من يصنع ذاكرة العنف ضد المرأة؟ قراءة في أدوار الإعلام والثقافة والفنون د. عبير خالد يحيي
مقدمة:
لا تتساوى الجرائم في
حضورها داخل الذاكرة العامة، حتى عندما تتشابه في قسوتها ونتائجها. فبينما تتحول
بعض النساء اللواتي تعرضن للعنف إلى رموز تتردد أسماؤهن في وسائل الإعلام، والأدب،
والسينما، والحملات الحقوقية، تختفي آلاف القصص الأخرى في صمت، وكأنها لم تقع. وهذه
المفارقة تطرح سؤالًا يتجاوز الجريمة ذاتها: من يقرر ما يبقى في الذاكرة، وما
يُترك للنسيان؟ وهل تصنع الذاكرة الإنسانية نفسها تلقائيًا، أم أنها نتاج منظومة
ثقافية وإعلامية تنتقي، وتعيد السرد، وتمنح بعض القصص حضورًا يفوق غيرها؟
أولًا: اقتصاد الذاكرة... كيف تختار الثقافة
رموزها؟
لا تحتفظ المجتمعات
بذاكرتها كاملة، كما لا تستطيع أن تمنح جميع الأحداث المكانة نفسها في الوعي
الجمعي. فالذاكرة الثقافية ليست سجلًا محايدًا، بل فضاءً انتقائيًا يخضع لعمليات
مستمرة من الاختيار، وإعادة الترتيب، وإنتاج المعنى. ومن هنا يمكن الحديث عن "اقتصاد
الذاكرة"؛ أي الآليات التي تحدّد ما يستحق أن يبقى حيًا في الوجدان العام،
وما يُترك تدريجيًا للنسيان.
في قضايا العنف ضد المرأة، تبدو هذه الآليات
أكثر وضوحًا. فبين آلاف النساء اللواتي تعرضن للعنف، لا تتحول سوى قصص قليلة إلى
رموز تتجاوز حدودها الفردية، لتصبح جزءًا من الخطاب الثقافي والإنساني. أما
الغالبية، فتغيب أسماؤهن، وتبقى معاناتهن حبيسة التقارير أو الملفات القضائية أو
ذاكرة أسرهن.
ولا يرتبط هذا الانتقاء بدرجة الألم أو حجم
المأساة وحدهما، بل بمنظومة معقدة من العوامل الثقافية.
فالثقافة تبحث، غالبًا، عن قصة قادرة على تمثيل
قضية أوسع، وعن شخصية تختصر مأساة جماعية، وعن سردية يسهل تداولها وإعادة إنتاجها.
وهكذا، تتحول الضحية من فرد له سيرة خاصة إلى رمز يحمل دلالات اجتماعية وأخلاقية
وسياسية، فيغدو حضورها مستمرًا في الأدب، والفنون، والخطاب العام.
غير أن لكل عملية اختيار ثمنًا؛ فحين تُسلَّط
الأضواء على قصص محددة، تتراجع قصص أخرى إلى الظل، ليس لأنها أقل أهمية، وإنما لأنها
لم تجد المسار الثقافي الذي ينقلها من نطاق الحدث إلى فضاء الذاكرة. وهنا لا يصبح
النسيان نتيجة طبيعية لمرور الزمن، لكن نتيجة لآليات الانتقاء التي تتحكم في إنتاج
الرموز وتداولها.
إن الحديث عن "اقتصاد الذاكرة" لا
يعني وجود إرادة واعية لإقصاء بعض الضحايا، وإنما يشير إلى أن الذاكرة الثقافية
محدودة بطبيعتها؛ فهي لا تستوعب كل شيء، ولذلك تنتقي ما يتوافق مع أسئلة المجتمع،
وقيمه، وصوره عن ذاته. غير أن هذا الانتقاء يفرض علينا سؤالًا أخلاقيًا وثقافيًا
ملحًا: كيف يمكن بناء ذاكرة أكثر عدالة، لا تجعل الاعتراف بالضحايا امتيازًا تمنحه
الشهرة أو قابلية التداول، بل حقًا إنسانيًا لا يخضع لمنطق الانتقاء؟
ثانيًا: الإعلام وصناعة الذاكرة... من الخبر إلى
الرمز
لم يعد الإعلام وسيطًا
يكتفي بنقل الوقائع، وإنما أصبح أحد أبرز الفاعلين في تشكيل الذاكرة الجمعية. فهو
لا يقرر فقط ما الذي نعرفه، بل يسهم أيضًا في تحديد ما الذي سنظل نتذكّره. وبين
لحظة وقوع الجريمة ولحظة استقرارها في الوعي العام، تتدخل وسائل الإعلام لتمنح بعض
القصص حضورًا واسعًا، بينما تمرّ أخرى مرورًا عابرًا، مهما تشابهت في قسوتها أو
آثارها الإنسانية.
وتبدأ صناعة الذاكرة منذ اللحظة الأولى لاختيار
الحدث. فليس كل ما يقع يجد طريقه إلى التغطية، وليس كل ما يُغطى يحظى بالمساحة
ذاتها. ثم تأتي عملية السرد؛ حيث تُنتقى الصور، والعناوين، والشهادات، والزوايا
التي تُقدَّم من خلالها القصة، فتتشكل لدى الجمهور صورة ذهنية قد تبقى لسنوات،
وربما لعقود.
ويزداد تأثير الإعلام حين تتكرر القصة عبر وسائط
متعددة: في نشرات الأخبار، والمنصات الرقمية، والبرامج الحوارية، والأفلام الوثائقية،
والأعمال الدرامية، فتتحول الواقعة من خبر إلى رمز، ومن حادثة فردية إلى قضية
عامة. إن التكرار هنا لا يرسخ المعلومات فحسب، بل يصنع ذاكرة ثقافية تمنح بعض
القصص قدرة استثنائية على البقاء.
في المقابل، فإن القصص التي لا تحظى بهذا
التكرار، أو التي تتراجع سريعًا أمام إيقاع الأخبار المتسارع، تتعرّض لما يمكن
وصفه بـ"التآكل الإعلامي"، حيث تنحسر تدريجيًا من المجال العام، حتى وإن
لم تُغلق ملفاتها القانونية أو تنتهِ آثارها الاجتماعية.
ولا يعني ذلك أن الإعلام يتعمد صناعة ذاكرة
انتقائية، لكنه يعمل ضمن منظومة تحكمها اعتبارات مهنية، واقتصادية، ورقمية،
وسياسية، وثقافية. فالتنافس على جذب الجمهور، ومنطق المنصات الرقمية، وسرعة تداول
المحتوى، كلها عوامل تؤثر في مدة بقاء القصة، وفي حجم حضورها داخل الوعي الجمعي.
ومن هنا، تتجاوز مسؤولية الإعلام مجرد نقل الخبر
إلى الإسهام في بناء ذاكرة أكثر توازنًا وإنصافًا؛ ذاكرة لا تقيس قيمة الضحية بحجم
التفاعل الذي تحققه قصتها، ولا تجعل الشهرة الإعلامية معيارًا للاعتراف بالألم
الإنساني، بل تمنح المساحة نفسها لكل قصة تستحق أن تُروى، ولكل ضحية تستحق ألا
تُنسى.
ثالثًا: وسائل التواصل الاجتماعي... بين
ديمقراطية الذاكرة وانتقائية الخوارزميات
أحدثت وسائل التواصل
الاجتماعي تحولًا جذريًا في العلاقة بين الحدث والذاكرة. فبعد أن كانت المؤسسات
الإعلامية التقليدية تحتكر إلى حد كبير اختيار القصص التي تصل إلى الجمهور، أصبحت المنصات
الرقمية تتيح للأفراد والناشطين والمؤسسات المدنية المشاركة في صناعة السرد،
وإطلاق حملات قادرة على لفت الانتباه إلى قضايا ربما لم تجد مكانًا في وسائل
الإعلام التقليدية.
وقد منح هذا التحول أصواتًا كثيرة فرصة للظهور،
وساعد في كسر الصمت عن جرائم ظلت لسنوات بعيدة عن الضوء، كما أتاح للناجيات وأسر
الضحايا أن يروين قصصهن بأنفسهن، بعيدًا عن الوساطة الإعلامية. وفي كثير من
الحالات، نجحت الحملات الرقمية في دفع المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام إلى إعادة
فتح ملفات، أو توسيع النقاش حول قضايا كانت مهددة بالنسيان.
إلا أن هذه المساحة الأكثر انفتاحًا لم تُلغِ
الانتقائية، بل أعادت إنتاجها بصورة جديدة. فانتشار القضايا لم يعد مرتبطًا فقط
بقيمتها الإنسانية، بل أيضًا بمنطق الخوارزميات، وسرعة التفاعل، وقابلية المحتوى
للمشاركة، والوسوم الأكثر تداولًا. وهكذا، قد تحظى قضية باهتمام عالمي خلال ساعات،
بينما تبقى قضايا أخرى، لا تقل مأساوية، خارج دائرة الرؤية لأنها لم تحقق الانتشار
الرقمي الكافي.
كما أسهم الإيقاع السريع للمنصات الرقمية في
تقصير عمر الذاكرة العامة. فالقضية التي تتصدر الاهتمام اليوم قد تتراجع غدًا أمام
حدث جديد، فينتقل الجمهور بسرعة من مأساة إلى أخرى، دون أن يمنح أيًّا منها الوقت
الكافي للفهم العميق أو المتابعة المستمرة. وبهذا، تتحول الذاكرة أحيانًا إلى
سلسلة من موجات التعاطف المؤقت، أكثر منها سجلًا مستقرًا للتجربة الإنسانية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في وفرة المعلومات،
بل في كيفية تحويل التفاعل الرقمي إلى وعي ثقافي مستدام. فوسائل التواصل الاجتماعي
تمتلك قدرة هائلة على كسر الصمت، لكنها تحتاج، في المقابل، إلى خطاب إعلامي وثقافي
يحفظ القضايا من الاستهلاك السريع، ويمنع تحولها إلى أحداث عابرة تذوب بانتهاء
دورة الاهتمام الرقمي.
ومن هنا، فإن بناء ذاكرة أكثر عدالة لا يعتمد
على التكنولوجيا وحدها، بل على الاستخدام الواعي لها؛ استخدامٍ يوازن بين سرعة
النشر وعمق المعالجة، وبين حق الجمهور في المعرفة وحق الضحايا في ألا تتحول
معاناتهم إلى محتوى مؤقت تحكمه مؤشرات التفاعل أكثر مما تحكمه القيم الإنسانية.
رابعًا: الأدب السردي... الذاكرة الطويلة
للإعلام وبناء عدالة التذكر
إذا كان الإعلام يصنع
الوعي الأول بالحدث، فإن الأدب السردي يصنع وعيه الباقي. وإذا كانت وسائل الإعلام
تنجح في لفت الأنظار إلى الجريمة، فإن الرواية والقصة تمنعانها من السقوط في
النسيان.
فالإعلام، بحكم طبيعته، يعيش في إيقاع اللحظة،
أما الأدب فيمتلك القدرة على تحرير الحدث من راهنيته، وإعادة بنائه بوصفه تجربة
إنسانية قابلة للعبور عبر الأجيال.
ولا تتمثل وظيفة الأدب في إعادة سرد الوقائع أو
منافسة التقارير الإخبارية، بل في استعادة الإنسان الذي يختفي غالبًا خلف الخبر.
فبينما يختزل الإعلام الضحية في عنوان أو صورة أو رقم، يعيدها السرد إلى فضائها
الإنساني؛ يمنحها اسمًا، وصوتًا، وذاكرة، وأحلامًا، وخسارات، ويجعل القارئ يعيش
تجربتها من الداخل، ليس كخبرٍ عابر، وإنما بوصفها جزءًا من التجربة الإنسانية
المشتركة.
ومن هنا، لا يبدو الأدب منافسًا للإعلام، بل
ذاكرته الطويلة. فالإعلام يوقظ الوعي، والأدب يحفظه من التآكل. وما يغادر نشرات
الأخبار بعد أيام، قد يبقى حيًا لعقود في رواية قادرة على إعادة إنتاج الأسئلة
الأخلاقية والإنسانية التي أثارتها الجريمة. ولهذا، فإن السرد لا يخلّد الأحداث
فحسب، بل يخلّد الضحايا أيضًا، ويمنحهم حضورًا يتجاوز زمن الواقعة.
وتتجلى أهمية الأدب بصورة خاصة في قدرته على
إعادة توزيع العدالة الرمزية. فالرواية ليست ملزمة بأن تكتب عن المرأة التي تصدرت
عناوين الأخبار، بل تستطيع أن تمنح البطولة لامرأة لم يسمع بها أحد، وأن تعيد إلى
الذاكرة من أقصتهم دورة الاهتمام الإعلامي. وبهذا المعنى، لا يحفظ الأدب الذاكرة
فحسب، بل يصحح اختلالاتها، ويمنح المنسيين فرصة ثانية للحضور.
وفي السرد السوري المعاصر، برزت أعمال جعلت من
المرأة محورًا لرواية الألم والذاكرة ومقاومة النسيان. وتأتي رواية (سرمدة)
للروائي فادي عزام في مقدمة هذه الأعمال؛ إذ تنطلق من جريمة شرف قومية، لكنها لا
تتعامل معها بوصفها واقعة جنائية فحسب، وإنما بوصفها جرحًا ثقافيًا يستدعي مساءلة
المجتمع والذاكرة معًا. ومن خلال بناء سردي يتداخل فيه الواقعي بالمتخيل، تستعيد
الرواية صوت امرأة أُقصيت من الحياة، لتمنحها حضورًا جديدًا في الوعي الجمعي،
مؤكدة أن السرد قادر على إعادة الاعتبار لمن غيّبهم العنف.
وفي رواية (حائط الفضيحة) للروائية ليزا خضر،
يتحوّل العنف الاجتماعي والوصم إلى قضية إنسانية تتجاوز حدود الشخصية، ليصبح السرد
مساحة لاستعادة كرامة المرأة وإعادة مساءلة الثقافة التي تنتج الإقصاء.
أما رواية (الفناء الخلفي) للروائية لميس الزين،
فتقدّم صورة دقيقة لتأثير الحرب في البنية الاجتماعية والعائلية، حيث لا يقتصر
العنف على ساحات القتال، بل يمتد إلى العلاقات الإنسانية، وإلى خيارات النساء
ومصائرهن، فيغدو السرد شهادة على التحولات النفسية والاجتماعية التي تصنعها الحرب،
وحفظًا لذاكرة من عاشوها بعيدًا عن اختزالها في الأخبار اليومية.
كما تقدم رواية (شبابيك طرطوس) للروائية فيحاء
نابلسي المرأة وهي تواجه التحولات التي فرضتها الحرب على المجتمع، فتغدو الذاكرة
الشخصية مرآة لذاكرة المكان والناس، ويتحوّل السرد إلى مساحة لمقاومة محو التجارب
الفردية داخل ضجيج الأحداث الكبرى.
ولا تقتصر هذه الوظيفة على التجربة السورية، بل
تؤكدها تجارب عربية عديدة، من أبرزها رواية (باب الشمس) للروائي إلياس خوري، التي
استطاعت أن تجعل السرد حارسًا للذاكرة الفلسطينية، وأن تحول الحكايات الفردية إلى
جزء من الوجدان العربي، في مثال واضح على قدرة الأدب على حفظ ما تعجز الذاكرة
الإعلامية، بطبيعتها السريعة، عن الاحتفاظ به.
إن المجتمعات لا تبني ذاكرتها بالإعلام وحده،
ولا بالأدب وحده، وإنما بالحوار المستمر بينهما. فالإعلام يفتح باب الوعي، والأدب
يمنع هذا الباب من أن يُغلق. وإذا كانت الثقافة تسعى إلى بناء ذاكرة أكثر عدالة في
مواجهة العنف ضد المرأة، فإن السرد الأدبي يظل أحد أكثر أدواتها قدرة على مقاومة
النسيان؛ لأنه لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يحوله إلى معرفة، وإلى تعاطف، وإلى
مسؤولية أخلاقية تبقى حية حتى بعد أن تخفت أصداء الحدث في وسائل الإعلام.
خامسًا: السينما والفنون... حين تتحول الذاكرة
إلى صورة
إذا كان الأدب
السردي هو الذاكرة الطويلة للإعلام، فإن السينما والفنون التشكيلية تمثلان الذاكرة
البصرية للمجتمع. فالصورة تمتلك قدرة استثنائية على ترسيخ الحدث في الوجدان
الجمعي، إذ تختزل في مشهد واحد ما قد تعجز عنه صفحات طويلة من الوصف، وتحوّل الألم
الفردي إلى تجربة إنسانية مشتركة. ولهذا، لا تؤدي السينما والفنون دورًا توثيقيًا
فحسب، بل تسهم في تشكيل الوعي الثقافي، وفي بناء ذاكرة جماعية أكثر رسوخًا
واستمرارًا.
فالعمل الفني لا يعيد إنتاج الحدث كما وقع،
وإنما يعيد بناء معناه. وبينما يركز الخبر على الوقائع، تنشغل السينما والفنون
بالإنسان؛ بمخاوفه، وذاكرته، وصمته، وما تبقى فيه بعد انقضاء الحدث. وهنا تتحول
الصورة إلى وسيط ثقافي يحفظ الذاكرة من التآكل، ويمنح الضحايا حضورًا يتجاوز زمن
الجريمة.
وقدمت السينما العربية نماذج بارزة في هذا
المجال، من أهمها فيلم (678) للمخرج المصري محمد دياب، الذي كسر الصمت حول ظاهرة
التحرش الجنسي، وأسهم في تحويلها إلى قضية رأي عام، وفيلم (احكي يا شهرزاد) للمخرج
المصري يسري نصر الله، الذي كشف أشكالًا متعددة من العنف الجسدي والنفسي
والاجتماعي الذي تتعرض له النساء داخل البنية الثقافية للمجتمع.
أما السينما السورية، فقد استطاعت أن تجعل من
المرأة شاهدًا على الحرب وحاملة لذاكرتها. ففي فيلم ( يوم أضعت ظلي) للمخرجة سؤدد كعدان، تتحوّل رحلة امرأة للبحث عن
أبسط مقومات الحياة إلى رحلة في فقدان الأمان والهوية، بينما يقدم فيلم (إلى سما) للمخرجة
وعد الخطيب والمخرج إدوارد واتس رسالة مؤثرة من أم إلى ابنتها، تحولت إلى واحدة من
أهم الشهادات الإنسانية عن النساء السوريات خلال الحرب. كما أعاد فيلم( ماء الفضة:
صورة ذاتية لسوريا) للمخرجين أسامة محمد ووئام سيماف بدرخان بناء الذاكرة السورية
من خلال مئات المقاطع المصورة التي وثقت الحرب من الداخل، مؤكدًا أن الصورة ليست
مجرد وثيقة، بل فعل مقاومة للنسيان.
ولا يقل الفن التشكيلي أهمية عن السينما في بناء
الذاكرة الثقافية. فقد أصبحت سلسلة «الحلم» للفنان السوري صفوان داحول إحدى أهم
الأيقونات البصرية للحرب السورية، حيث تتكرر صورة المرأة النائمة بوصفها رمزًا
للفقد، والانتظار، والهشاشة الإنسانية، حتى غدت هذه السلسلة جزءًا من الذاكرة
البصرية للحرب.
وفي أعمال الفنان السوري تمام عزام، ولا سيما
عمله الشهير "Freedom
Graffiti (قبلة الحرية)" ، الذي دمج فيه لوحة (القبلة) لغوستاف كليمت
مع واجهة مبنى مدمر في دمشق، تتحول المدينة المدمرة إلى فضاء حواري بين الفن
العالمي والمأساة السورية، في تأكيد على أن الذاكرة الإنسانية لا تعرف حدودًا
جغرافية.
أما الفنان السوري يوسف عبدلكي، فقد جعل من
رسوماته بالفحم، التي تتمحور حول الجماجم، والأسماك، والسكاكين، والصمت، استعارات
بصرية للموت والعنف، بحيث لا تقدم الحرب بوصفها حدثًا سياسيًا، بل بوصفها أثرًا
وجوديًا يبقى في ذاكرة الإنسان.
وفي التجربة العربية، جسدت الفنانة المصرية إنجي
أفلاطون معاناة المرأة في أعمال مثل «السجينات» و«نساء في الحقول»، حيث ارتبطت
صورة المرأة بقضايا الحرية والعدالة الاجتماعية. كما جعلت الفنانة الفلسطينية ليلى
الشوا من المرأة الفلسطينية محورًا لأعمالها، ولا سيما في مشاريعها الفنية التي
تناولت نساء غزة والهوية الفلسطينية، لتغدو المرأة حاملة للذاكرة الوطنية والمقاومة.
أما الفنانة الفلسطينية البريطانية منى حاطوم، فقد عالجت في أعمالها التركيبية
والفيديو آرت، مثل :
(Measures
of Distance) و(Homebound)،
موضوعات الجسد والمنفى والاقتلاع، مقدمة الذاكرة بوصفها تجربة إنسانية تتجاوز
المكان.
وتنضم إلى هذه التجارب أعمال الفنان السوري نزار
صابور، التي كرست حضور المرأة الأم بوصفها حاملة لذاكرة الفقد، وجعلت الوجوه
النسائية الصامتة سجلًا بصريًا للحرب السورية، بما يؤكد أن اللوحة الفنية قادرة
على حفظ ما قد تعجز عنه الوثائق والأرشيفات.
إن السينما والفنون، شأنهما شأن الأدب، لا
تحفظان الوقائع فحسب، بل تعيدان بناء الذاكرة الجمعية على أسس إنسانية أكثر عدلًا.
فالإعلام يخبرنا بما حدث، والرواية تجعلنا نفهمه، أما الصورة الفنية فتجعل الحدث
يقيم في الوجدان طويلًا، ويتحول من خبر عابر إلى جزء من الضمير الثقافي للمجتمع.
وهكذا تتكامل الكلمة والصورة في مقاومة النسيان، وفي منح الضحايا حياة ثانية داخل
الذاكرة، بما يسهم في بناء ثقافة لا تكتفي بإدانة العنف ضد المرأة، بل ترفض أيضًا
أن يكون النسيان شكلًا آخر من أشكال العنف.
خاتمة
إن أخطر ما يهدد
ضحايا العنف ضد المرأة ليس الجريمة وحدها، بل احتمال أن تُمحى قصصهن من الذاكرة
العامة بعد انقضاء لحظة الاهتمام الإعلامي. فالعنف لا ينتهي عند حدود الفعل
الإجرامي، بل قد يمتد إلى أشكال أخرى من الإقصاء، حين تُختزل الضحية في خبر عابر،
أو تُستبعد من السرد الثقافي، أو تُنسى مع تعاقب الأحداث.
وقد حاولتُ في هذا المقال أن أبيّن أن الذاكرة
الجمعية ليست نتاجًا تلقائيًا للأحداث، وإنما هي بناء ثقافي تشارك في صياغته وسائل
الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، والأدب، والسينما، والفنون، وكلها مؤسسات
تسهم، بدرجات متفاوتة، في تحديد ما يبقى حيًا في الوعي العام وما يتوارى في
النسيان.
غير أن بناء ذاكرة أكثر عدالة يقتضي تجاوز منطق
الانتقاء الذي تفرضه الشهرة الإعلامية أو الخوارزميات الرقمية، نحو رؤية ثقافية
تجعل من كرامة الإنسان معيارًا للتذكّر. فليس المطلوب صناعة أيقونات جديدة، بل
توسيع فضاء الذاكرة ليشمل الأصوات التي لم تجد من يروِ حكاياتها، والنساء اللواتي
بقين خارج دائرة الضوء رغم أن معاناتهن لا تقل قسوة عن غيرهن.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع على الإعلام
وحده، بل هي مسؤولية مشتركة بين المؤسسات الثقافية، والجامعات، والمبدعين، وصناع
السينما، والفنانين، ومنظمات المجتمع المدني. فكل رواية تُكتب، وكل فيلم يُنتج،
وكل لوحة تُرسم، وكل شهادة تُوثق، تمثل خطوة في مواجهة النسيان، وإسهامًا في بناء
ذاكرة إنسانية أكثر شمولًا وإنصافًا.
إن المجتمعات التي تحفظ ذاكرة ضحاياها لا تكرم
الماضي فحسب، بل تحمي المستقبل أيضًا؛ لأن الذاكرة ليست سجلًا لما حدث، بل هي ضمير
أخلاقي يحدد ما يجب ألا يتكرر. وعندما تصبح الثقافة شريكًا في حماية هذه الذاكرة،
تتحول من فضاء للإبداع إلى قوة فاعلة في ترسيخ العدالة وصون الكرامة الإنسانية.
وفي عالم تتقاطع فيه الحروب، والهجرات، والأزمات
الإنسانية، لم تعد حماية ذاكرة النساء اللواتي تعرضن للعنف مسؤولية وطنية فحسب، بل
أصبحت مسؤولية ثقافية وإنسانية مشتركة تتجاوز الحدود واللغات والهويات. فالذاكرة
العادلة ليست مجرد وفاء للماضي، وإنما هي شرط لبناء مستقبل أكثر سلامًا، وأكثر
إنصافًا، وأكثر قدرة على حماية الإنسان من تكرار المأساة. وحين تنجح الثقافة
والإعلام والفنون في صون هذه الذاكرة، فإنها لا تحفظ قصص الضحايا وحدها، بل تؤسس
أيضًا لثقافة عالمية تجعل الكرامة الإنسانية حقًا لا يسقط بالنسيان، وتجعل التذكر
فعلًا من أفعال العدالة، والسلام، والمسؤولية المشتركة.
تعليقات
إرسال تعليق