المشاركات

الرنجة الحمراء: حين يُسرق مسار الحوار بقلم د.عبير خالد يحيي

صورة
قراءة في إحدى أكثر المغالطات المنطقية حضورًا في الخطاب الإعلامي والسياسي لم تعد المعارك الفكرية والإعلامية في عصر الاتصال الرقمي تُحسم بقوة الأدلة وحدها، بل أصبحت تُدار – في كثير من الأحيان – عبر استراتيجيات خطابية قادرة على إعادة توجيه انتباه الجمهور، وصناعة أولويات جديدة للنقاش، وإبعاد الأنظار عن القضية الأصلية. ومن هنا برزت أهمية دراسة المغالطات المنطقية بوصفها أدوات تؤثر في تشكيل الرأي العام، وتعيد صياغة مسارات الحوار، وتمنح الخطاب قوة إقناعية قد لا تستند إلى حجج سليمة بقدر ما تعتمد على مهارة توجيه الانتباه. وتُعد مغالطة الرنجة الحمراء (Red Herring) واحدةً من أكثر هذه المغالطات شيوعًا في الخطاب السياسي والإعلامي، وفي المناظرات العامة، بل وفي الحوارات اليومية أيضًا. فهي لا تسعى إلى دحض الحجة المقابلة، ولا إلى إثبات خطأ الخصم، وإنما تعتمد على تحويل مسار النقاش إلى قضية أخرى تبدو ذات صلة، لكنها تُبعد المتلقي تدريجيًا عن السؤال الأساسي حتى يغدو النقاش منصبًّا على موضوع مختلف تمامًا. وتزداد خطورة هذه المغالطة في ظل البيئة الرقمية المعاصرة، حيث تتداخل الأخبار بالآراء، وتتسارع...

رِسَالَةٌ إِلَى الوَطَنِ قَبْلَ الحُدُودِ

صورة
حِينَ كانَتِ الطُّرُقُ تَحفَظُ وَقْعَ أَقْدَامِنا، وكانَتِ الأَزِقَّةُ تَهتَدِي إِلَيْنا بِالرَّائِحَةِ. البُيُوتُ بِلا أَرْقَامٍ، والأَشْجَارُ بِلا عَنَاوِين. كانَ يَكْفِي أَنْ نَمْشِي... فَيَفْتَحَ البَابُ نَفْسَهُ. كُنْتَ وَاسِعًا. تَسَعُكَ خُطْوَتَانِ. وَتَسَعُنِي. وكانَتِ السَّمَاءُ تَمْتَدُّ فَوْقَنَا دُونَ أَنْ يَعْتَرِضَهَا خَطٌّ. اسْتَيْقَظَتِ الخَرَائِطُ. أَخْرَجَتْ مَسَاطِرَهَا البَارِدَةَ، وَرَاحَتْ تُخِيطُ فِي جَسَدِكَ خُطُوطًا لَا تَنْبُتُ عَلَيْهَا السَّنَابِلُ. أَخَذَتِ الطُّرُقُ تَنْظُرُ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَدُلَّنِي. وَالأَبْوَابُ تُؤَخِّرُ انْفِتَاحَهَا. الرِّيحُ تَمُرُّ بِي كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ. كُلَّمَا عُدْتُ، رَفَعَتِ الحِجَارَةُ رُؤُوسَهَا. كَادَتْ تُنَادِينِي... وَصَمَتَتْ. البَحْرُ يَعْرِفُ يَدِي. وَشَجَرَةُ التِّينِ تُمِيلُ غُصْنَهَا كُلَّمَا مَرَرْتُ. الوُجُوهُ تُقَلِّبُ مَلَامِحِي كَمَا تُقَلَّبُ وَثِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، بَحْثًا عَنْ خَتْمٍ يُطْمَئِنُهَا. أَضَعُ قَدَمِي فِي مَوْضِعِهَا القَدِيمِ... فَلَا تَ...

رِسَالَةٌ إِلَى الوَطَنِ قَبْلَ الحُدُودِ

صورة
حِينَ كانَتِ الطُّرُقُ تَحفَظُ وَقْعَ أَقْدَامِنا، وكانَتِ الأَزِقَّةُ تَهتَدِي إِلَيْنا بِالرَّائِحَةِ. البُيُوتُ بِلا أَرْقَامٍ، والأَشْجَارُ بِلا عَنَاوِين. كانَ يَكْفِي أَنْ نَمْشِي... فَيَفْتَحَ البَابُ نَفْسَهُ. كُنْتَ وَاسِعًا. تَسَعُكَ خُطْوَتَانِ. وَتَسَعُنِي. وكانَتِ السَّمَاءُ تَمْتَدُّ فَوْقَنَا دُونَ أَنْ يَعْتَرِضَهَا خَطٌّ. اسْتَيْقَظَتِ الخَرَائِطُ. أَخْرَجَتْ مَسَاطِرَهَا البَارِدَةَ، وَرَاحَتْ تُخِيطُ فِي جَسَدِكَ خُطُوطًا لَا تَنْبُتُ عَلَيْهَا السَّنَابِلُ. أَخَذَتِ الطُّرُقُ تَنْظُرُ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَدُلَّنِي. وَالأَبْوَابُ تُؤَخِّرُ انْفِتَاحَهَا. الرِّيحُ تَمُرُّ بِي كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ. كُلَّمَا عُدْتُ، رَفَعَتِ الحِجَارَةُ رُؤُوسَهَا. كَادَتْ تُنَادِينِي... وَصَمَتَتْ. البَحْرُ يَعْرِفُ يَدِي. وَشَجَرَةُ التِّينِ تُمِيلُ غُصْنَهَا كُلَّمَا مَرَرْتُ. الوُجُوهُ تُقَلِّبُ مَلَامِحِي كَمَا تُقَلَّبُ وَثِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، بَحْثًا عَنْ خَتْمٍ يُطْمَئِنُهَا. أَضَعُ قَدَمِي فِي مَوْضِعِهَا القَدِيمِ... فَلَا تَ...

من يصنع ذاكرة العنف ضد المرأة؟ قراءة في أدوار الإعلام والثقافة والفنون د. عبير خالد يحيي

صورة
  مقدمة:       لا تتساوى الجرائم في حضورها داخل الذاكرة العامة، حتى عندما تتشابه في قسوتها ونتائجها. فبينما تتحول بعض النساء اللواتي تعرضن للعنف إلى رموز تتردد أسماؤهن في وسائل الإعلام، والأدب، والسينما، والحملات الحقوقية، تختفي آلاف القصص الأخرى في صمت، وكأنها لم تقع. وهذه المفارقة تطرح سؤالًا يتجاوز الجريمة ذاتها: من يقرر ما يبقى في الذاكرة، وما يُترك للنسيان؟ وهل تصنع الذاكرة الإنسانية نفسها تلقائيًا، أم أنها نتاج منظومة ثقافية وإعلامية تنتقي، وتعيد السرد، وتمنح بعض القصص حضورًا يفوق غيرها؟   أولًا: اقتصاد الذاكرة... كيف تختار الثقافة رموزها؟     لا تحتفظ المجتمعات بذاكرتها كاملة، كما لا تستطيع أن تمنح جميع الأحداث المكانة نفسها في الوعي الجمعي. فالذاكرة الثقافية ليست سجلًا محايدًا، بل فضاءً انتقائيًا يخضع لعمليات مستمرة من الاختيار، وإعادة الترتيب، وإنتاج المعنى. ومن هنا يمكن الحديث عن "اقتصاد الذاكرة"؛ أي الآليات التي تحدّد ما يستحق أن يبقى حيًا في الوجدان العام، وما يُترك تدريجيًا للنسيان. في قضايا العنف ضد المرأة، تبدو...

حوارات ذرائعية مع الفلسفات النقدية: من حدث التفكيك إلى فاعلية النص ومقولة جاك دريدا

صورة
تُعد مقولة: «التفكيك يحدث، وإنه حدث لا ينتظر تداولًا أو وعيًا أو تنظيمًا من ذات فاعلة» من أبرز العبارات التي تجسد الفلسفة التفكيكية في بعدها الأنطولوجي. فهي لا تتعامل مع التفكيك بوصفه منهجًا نقديًا يختاره الناقد، بل باعتباره حدثًا متأصلًا في بنية اللغة ذاتها، حيث تنطوي النصوص على تناقضاتها الداخلية وإمكاناتها اللامحدودة للانفتاح على المعنى. وقد مثّلت هذه الرؤية تحولًا نوعيًا في الفكر النقدي؛ إذ سحبت من الناقد سلطة إنتاج المعنى، وجعلت دوره أقرب إلى الكشف عن ديناميات التفكك الكامنة في النص. غير أن هذا التصور، على ما ينطوي عليه من عمق فلسفي، يثير تساؤلًا جوهريًا: إذا كان التفكيك يحدث بصورة تلقائية، فمن أين يستمد النص قدرته على الاستمرار؟ وكيف يحافظ على تأثيره في الوعي الإنساني عبر الزمن؟ في هذا السياق، تبرز المقاربة الذرائعية. فالذرائعية لا تنكر تعددية القراءات الممكنة للنص، ولا تغفل التوترات الداخلية التي أشار إليها دريدا، لكنها ترى أن هذه التوترات لا تمثل الحقيقة الكاملة للنص. فالنص ليس كيانًا لغويًا مغلقًا، ولا مجرد شبكة من الاختلافات والإرجاءات، بل هو فعل إنساني نشأ ض...

بين الجسد والوعي: دراسة ذرائعية في البنية النفسية والنسوية لرواية /حائط الفضيحة/ للكاتبة السورية ليزا إبراهيم خضر بقلم الناقدة السورية د.عبير خالد يحيي

صورة
مدخل     تندرج رواية /حائط الفضيحة/  للكاتبة ليزا إبراهيم خضر ضمن الرواية النفسية الحديثة التي تتجاوز الحكاية التقليدية لتجعل الوعي الإنساني بؤرةً للسرد، فتتحول الشخصية من فاعلٍ للأحداث إلى فضاء تتقاطع داخله الذاكرة والهلوسة والرغبة والخوف والهوية.  لا تكتفي الرواية بتقديم معاناة امرأة تواجه المجتمع، بل تنقل القارئ إلى داخل بنيتها النفسية، حيث يصبح الزمن الداخلي أكثر حضورًا من الزمن الخارجي، ويغدو الشعور هو المحرك الحقيقي للسرد. وتكتسب الرواية خصوصيتها من تداخل ثلاثة مستويات متوازية:  فهي رواية نفسية تستكشف تشظي الذات،  ورواية نسوية تناقش علاقة المرأة بجسدها وبالسلطة الاجتماعية،  ورواية رمزية تستثمر عناصر المكان والذاكرة والموروث الشعبي لتشييد شبكة دلالية واسعة.  ومن هنا لا تبدو الأحداث غايةً في ذاتها، بل وسائل للكشف عن طبقات الوعي العميقة للشخصيات، ولا سيما البطلة لور التي تتحول إلى مرآة تعكس صراع الإنسان مع ذاته بقدر ما تعكس صراع المرأة مع المجتمع. وتسعى هذه الدراسة إلى مقاربة الرواية وفق المنهج الذرائعي التكاملي، من خلال تحليل مستوي...