حين تتكلم الإبادة: صراع البلاغتين بين دونالد ترامب وإيران… وهل يقود إلى حرب نووية؟
ليست الحروب وحدها ما يقتل،
ثمة جملٌ تُقال؛ فتفتح الطريق للموت.
حين يُنطق في الخطاب السياسي أن حضارة كاملة قد تموتالليلة، لا نكون أمام تهديد عابر، وإنما أمام لحظة لغوية يتدرّب فيها العالم على تقبّل فكرة الإبادة. هنا لا تعود اللغة وسيلة وصف، وإنما تتحول إلى قوة تأسيس، تسبق الفعل وتشرّعه، وتمنحه ملامحه الأخلاقية قبل أن يقع.
إن أخطر ما في هذه اللحظة ليس احتمالية الحرب، حيث أن الحرب بدأت بالفعل داخل اللغة، حين صار ممكنًا أن يُختزل كيان كامل في جملة قابلة للنطق.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة خطاب دونالد ترامب بوصفه مجرد تهديد سياسي تقليدي، لأن بنيته اللغوية تكشف انزياحًا عميقًا من استهداف النظام إلى استهداف الوجود ذاته.
حين تُستبدل مفردات مثل "النظام" أو "السياسة" بكلمة "حضارة"، فإن الخطاب لا يوسّع دلالته فقط، بل يغيّر طبيعة الهدف.
الحضارة لا تُستهدف جزئيًا، ولا يمكن فصلها عن شعبها أو تاريخها أو ذاكرتها، وهذا ما يجعل الجملة، في عمقها البلاغي، إعلانًا ضمنيًا عن شمول التدمير.
لكن هذا الإعلان لا يأتي بصيغة مباشرة، وإنما يتخفّى خلف تركيب احتمالي مراوغ، في عبارة "قد تموت"، حيث يُقال التهديد ويُسحب في اللحظة نفسها، فتُفتح مساحة للإنكار دون أن يتراجع أثر الرعب.
هكذا تتحقق إحدى أخطر وظائف اللغة: أن تظل الفكرة قائمة دون أن تتحمٍل مسؤوليتها كاملة.
ثم يأتي الضغط الزمني في كلمة "الليلة" ليحوّل التهديد من احتمال مؤجّل إلى خطر فوري، وكأن الزمن نفسه يُختزل ليصبح أداة نفسية لا مجرد إطار للحدث.
ومع انتقال الخطاب إلى صيغ الحسم، كما في "سننهي التهديد إلى الأبد"، تتكثف البنية الإغلاقية للغة، حيث لا يُترك مجال للتفاوض أو التدرج أو حتى الاحتمال، بل يُقدَّم الصراع بوصفه نهاية يجب أن تقع، لا مسارًا يمكن احتواؤه. وفي هذا السياق، تُختزل إيران في "تهديد"، وهي عملية تجريد لغوي تُسقط الإنسان والتاريخ والتعقيد، وتستبدلها بوظيفة سلبية واحدة، تمهّد نفسيًا لتقبّل العنف بوصفه إجراءً مشروعًا لا جريمة.
غير أن الخطاب المقابل لا يتحرك في الاتجاه ذاته، بل يبني منطقًا لغويًا مختلفًا تمامًا.
فحين يُقال #لن_نركع، لا يكون الحديث عن #توازن_قوى، بل عن #كرامة، أي أن الصراع يُعاد تعريفه أخلاقيًا لا عسكريًا. وحين يُعلن أن "الرد سيكون قاسيِا"، فإن الغموض المقصود في هذه العبارة لا يضعف التهديد، بل يعزٍزه، لأنه يفتح أفقًا واسعًا للقلق، حيث لا يعرف الخصم شكل الضربة القادمة ولا توقيتها.
أما حين تُستدعى دماء القادة بوصفها شيئًا لن يذهب سدى، فإن الخسارة لا تُقدَّم كفقد، بل كتحول، حيث يتحول الموت إلى طاقة رمزية تُعيد إنتاج الشرعية، وتحوّل الألم إلى مبرر للاستمرار.
وفي عبارة المقاومة مستمرة، ينفتح الزمن على امتداد لا نهاية له، وكأن الصراع يُنزع من لحظته الراهنة ليُعاد توطينه في تاريخ طويل من الصمود.
بهذا المعنى، لا نكون أمام خطابَين متقابلين فقط، بل أمام نظامَين بلاغيين متصادمين: أحدهما يسعى إلى إنهاء الصراع عبر إنهاء الخصم، والآخر يسعى إلى إبطال فكرة النهاية ذاتها عبر تحويل الصراع إلى حالة دائمة.
الأول يختزل الزمن في لحظة حاسمة، والثاني يمدّه إلى ما لا نهاية.
الأول يغلق اللغة على نتيجة واحدة، والثاني يفتحها على احتمالات البقاء.
وفي هذه النقطة تحديدًا تتشكًل خطورة المشهد، لأن الصراع لا يدور بين قوتَين متكافئتين في الرؤية، بل بين تصورَين للوجود نفسه: تصور يرى الحل في الإلغاء، وآخر يرى البقاء في الاستمرار رغم الألم.
من هنا، يصبح السؤال عن الحرب النووية سؤالًا معقدًا لا يمكن اختزاله في قرار سياسي مباشر. فواقعيًا، ما زالت احتمالات استخدام السلاح النووي ضعيفة، لأن كلفته لا يمكن احتواؤها، ولأن العالم، بقواه الكبرى، لن يسمح بانفلات بهذا الحجم. لكن الخطر لا يكمن في القرار المباشر، بل في المسار الذي تقوده اللغة.
حين ترتفع نبرة الإبادة، ويتحول الصراع إلى معركة كرامة ووجود، ويتقلص هامش التراجع تحت ضغط الخطاب، يصبح الانزلاق نحو مستويات أعلى من التصعيد أمرًا ممكنًا، لا لأن أحدًا قرٍر ذلك منذ البداية، وإنما لأن اللغة دفعت الأحداث تدريجيًا إلى تلك الحافة.
لهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لا يتمّثل في حرب نووية شاملة، بل في حرب واسعة، متشابكة، تتوزع على الجغرافيا وتُدار بأدوات متعددة، لكنها تبقى دون العتبة النووية. ومع ذلك، يبقى الاحتمال الأخطر كامنًا في لحظة فقدان السيطرة، حين يشعر أحد الأطراف أن وجوده مهدّد بالكامل، فيتحول من حسابات الربح والخسارة إلى منطق: إذا لم ننجُ، فلن ينجو أحد.
في النهاية، لا تكون الكلمات مجرد تمهيد للحرب، بل جزءًا منها. إنها ترسم حدود الممكن، وتعيد تعريف ما يمكن قبوله أو رفضه. وحين تصبح الإبادة فكرة قابلة للتداول في الخطاب السياسي، فإن العالم لا يكون قد دخل الحرب بعد… بل يكون قد بدأ بالتعايش معها.
وهنا، لا يعود السؤال: هل ستكون هناك حرب نووية؟
بل:
إلى أي مدى تستطيع اللغة أن تدفع العالم نحو ما كان مستحيلًا بالأمس؟
#دعبيرخالديحيي
تعليقات
إرسال تعليق