الصراعَ العنيفْ

أنا نخلةٌ في ربيع الحياةِ

        أمدُّ لمرأى الجياعِ الرغيفْ

أما الغرض الرومانسي, فبقي يتسيّد قصائد الديوان بالمنافسة مع الغرض الوطني.    

وهكذا نجد أن الشاعر مسلّمٌ بأنّ القريض ليس أساسًا للشعر, وإنما هو نوع من أنواع الشعر, لا يختلف عن بقية أنواع الشعر إلا بقافية, طالما استطاع أن يخرج عن المضامين الكلاسيكية المحدودة, نحو آفاق القضايا والمضامين والأغراض الشعرية الجديدة التي فرضها التطوّر الاجتماعي المعاصر.

لذلك تثبت الذرائعية أن الشعر في جميع أنواعه هو إحساس يُعبَّر عنه ويُصوّر ويُشخّص ويُجسّد مكتوبًا بالكلمات, فاللغة في الشعر ليست محركًا أساسيًّا, وإنما المحرّك الحقيقي في الشعر هو الإحساس.

 أما الموسيقى, والتي تتطوّر بتأثير العصرنة, فهي مقياس ومؤشّر لتحديد النوع الشعري, ودرجة العصرنة فيه, أي تأثير المجتمع فيه, وما دمنا نعيش في عصر السرعة, وما رأيناه في الشكل السردي, وانكماش الثيمة السردية لعدة كلمات( رواية- قص قصير – قص قصير جدًّا- ومضة), التأثير نفسه انعكس في الشعر, فظهرت أنواع الشعر ( القريض- التفعيلة- قصيدة النثر), وكانت موسيقى القافية بأوزان خليلية, وموسيقى التفعيلة المتحرّرة من الأوزان, المتحقّقة بحروف التفعيلة (موسيقا النهايات), بينما جاءت موسيقى قصيدة النثر متحرّرة حتى من موسيقى النهايات, ومحقّقة بالإيقاع الداخلي للصور الشعرية.

إن الهدف الأساسي في الأدب السردي والشعري على السواء هو ملاحقة المعنى, والقصيدة مضمون, وغرضُها متعلّق بالمضمون, وكلاهما متعلّق ومتأثّر بالعصرنة, كحال الموسيقى تمامًا.

أما عن الإبداع الشعري: فالإبداع بالشعر يكون بالصورة الشعرية وليس بالكلمات, وليس باللغة, على عكس السرد الذي تكون فيه التجربة الإبداعية في اللغة والأسلوب, فالشعر بكل الأحوال منزاح نحو الجمال والخيال, والبراعة تتأتّى في تشكيل هذا الانزياح بصوَر شعرية مبتكرة:

ننظر إلى جمال بعض الصور :

في قصيدة (أسرارُ الطين), يرسم لنا صورة بهية عبر أفعال الأمر المتلاحقة, وكأننا أمام زجّال يسقط  أفعال الخياطة على الليل والفجر والوقت,  يقول:

على دروبِ الهوى خيطَ النّدى شدّي

                وفتّقي الصبحَ في كفٍّ من الندّ

وداعبي بي صراخَ الليل وانسكبي

               جَوعى وَلُمّي إزارَ الوقتِ وامتدّي 

في قصيدة ( عناية الله) يرسم لنا هذه اللوحة البهية عن النفس الشاعرة وهي تتحضّر للحمل وولادة القصيدة, بعناية الله, وليس بشيطان الشعر:  

ومحورُ الهمسِ في إياي ألبَسَني

          ثوبَ النهارِ بإيماءٍ منَ الفرقِ

وبتُّ أمضغُ أعراقي وصاخبةٌ

        بداخلي أحرفٌ صِيغتْ من الحَبَقِ

فجبتُ كل زوايا الغيب ملتمسًا

      على مدار الضحى تهويمة العبقِ

(عنايةُ الله) ألقتْ سرَّ خاتمِها

      على السطورِ فوشّى سحرُها أفقي

الحديث في هذا الديوان يطول, بطول القصائد وعددها الكثير, وبتعدّد الأغراض وبهاء التصوير, وشدو القافية المتنوعة.

الشاعر خلف دلف الحديثي يستحق بجدارة أن يلبس عباءة القصيدة العمودية, وأن يتقلّد صولجان التجديد والعصرنة في أغراضها, وله كل الاحترام والأمنيات الطيبة والمباركات بهذا المنجز الشعري الشيّق.

 

                                                           الناقدة الذرائعية السورية د. عبير خالد يحيي

                                                                   جمهورية مصر العربية – الاسكندرية

                                                                                           22/ 7 /2021      

              

 


تعليقات