الذرائعية ونظرية أفعال الكلام عند جون سيرل: من الفعل اللغوي إلى الفعل النصي بقلم الناقدة د. عبير خالد يحيي
مثّلت نظرية أفعال
الكلام التي أسسها الفيلسوف البريطاني جون لانغشو أوستن، ثم طورها الفيلسوف
الأمريكي جون سيرل، أحد أهم التحولات في فلسفة اللغة واللسانيات التداولية. فقد
نقلت الاهتمام من دراسة اللغة بوصفها نظامًا من العلامات إلى النظر إليها
باعتبارها ممارسة اجتماعية تُنجز أفعالًا حقيقية. فلم يعد السؤال الأساسي: ماذا
تعني الكلمات؟ أصبح: ماذا يفعل المتكلم عندما يتكلم؟
غير أن تطور الدراسات النقدية واللسانية كشف أن
الاقتصار على تحليل الجملة أو الملفوظ لا يكفي لفهم الخطاب الأدبي أو الثقافي أو
الإعلامي، الأمر الذي دفع المناهج النقدية الحديثة إلى توسيع هذا الإطار. ومن هنا
جاءت الذرائعية لتقدّم رؤية أكثر شمولًا، تنتقل من تحليل الفعل الكلامي المفرد إلى
تحليل الفعل النصي والخطابي بأكمله.
أولًا: نظرية أفعال الكلام عند جون سيرل
انطلق سيرل من فكرة
بسيطة لكنها أحدثت تحولًا جذريًا، وهي أن اللغة لا تنقل المعلومات فقط، بل تنجز
أفعالًا اجتماعية.
فعندما يقول شخص:
"أعدك أن أزورك غدًا."
فإنه لا يصف وعدًا، بل يصنع الوعد نفسه.
وعندما يقول القاضي:
"أحكم عليك بالسجن."
فإن الحكم لا يصف واقعًا قائمًا، بل ينشئ واقعًا
قانونيًا جديدًا.
ومن هنا قسم سيرل أفعال الكلام إلى خمسة أنواع
رئيسة:
- الأفعال الإخبارية (Assertives): تصف الواقع ويلتزم المتكلم بصدقها.
- الأفعال التوجيهية (Directives): تهدف إلى حمل المخاطب على القيام بفعل معين.
- الأفعال الالتزامية (Commissives): يلتزم فيها المتكلم بفعل مستقبلي.
- الأفعال التعبيرية (Expressives): تعبر عن المشاعر والانفعالات.
- الأفعال الإعلانية أو الإنشائية (Declarations): تغير الواقع بمجرد التلفظ بها إذا صدرت عن جهة مخولة.
كما وضع سيرل شروطًا لنجاح الفعل الكلامي،
أهمها:
- توافر السلطة عند المتكلم.
- مناسبة السياق.
- صدق النية.
- فهم المخاطب للمقصود.
ثانيًا: حدود نظرية سيرل
على الرغم من القيمة
الكبيرة للنظرية، فإنها بقيت في معظم تطبيقاتها تدور حول الجملة أو الملفوظ
المفرد.
فقد كان السؤال المركزي:
"ما الفعل الذي تؤديه هذه الجملة؟"
أما النصوص الأدبية والخطابات السياسية
والإعلامية والفلسفية فهي لا تقوم على فعل كلامي واحد، بل على شبكة معقدة من
الأفعال والاستراتيجيات والمقاصد التي تتفاعل فيما بينها لتكوين أثر كلي.
ومن هنا ظهرت الحاجة إلى تجاوز حدود الملفوظ
الواحد نحو دراسة الخطاب الكامل.
ثالثًا: ماذا أضافت الذرائعية؟
لم تأت الذرائعية لهدم
نظرية سيرل، وإنما انطلقت منها وطوّرتها، فأعادت بناء مفهوم الفعل الكلامي داخل
إطار نصي وثقافي أوسع.
1- الانتقال من الفعل الكلامي إلى الفعل النصّي:
بينما يحلل سيرل كل جملة على حدة، تنظر
الذرائعية إلى النص كله بوصفه فعلًا تداوليًا متكاملًا.
فالرواية، أو القصيدة، أو المقال، أو المسرحية
ليست مجرد مجموعة من الجمل، بل مشروع تواصلي واحد يسعى إلى تحقيق غاية محددة.
2- من القوة الإنجازية إلى الاستراتيجية النصية:
اهتم سيرل بالقوة الإنجازية لكل ملفوظ.
أما الذرائعية فتبحث عن الاستراتيجية الكبرى
التي تنتظم جميع الأفعال الكلامية داخل النص، فتدرس كيف تتعاون أوامر الكاتب،
وإخباره، ووصفه، واستفهاماته، وصوره البلاغية لإنتاج رسالة واحدة.
3- توسيع مفهوم السياق:
ركز سيرل على شروط نجاح الفعل الكلامي داخل
الموقف التخاطبي.
بينما توسعت الذرائعية لتشمل:
- السياق التاريخي.
- السياق الثقافي.
- المرجعيات الفكرية.
- البيئة الاجتماعية.
- الأيديولوجيا.
- الخلفية الحضارية.
فلا يُفهم الخطاب بعيدًا عن هذه العناصر.
4- مركزية المتلقي
في نظرية سيرل يكفي أن يفهم المخاطب الفعل
الكلامي.
أما الذرائعية فتنظر إلى المتلقي بوصفه شريكًا
في إنتاج المعاني، وتدرس مقدار التأثير الذي أحدثه النص، ومدى نجاحه في تحقيق
أهدافه الإقناعية والجمالية والفكرية.
5- الربط بين الشكل والوظيفة
لا تنظر الذرائعية إلى البلاغة والصور والأسلوب
باعتبارها زخارف لغوية، وإنما أدوات تؤدي وظيفة تداولية داخل النص.
فالاستعارة، والإيقاع، والتكرار، والحذف،
والتقديم والتأخير، جميعها تدخل في بناء الفعل النصي الكلي.
رابعًا: من سؤال سيرل إلى سؤال الذرائعية
ويكمن الفارق الجوهري
بين نظرية سيرل والمنظور الذرائعي في زاوية النظر إلى الخطاب.
فسيرل ينطلق من السؤال: ما الفعل الذي تؤديه هذه
الجملة؟ لذلك يركز تحليله على الملفوظ المفرد وقوته الإنجازية وشروط نجاحه داخل
الموقف التواصلي المباشر، مع اهتمام خاص بقصد المتكلم واستجابة المخاطب.
أما
الذرائعية فتتجاوز حدود الجملة إلى النص بأكمله، لتطرح سؤالًا أوسع هو: ما الفعل
الذي ينجزه هذا الخطاب في مجمله؟ ومن هنا يصبح النص وحدةً تداولية متكاملة تتضافر
فيها الأفعال الكلامية، وتتفاعل مع البنية اللغوية والأسلوبية، والسياقات الثقافية
والاجتماعية والتاريخية، من أجل تحقيق مقصد كلي وإحداث أثر معين في المتلقي. وبذلك
لا يقتصر التحليل على تصنيف الملفوظات أو بيان قوتها الإنجازية، بل يمتد إلى الكشف
عن الاستراتيجية الخطابية التي تنتظمها، وكيفية توظيف مختلف العناصر اللغوية
والجمالية والفكرية لإنتاج المعنى وتحقيق الفاعلية التواصلية. ومن هذا المنظور، لا
تُعد الذرائعية قطيعة مع نظرية سيرل، بل تمثل امتدادًا وتطويرًا لها، إذ تنقلها من
تحليل الأفعال الكلامية الجزئية إلى تحليل الفعل النصي الشامل بوصفه مشروعًا
تداوليًا وثقافيًا متكاملًا.
خامسًا: القيمة العلمية لهذا التطوير
إن ما قدمته الذرائعية
لا يتمثل في استبدال نظرية سيرل، وإنما في توسيع مجالها.
فقد أصبح بالإمكان دراسة الرواية، والقصيدة،
والخطاب الإعلامي، والنص الفلسفي، والخطاب السياسي، بوصفها منظومات تداولية كاملة،
لا مجرد تجمع من الأفعال الكلامية المنفصلة.
كما أصبح التحليل يشمل:
- قصدية المؤلف.
- بنية النص.
- آليات الإقناع.
- المرجعيات الثقافية.
- أثر الخطاب في المتلقي.
- القيمة الوظيفية لكل عنصر لغوي وجمالي.
وبذلك تحول التحليل من مستوى الجملة إلى مستوى
البنية النصية الكاملة.
لقد أحدث جون سيرل ثورة
في فلسفة اللغة عندما أثبت أن الكلام فعل قبل أن يكون وصفًا، وأن الإنسان ينجز
بالكلمات أفعالًا تغير الواقع الاجتماعي. غير أن الذرائعية وسعت هذا الإنجاز،
فنقلت مركز الاهتمام من الفعل الكلامي الجزئي إلى الفعل النصي الكلي، وربطت اللغة
بالسياقات الثقافية والاجتماعية، وجعلت النص مشروعًا تداوليًا متكاملًا تتحقق
دلالته من خلال تفاعل الكاتب والنص والمتلقي.
ومن ثم يمكن القول إن الذرائعية لم تُلغِ نظرية
سيرل، بل وسّعت مجالها الإجرائي، وربطتها بتحليل الخطاب والنص الكامل، بما أتاح
الانتقال من تداولية الجملة إلى تداولية النص. داخل رؤية نقدية أكثر شمولًا،
تتجاوز حدود الجملة إلى فضاء الخطاب الكامل، وتجمع بين البنية اللغوية، والمقصد،
والسياق، والأثر، لتجعل من النص فعلًا حضاريًا وثقافيًا متكاملًا، لا مجرد سلسلة
من الأفعال الكلامية المنعزلة.
المراجع
1.
الغالبي، عبد
الرزاق عودة، ويحيي، عبير خالد. الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي. طنطا،
مصر: دار النابغة للنشر والتوزيع، 2018.
2.
الغالبي، عبد
الرزاق عودة، ويحيي، عبير خالد. الذرائعية في التطبيق. طنطا، مصر: دار النابغة
للنشر والتوزيع، 2018.
المراجع
الأجنبية :
3. Austin, J. L. (1962). How to Do Things with Words. Oxford:
Oxford University Press.
4. Searle, J.
R. (1969). Speech Acts: An Essay in the Philosophy of Language. Cambridge:
Cambridge University Press.
Levinson, S. C.
(1983). Pragmatics. Cambridge: Cambridge University Press.5
6. Van Dijk, T.
A. (1977). Text and Context: Explorations in the Semantics and Pragmatics of
Discourse. London: Longman.
تعليقات
إرسال تعليق