حين تغادر القصيدة نفسها: تفكّك الذات وتحوّل الألم إلى بنية لغوية في قصيدة "وراء الصمت" للأديبة السورية لبنى ياسين بقلم الناقدة د. عبير خالد يحيي


في هذه القصيدة، لا تكتب لبنى ياسين نصًا شعريًا بقدر ما تُجري تجربة وجودية على اللغة ذاتها؛ تجربة تقود إلى تفكيك الذات، وتفكيك أدوات التعبير معها. نحن لا نكون أمام "قصيدة عن الألم"، وإنما أمام ألمٍ يُعاد إنتاجه بوصفه بنية لغوية متشظية، حيث تصبح الكلمات امتدادًا للانكسار، وليس وسيلة لاحتوائه.
منذ العتبة الأولى:
"في دارك المهجور آوت خيبتي"
تؤسس الشاعرة فضاءً مزدوجًا: مكان خارجي مهجور، وذات داخلية مأهولة بالخيبة. هذا التوازي ليس توصيفًا، بل إسقاط بنيوي يجعل الخراب الخارجي انعكاسًا لحالة داخلية. فالدار ليست مكانًا بقدر ما هي استعارة للذاكرة، والمهجور ليس صفةً للمكان، بل للذات التي فقدت إمكانية الانتماء.
يتصاعد هذا التوتر في صورة:
"يمضغني الحنين بألف ناب"
حيث يتحول الحنين – وهو شعور يفترض فيه اللطف – إلى كائن مفترس. هنا، تنقلب القيم الدلالية، ويُعاد تعريف العاطفة بوصفها أداة افتراس. هذه المفارقة تكشف عن خلل في البنية الشعورية للذات، حيث لم يعد بالإمكان الوثوق بالمشاعر نفسها.
تبلغ القصيدة إحدى ذُراها الدلالية في قولها:
"أنا ضيفة في مأتمي"
هذه الجملة لا تكتفي بتكثيف المفارقة، وإنما تؤسس لما يمكن تسميته بـالانفصال الوجودي للذات عن ذاتها. فالذات هنا ليست فاعلة في مصيرها، وإنما هي متفرجة عليه؛ تحضر موتها كضيفة، لا كضحية فقط. وهذا التحول من الفاعلية إلى التشييء يعكس درجة متقدمة من الاغتراب.
ضمن هذا السياق، تطرح الشاعرة سؤالًا أخلاقيًا مقلقًا:
"فبأي ذنب يا ليالي أستتاب؟"
السؤال هنا لا يبحث عن إجابة، وإنما يكشف عن انهيار منظومة المعنى. فالتوبة تفترض ذنبًا واضحًا، لكن الذات هنا تعيش شعور الذنب دون سبب محدد، ما يحيل إلى قلق وجودي يتجاوز الأخلاقي إلى العبثي.
أما استدعاء "روما" في:
"كل الدروب تتوه عن روما"
 لا يمكن قراءته قراءة جغرافية، وإنما رمزًا لـلمركز المفقود، أو الحقيقة التي لم تعد الطرق تؤدي إليها. غير أن المفارقة تبلغ ذروتها حين تقول: "وروما لا تمزقها النصال ولا الحراب"
فالمركز – رغم فقدانه – يظل متماسكًا في ذاته، بينما التيه يصيب الطرق وليس الغاية. وهنا تتجلى مأساة الذات: ليست في ضياع الهدف، وإنما في عجز الوصول إليه.
تتخذ القصيدة منحى أكثر عمقًا حين تدخل في علاقة الذات بالنص:
"كل النصوص تجوس في رأسي تحنطني"
صورة بالغة القسوة، حين تتحول النصوص – التي يفترض أنها فضاء حرية – إلى أدوات تحنيط.
 الكتابة هنا لم تعد خلاصًا، وإنما صارت شكلًا آخر من أشكال الموت المؤجل. وهذا يكشف عن وعي نقدي داخلي لدى الشاعرة، حيث تفكك وهم الكتابة بوصفها ملاذًا.
يتكثف هذا الوعي في لحظة مفصلية:
"أغادر الآن القصيدة دون قافية سوى وجعي"
هنا لا تغادر الشاعرة النص فحسب، لكنها تغادر فكرة الشعر نفسها بوصفها نظامًا جماليًا قادرًا على احتواء الألم. 
القافية – التي تمثل الانضباط الموسيقي – تُستبدل بالوجع، أي أن الإيقاع يتحول من نظام خارجي إلى نبض داخلي منفلت.
هذه اللحظة تمثل ذروة التحول في النص: من كتابة الألم إلى التمرد على شروط كتابته.
من منظور الذرائعية، يمكن القول إن القصيدة تحقق وظيفة تأثيرية عالية، ليس عبر الإقناع أو الحجاج، وإنما عبر إشراك المتلقي في التجربة الشعورية نفسها. القارئ لا يفسر النص بقدر ما ينزلق داخله، ويصبح جزءًا من ارتباكه.
أما على المستوى النفسي، فإن تكرار ضمير "أنا" لا يعكس حضورًا، وإنما محاولة يائسة لتثبيت هوية تتفكك. كل "أنا" تُقال، هي في الحقيقة إعلان عن هشاشة هذا الـ"أنا"، لا تأكيده.
وفي بنيتها السردية، تنحو القصيدة نحو زمن داخلي متشظٍ، لا يخضع لتسلسل منطقي، وإنما يخضع لتداعي الحالات النفسية. لا حدث خارجي يُروى، بل حدث داخلي يتكرر بصيغ متعددة، مما يجعل النص أقرب إلى مونولوج وجودي مفتوح.
خاتمة
"وراء الصمت" ليست قصيدة تُقرأ بقدر ما تُعاش؛ نصٌّ يشتغل على حافة اللغة، حيث تتكسر الدلالة، ويتحول الشعر من أداة تعبير إلى ساحة صراع بين الذات وانهيارها.
إنها تجربة تكتب لحظة انكشاف قاسية: حين لا يعود الشعر قادرًا على إنقاذ صاحبه، فيختار الشاعر أن يغادره... تاركًا وجعه قافيةً أخيرة، وصوتًا يلوّح من بعيد، كخيطٍ من سحاب.

النص الشعري:

وراء الصمتِ
-------
في دارِكِ المهجورِ
آوتْ خيبتي
ومضيتُ يمضغني الحنينُ
بألفِ نابْ

أنا ضيفةٌ في مأتمي
أسعى وراءَ الصمتِ
يدركني الخرابْ

سبعُ جهاتٍ
تستفز رحابتي
فبأيِ ذنبٍ يا لياليَ أُستتابْ؟!

كلُ الدروبِ
تتوهُ عن روما
وروما لا تمزقها النصالُ، ولا الحرابْ

أنا هكذا...
أقفو ارتجافَ الحرفِ
أكتبهُ
على شرفاتِ أوردتي
وأتركهُ يغنّي للترابْ

أنا ذلك اللاشيء
يصرخُ صرخةً
فيتوهُ هذا الصوتُ
في ذاكَ اليبابْ

أنا وردةٌ
سُقيتْ بنارِ الوقتِ
في فنجانِ موتٍ
من سرابْ

في موتيَ الأزليِّ
يجتاحُ الخصومُ رفاتَ أحلامي
ويُنهكني الغيابْ

كلُ النصوصِ
تجوسُ في رأسي
تُحنطني
فأبقى مثلَ سطرٍ في كتابْ

فانظر إلي...
ألمُّ صوتي
مثلَ منديلٍ على كتفِ المساءِ
أغادرُ الآن القصيدةَ
دون قافيةٍ
سوى وجعي
يلوّحُ لي…
كخيطٍ من سحابْ

نص ولوحة: لبنى ياسين

تعليقات