رِسَالَةٌ إِلَى الوَطَنِ قَبْلَ الحُدُودِ


حِينَ كانَتِ الطُّرُقُ تَحفَظُ وَقْعَ أَقْدَامِنا،

وكانَتِ الأَزِقَّةُ تَهتَدِي إِلَيْنا بِالرَّائِحَةِ.

البُيُوتُ بِلا أَرْقَامٍ،

والأَشْجَارُ بِلا عَنَاوِين.

كانَ يَكْفِي أَنْ نَمْشِي...

فَيَفْتَحَ البَابُ نَفْسَهُ.

كُنْتَ وَاسِعًا.

تَسَعُكَ خُطْوَتَانِ.

وَتَسَعُنِي.

وكانَتِ السَّمَاءُ تَمْتَدُّ فَوْقَنَا دُونَ أَنْ يَعْتَرِضَهَا خَطٌّ.

اسْتَيْقَظَتِ الخَرَائِطُ.

أَخْرَجَتْ مَسَاطِرَهَا البَارِدَةَ،

وَرَاحَتْ تُخِيطُ فِي جَسَدِكَ خُطُوطًا لَا تَنْبُتُ عَلَيْهَا السَّنَابِلُ.

أَخَذَتِ الطُّرُقُ تَنْظُرُ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَدُلَّنِي.

وَالأَبْوَابُ تُؤَخِّرُ انْفِتَاحَهَا.

الرِّيحُ تَمُرُّ بِي كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ.

كُلَّمَا عُدْتُ،

رَفَعَتِ الحِجَارَةُ رُؤُوسَهَا.

كَادَتْ تُنَادِينِي...

وَصَمَتَتْ.

البَحْرُ يَعْرِفُ يَدِي.

وَشَجَرَةُ التِّينِ تُمِيلُ غُصْنَهَا كُلَّمَا مَرَرْتُ.

الوُجُوهُ تُقَلِّبُ مَلَامِحِي كَمَا تُقَلَّبُ وَثِيقَةٌ قَدِيمَةٌ، بَحْثًا عَنْ خَتْمٍ يُطْمَئِنُهَا.

أَضَعُ قَدَمِي فِي مَوْضِعِهَا القَدِيمِ...

فَلَا تَتَعَرَّفُ الأَرْضُ إِلَى مِقَاسِي.

أَفْتَحُ كَفِّي...

فَتَنْهَضُ رَائِحَةُ التُّرَابِ.

أَمُدُّ يَدِي إِلَى حَجَرٍ أَمْلَسَ.

تَبْقَى حَرَارَةُ الشَّمْسِ فِيهِ أَصْدَقَ مِنَ الذَّاكِرَةِ.

لَا أَسْأَلُهُ:

هَلْ عُدْتُ؟

أَسْأَلُهُ:

هَلْ مَا زِلْتَ تَحْفَظُ وَقْعَ خُطْوَتِي...

أَمْ أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضًا...

صِرْتَ تَقْرَأُ الخَرَائِطَ؟

تعليقات