المشاركات

عرض المشاركات من يوليو, 2026

الذرائعية ونظرية أفعال الكلام عند جون سيرل: من الفعل اللغوي إلى الفعل النصي بقلم الناقدة د. عبير خالد يحيي

صورة
        مثّلت نظرية أفعال الكلام التي أسسها الفيلسوف البريطاني جون لانغشو أوستن، ثم طورها الفيلسوف الأمريكي جون سيرل، أحد أهم التحولات في فلسفة اللغة واللسانيات التداولية. فقد نقلت الاهتمام من دراسة اللغة بوصفها نظامًا من العلامات إلى النظر إليها باعتبارها ممارسة اجتماعية تُنجز أفعالًا حقيقية. فلم يعد السؤال الأساسي: ماذا تعني الكلمات؟ أصبح: ماذا يفعل المتكلم عندما يتكلم؟ غير أن تطور الدراسات النقدية واللسانية كشف أن الاقتصار على تحليل الجملة أو الملفوظ لا يكفي لفهم الخطاب الأدبي أو الثقافي أو الإعلامي، الأمر الذي دفع المناهج النقدية الحديثة إلى توسيع هذا الإطار. ومن هنا جاءت الذرائعية لتقدّم رؤية أكثر شمولًا، تنتقل من تحليل الفعل الكلامي المفرد إلى تحليل الفعل النصي والخطابي بأكمله.   أولًا: نظرية أفعال الكلام عند جون سيرل     انطلق سيرل من فكرة بسيطة لكنها أحدثت تحولًا جذريًا، وهي أن اللغة لا تنقل المعلومات فقط، بل تنجز أفعالًا اجتماعية. فعندما يقول شخص: "أعدك أن أزورك غدًا." فإنه لا يصف وعدًا، بل يصنع الوعد نفسه. وعن...

الرنجة الحمراء: حين يُسرق مسار الحوار بقلم د.عبير خالد يحيي

صورة
قراءة في إحدى أكثر المغالطات المنطقية حضورًا في الخطاب الإعلامي والسياسي لم تعد المعارك الفكرية والإعلامية في عصر الاتصال الرقمي تُحسم بقوة الأدلة وحدها، بل أصبحت تُدار – في كثير من الأحيان – عبر استراتيجيات خطابية قادرة على إعادة توجيه انتباه الجمهور، وصناعة أولويات جديدة للنقاش، وإبعاد الأنظار عن القضية الأصلية. ومن هنا برزت أهمية دراسة المغالطات المنطقية بوصفها أدوات تؤثر في تشكيل الرأي العام، وتعيد صياغة مسارات الحوار، وتمنح الخطاب قوة إقناعية قد لا تستند إلى حجج سليمة بقدر ما تعتمد على مهارة توجيه الانتباه. وتُعد مغالطة الرنجة الحمراء (Red Herring) واحدةً من أكثر هذه المغالطات شيوعًا في الخطاب السياسي والإعلامي، وفي المناظرات العامة، بل وفي الحوارات اليومية أيضًا. فهي لا تسعى إلى دحض الحجة المقابلة، ولا إلى إثبات خطأ الخصم، وإنما تعتمد على تحويل مسار النقاش إلى قضية أخرى تبدو ذات صلة، لكنها تُبعد المتلقي تدريجيًا عن السؤال الأساسي حتى يغدو النقاش منصبًّا على موضوع مختلف تمامًا. وتزداد خطورة هذه المغالطة في ظل البيئة الرقمية المعاصرة، حيث تتداخل الأخبار بالآراء، وتتسارع...

رِسَالَةٌ إِلَى الوَطَنِ قَبْلَ الحُدُودِ

صورة
حِينَ كانَتِ الطُّرُقُ تَحفَظُ وَقْعَ أَقْدَامِنا، وكانَتِ الأَزِقَّةُ تَهتَدِي إِلَيْنا بِالرَّائِحَةِ. البُيُوتُ بِلا أَرْقَامٍ، والأَشْجَارُ بِلا عَنَاوِين. كانَ يَكْفِي أَنْ نَمْشِي... فَيَفْتَحَ البَابُ نَفْسَهُ. كُنْتَ وَاسِعًا. تَسَعُكَ خُطْوَتَانِ. وَتَسَعُنِي. وكانَتِ السَّمَاءُ تَمْتَدُّ فَوْقَنَا دُونَ أَنْ يَعْتَرِضَهَا خَطٌّ. اسْتَيْقَظَتِ الخَرَائِطُ. أَخْرَجَتْ مَسَاطِرَهَا البَارِدَةَ، وَرَاحَتْ تُخِيطُ فِي جَسَدِكَ خُطُوطًا لَا تَنْبُتُ عَلَيْهَا السَّنَابِلُ. أَخَذَتِ الطُّرُقُ تَنْظُرُ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَدُلَّنِي. وَالأَبْوَابُ تُؤَخِّرُ انْفِتَاحَهَا. الرِّيحُ تَمُرُّ بِي كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ. كُلَّمَا عُدْتُ، رَفَعَتِ الحِجَارَةُ رُؤُوسَهَا. كَادَتْ تُنَادِينِي... وَصَمَتَتْ. البَحْرُ يَعْرِفُ يَدِي. وَشَجَرَةُ التِّينِ تُمِيلُ غُصْنَهَا كُلَّمَا مَرَرْتُ. الوُجُوهُ تُقَلِّبُ مَلَامِحِي كَمَا تُقَلَّبُ وَثِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، بَحْثًا عَنْ خَتْمٍ يُطْمَئِنُهَا. أَضَعُ قَدَمِي فِي مَوْضِعِهَا القَدِيمِ... فَلَا تَ...

رِسَالَةٌ إِلَى الوَطَنِ قَبْلَ الحُدُودِ

صورة
حِينَ كانَتِ الطُّرُقُ تَحفَظُ وَقْعَ أَقْدَامِنا، وكانَتِ الأَزِقَّةُ تَهتَدِي إِلَيْنا بِالرَّائِحَةِ. البُيُوتُ بِلا أَرْقَامٍ، والأَشْجَارُ بِلا عَنَاوِين. كانَ يَكْفِي أَنْ نَمْشِي... فَيَفْتَحَ البَابُ نَفْسَهُ. كُنْتَ وَاسِعًا. تَسَعُكَ خُطْوَتَانِ. وَتَسَعُنِي. وكانَتِ السَّمَاءُ تَمْتَدُّ فَوْقَنَا دُونَ أَنْ يَعْتَرِضَهَا خَطٌّ. اسْتَيْقَظَتِ الخَرَائِطُ. أَخْرَجَتْ مَسَاطِرَهَا البَارِدَةَ، وَرَاحَتْ تُخِيطُ فِي جَسَدِكَ خُطُوطًا لَا تَنْبُتُ عَلَيْهَا السَّنَابِلُ. أَخَذَتِ الطُّرُقُ تَنْظُرُ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَدُلَّنِي. وَالأَبْوَابُ تُؤَخِّرُ انْفِتَاحَهَا. الرِّيحُ تَمُرُّ بِي كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ. كُلَّمَا عُدْتُ، رَفَعَتِ الحِجَارَةُ رُؤُوسَهَا. كَادَتْ تُنَادِينِي... وَصَمَتَتْ. البَحْرُ يَعْرِفُ يَدِي. وَشَجَرَةُ التِّينِ تُمِيلُ غُصْنَهَا كُلَّمَا مَرَرْتُ. الوُجُوهُ تُقَلِّبُ مَلَامِحِي كَمَا تُقَلَّبُ وَثِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، بَحْثًا عَنْ خَتْمٍ يُطْمَئِنُهَا. أَضَعُ قَدَمِي فِي مَوْضِعِهَا القَدِيمِ... فَلَا تَ...

من يصنع ذاكرة العنف ضد المرأة؟ قراءة في أدوار الإعلام والثقافة والفنون د. عبير خالد يحيي

صورة
  مقدمة:       لا تتساوى الجرائم في حضورها داخل الذاكرة العامة، حتى عندما تتشابه في قسوتها ونتائجها. فبينما تتحول بعض النساء اللواتي تعرضن للعنف إلى رموز تتردد أسماؤهن في وسائل الإعلام، والأدب، والسينما، والحملات الحقوقية، تختفي آلاف القصص الأخرى في صمت، وكأنها لم تقع. وهذه المفارقة تطرح سؤالًا يتجاوز الجريمة ذاتها: من يقرر ما يبقى في الذاكرة، وما يُترك للنسيان؟ وهل تصنع الذاكرة الإنسانية نفسها تلقائيًا، أم أنها نتاج منظومة ثقافية وإعلامية تنتقي، وتعيد السرد، وتمنح بعض القصص حضورًا يفوق غيرها؟   أولًا: اقتصاد الذاكرة... كيف تختار الثقافة رموزها؟     لا تحتفظ المجتمعات بذاكرتها كاملة، كما لا تستطيع أن تمنح جميع الأحداث المكانة نفسها في الوعي الجمعي. فالذاكرة الثقافية ليست سجلًا محايدًا، بل فضاءً انتقائيًا يخضع لعمليات مستمرة من الاختيار، وإعادة الترتيب، وإنتاج المعنى. ومن هنا يمكن الحديث عن "اقتصاد الذاكرة"؛ أي الآليات التي تحدّد ما يستحق أن يبقى حيًا في الوجدان العام، وما يُترك تدريجيًا للنسيان. في قضايا العنف ضد المرأة، تبدو...