بين التسجيلات والبيان الرسمي: من أخّر كشف مصير أطفال رانيا العباسي؟


بعد ثلاثة عشر عامًا من الانتظار والاحتمالات القاسية، جاء بيان الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا ليعلن ما كانت تخشاه القلوب منذ زمن: ترجيح استشهاد الأطفال الستة للدكتورة رانيا العباسي، بعد التوصل إلى نتائج وصفتها الهيئة بأنها "موثوقة ومتقاطعة" وتسمح بالاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني.

لم تكن قضية رانيا العباسي وعائلتها مجرد ملف اختفاء قسري بين آلاف الملفات السورية، بل تحولت إلى رمز أخلاقي وإنساني لمعاناة السوريين مع منظومة الإخفاء القسري التي التهمت عائلات بأكملها دون أثر أو جواب.

غير أن البيان، رغم قسوته، فتح بابًا آخر من الأسئلة.

فالمعلومات التي ظهرت خلال الأسابيع الماضية ربطت بين ملف أطفال رانيا العباسي وبين المساعد الأول السابق في فرع المخابرات العسكرية 227 أمجد يوسف، المعروف بدوره في مجزرة التضامن. وقد أشارت تقارير إعلامية وتحقيقات صحفية إلى وجود تسجيلات مصورة ومعلومات تم الحصول عليها بعد الوصول إلى أمجد يوسف، وأن جزءًا من هذه المواد شكّل أساسًا مهمًا في إعادة فتح الملف والتحقيق بمصير الأطفال.

واليوم تؤكد الهيئة الوطنية للمفقودين أن نتائجها استندت إلى التحقق من تسجيلات ومعلومات قادت إلى الاستنتاج بأن الأطفال قُتلوا داخل المعتقل. كما تحدثت تقارير إعلامية عن أشرطة مصورة خضعت للتحقق الفني قبل إعلان النتائج.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:

إذا كانت هذه التسجيلات أو بعض مضامينها موجودة لدى جهات تحقيق أو توثيق منذ عام 2022، كما يتداول ناشطون وصحفيون ومتابعون للملف، فلماذا بقيت بعيدة عن الرأي العام طوال هذه السنوات؟ ولماذا لم تُحسم القضية مبكرًا؟ وإذا كانت الهيئة الوطنية للمفقودين أو جهات دولية أو حقوقية قد اطلعت على هذه المواد منذ سنوات، فما هي المبرّرات القانونية أو المهنية التي حالت دون مشاركة المعلومات مع السلطات السورية الجديدة بعد سقوط النظام؟

قد تكون هناك تفسيرات مشروعة؛ فبعض الأدلة الجنائية تُحجب لحماية التحقيقات أو الشهود أو للحفاظ على سلامة مسارات الملاحقة القضائية الدولية. كما أن نشر تسجيلات تتعلق بأطفال ضحايا قد يثير إشكاليات أخلاقية وإنسانية بالغة الحساسية.

لكن في المقابل، فإن حجم المأساة يفرض حقًا مشروعًا للعائلات وللرأي العام بمعرفة آلية إدارة هذا الملف، ومعرفة الجهات التي امتلكت المعلومات ومتى امتلكتها، وما إذا كانت هناك اعتبارات قانونية حقيقية أخرت كشفها أم أن هناك تقصيرًا أو ترددًا في التعامل معها.

إن القضية اليوم لم تعد فقط قضية معرفة مصير أطفال رانيا العباسي، بل أصبحت أيضًا قضية شفافية وعدالة انتقالية.

فالعدالة لا تكتمل بمعرفة الجريمة فقط، بل بمعرفة الطريق الذي سلكته الحقيقة حتى وصلت إلينا، ولماذا تأخرت كل هذه السنوات.

لقد سقط الجلادون وبقيت الأسئلة.

ومن حق السوريين أن يعرفوا: 

متى عُرفت الحقيقة؟ ومن عرفها؟ ولماذا تأخر الإعلان عنها؟ وهل كان بالإمكان أن تصل العائلة إلى هذا اليقين المؤلم قبل سنوات؟

إن تكريم ذكرى الأطفال الستة لا يكون بالرثاء وحده، وإنما بإقامة نموذج شفاف للمحاسبة وكشف الحقيقة، لأن آلاف العائلات السورية ما زالت تنتظر الإجابة نفسها التي انتظرتها عائلة رانيا العباسي لأكثر من عقد كامل.

تعليقات