المشاركات

حين تتكلم الإبادة: صراع البلاغتين بين دونالد ترامب وإيران… وهل يقود إلى حرب نووية؟

صورة
ليست الحروب وحدها ما يقتل، ثمة جملٌ تُقال؛ فتفتح الطريق للموت. حين يُنطق في الخطاب السياسي أن حضارة كاملة قد تموتالليلة، لا نكون أمام تهديد عابر، وإنما أمام لحظة لغوية يتدرّب فيها العالم على تقبّل فكرة الإبادة. هنا لا تعود اللغة وسيلة وصف، وإنما تتحول إلى قوة تأسيس، تسبق الفعل وتشرّعه، وتمنحه ملامحه الأخلاقية قبل أن يقع.  إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس احتمالية الحرب، حيث أن الحرب بدأت بالفعل داخل اللغة، حين صار ممكنًا أن يُختزل كيان كامل في جملة قابلة للنطق. في هذا السياق، لا يمكن قراءة خطاب دونالد ترامب بوصفه مجرد تهديد سياسي تقليدي، لأن بنيته اللغوية تكشف انزياحًا عميقًا من استهداف النظام إلى استهداف الوجود ذاته.  حين تُستبدل مفردات مثل "النظام" أو "السياسة" بكلمة "حضارة"، فإن الخطاب لا يوسّع دلالته فقط، بل يغيّر طبيعة الهدف.  الحضارة لا تُستهدف جزئيًا، ولا يمكن فصلها عن شعبها أو تاريخها أو ذاكرتها، وهذا ما يجعل الجملة، في عمقها البلاغي، إعلانًا ضمنيًا عن شمول التدمير.  لكن هذا الإعلان لا يأتي بصيغة مباشرة، وإنما يتخفّى خلف تركيب احتمالي مراوغ...

طقسُ مرسين

صورة
  مرسين ..الذاكرة حين تغدو مدينة. تُفلتُ من الاسم، وتنادي نفسها بالملح.   يرفعُ البحرُ جفنه الأزرق، ويُرسلُ نبضه إلى خاصرةِ الجبل، فيستقيمُ الحجرُ كاهنًا يغتسلُ بالضوء، وتُشعلُ الشمسُ تاجًا من ذهبٍ فوق جبينه. تُطاولُ أبراجُها   الريح، وتنشرُ أكتافها في الفضاء، وفي حضنها تنامُ بيوتٌ ريفية، تُغمضُ نوافذها على حكاياتِ القمح، وتُخبّئُ في جدرانها دفءَ الأمهات. وعلى كتفِ الجبل بيوتٌ تتسلّقُ الصخر، تغرسُ أظافرها في الجروف، وتُطلُّ على البحر مُشرفةً على قلبٍ مفتوح.   تكتبُ الأزقّةُ خطواتِ العابرين، وتخبّئها في جيوبِ الظلّ، وتفتحُ   الأرصفةُ كفوفَها لتصافحَ التعبَ فيعودُ خفيفًا.   يوقّعُ المطرُ أسماءَه على الزجاج، ويُربّي في الشرفاتِ ذاكرةً مبلّلة. والنوافذُ تُصغي، تجمعُ همساتِ الغيم وتُخزّنها في الخشب. نهرٌ يمشّطُ رأسَ المدينة، يفتحُ ممرّاتٍ في شعرها، ويُعلّقُ على كل خصلةٍ حكاية، ثم يتركها تُجفّفُ أسرارُها في الهواء. تُزخرفُ الحدائقُ العشبَ بالألوان، وتزرعُ في الضوءِ أعيادًا صغيرة، والأزهارُ تُطلقُ عطرها ...

"ممنوع دخول الله إلى هذا المكان" مونودراما مسرحية تأليف: د. عبير خالد يحيي

صورة
  إهداء إلى: حمزة نَضَر أبو خالد الميداني الذي خرج من العتمة حاملاً في صدره أصوات الذين لم يخرجوا.   عتبة:     " الصمتُ هو السجن الأخير"   افتتاحية (ظلام كامل. صوت بطيء يخرج من العتمة.) الصوت: تحت الأرض تنام مدنٌ أخرى. مدنٌ تتعلّم فيها الخطوات أن تمشي بلا صوت. جدرانٌ تحفظ صرخات البشر مثل كتبٍ سرية مدفونة في العظام. هناك… يتحوّل الإنسان إلى رقم. يتحوّل الجسد إلى صفحةٍ يكتب عليها الحديد. وهناك أيضاً يولد الصمت. الصمت الذي يشبه قبراً أوسع من الأرض. من تلك المدن خرجت هذه الحكاية. حكاية رجلٍ خرج من العتمة حاملاً في صدره أصوات الذين بقوا. الليلة… يَفتح بابَ الذاكرة كي يتكلم. كي لا يكبرُ الصمتُ أكثر.   (يبدأ الضوء بالظهور) المشهد الأول العتمة (بقعة ضوء خافتة. المعتقل جالس على الأرض.) المعتقل: العَتَمة كائنٌ ثقيل يجلس في الزنزانة. يتنفّس ببطء. يمرّ الهواءُ فوق الصدر كغريبٍ يخاف الطرق. في صيدنايا.. يتبدّل شكل الزمن. الساعة ضربة. اليوم صرخة. العمر جثّة تُحمَل إلى نهاية الممر...