حين تتكلم الإبادة: صراع البلاغتين بين دونالد ترامب وإيران… وهل يقود إلى حرب نووية؟
ليست الحروب وحدها ما يقتل، ثمة جملٌ تُقال؛ فتفتح الطريق للموت. حين يُنطق في الخطاب السياسي أن حضارة كاملة قد تموتالليلة، لا نكون أمام تهديد عابر، وإنما أمام لحظة لغوية يتدرّب فيها العالم على تقبّل فكرة الإبادة. هنا لا تعود اللغة وسيلة وصف، وإنما تتحول إلى قوة تأسيس، تسبق الفعل وتشرّعه، وتمنحه ملامحه الأخلاقية قبل أن يقع. إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس احتمالية الحرب، حيث أن الحرب بدأت بالفعل داخل اللغة، حين صار ممكنًا أن يُختزل كيان كامل في جملة قابلة للنطق. في هذا السياق، لا يمكن قراءة خطاب دونالد ترامب بوصفه مجرد تهديد سياسي تقليدي، لأن بنيته اللغوية تكشف انزياحًا عميقًا من استهداف النظام إلى استهداف الوجود ذاته. حين تُستبدل مفردات مثل "النظام" أو "السياسة" بكلمة "حضارة"، فإن الخطاب لا يوسّع دلالته فقط، بل يغيّر طبيعة الهدف. الحضارة لا تُستهدف جزئيًا، ولا يمكن فصلها عن شعبها أو تاريخها أو ذاكرتها، وهذا ما يجعل الجملة، في عمقها البلاغي، إعلانًا ضمنيًا عن شمول التدمير. لكن هذا الإعلان لا يأتي بصيغة مباشرة، وإنما يتخفّى خلف تركيب احتمالي مراوغ...