العدالة المؤجلة وهيبة الدولة: لماذا يطالب السوريون بمحاكمات ثورية سريعة؟


منذ سقوط النظام الأسدي، ينتظر السوريون لحظة العدالة التي طال تأجيلها لعقود، فبلد شهد مئات آلاف القتلى والمعتقلين والمختفين قسرًا، وعاش أهله تحت وطأة المجازر والتعذيب والتهجير، لا يمكن أن يتجاوز جراحه بمجرد تغيير السلطة أو رفع الشعارات؛ لذلك يطرح كثير من السوريين سؤالًا مشروعًا:
 لماذا لم تبدأ حتى الآن محاكمات سريعة وعلنية بحق المسؤولين عن الجرائم الكبرى؟

إن هذا السؤال لا ينطلق من رغبة في الانتقام بقدر ما ينطلق من حاجة مجتمعية عميقة إلى استعادة الإحساس بالعدل. فالضحايا الذين فقدوا أبناءهم وأحبتهم لا يستطيعون فهم كيف يمكن الحديث عن السلم الأهلي فيما ما يزال بعض المتورطين في الجرائم أحرارًا أو مجهولي المصير، حتى الذين تم القبض عليهم، سير محاكماتهم  بطيئة للغاية، وحتى الآن لم يصدر حكم نهائي بحقهم.

 كيف يمكن بناء دولة جديدة دون مساءلة من أسهم في تدمير الدولة  القديمة عن طريق الفساد والجريمة؟ 

لماذا لا نكثف المطالبات بتجريم النظام الأسدي دوليًّا وملاحقته قضائيًّا بحكم القانون الدولي الذي هو حق الشعوب المنكوبة على الدول؟

لقد أثبتت تجارب الشعوب الخارجة من الحروب أن العدالة الانتقالية ليست ترفًا سياسيًا، وإنما شرطًا أساسيًا للاستقرار. 

غير أن العدالة الانتقالية لا تعني التساهل مع المجرمين، كما لا تعني تأجيل المحاسبة إلى أجل غير معلوم. بل تعني إنشاء آليات قضائية استثنائية وسريعة وشفافة، تكشف الحقيقة، وتحدد المسؤوليات، وتنزل العقوبات المناسبة بحق من ثبتت إدانته.

ويشعر كثير من السوريين اليوم أن التأخير في ملف المحاسبة خلق حالة من الإحباط الشعبي، وأرسل رسائل خاطئة إلى بعض المتورّطين فأمنوا العقاب، بل وتمادوا في غيّهم وطرح سردياتهم ومظلومياتهم المضادة للنيل من هيبة الدولة والاستهزاء بسيادة القانون.
بناء الدولة الحقيقي في الوقت الراهن يبدأ بإشعار المواطنين أن القانون قادر على حماية حقوقهم وإنصاف ضحاياهم.

لكن في المقابل، فإن الدعوة إلى الإعدامات الميدانية أو العقوبات خارج إطار القضاء تحمل مخاطر كبيرة. فالدولة التي تريد أن تؤسس لمرحلة جديدة لا يمكن أن تعتمد الأساليب نفسها التي قامت ضدها الثورة أساسًا. العدالة الحقيقية لا تتحقق بالانتقام العشوائي، وإنما بمحاكمات عادلة وسريعة وعلنية، تستند إلى الأدلة والوثائق والشهادات، وتمنح الأحكام الصادرة عنها شرعية قانونية وأخلاقية لا يمكن الطعن فيها.

إن الأولوية اليوم ليست للاختيار بين السلم الأهلي و #العدالة_الانتقالية، وإنما لإدراك أن السلم الأهلي الحقيقي لا يمكن أن يقوم دون عدالة.
فالمصالحة التي تسبق المحاسبة تتحول إلى إنكار لآلام الضحايا، أما العدالة التي تكشف الحقيقة وتعاقب المجرمين فهي وحدها القادرة على تحويل الغضب الشعبي إلى ثقة بالدولة الجديدة.

لقد دفع السوريون ثمنًا باهظًا من الدماء والأعمار والبيوت المهدمة. ومن حقهم أن يروا العدالة تتحرك بسرعة، وأن تبدأ محاسبة المسؤولين عن الجرائم الكبرى دون تردد أو تسويف.
والتأخير الطويل لا يهدد حقوق الضحايا فحسب، لكنه يهدد أيضًا ثقة المجتمع بمؤسسات الدولة وهيبتها ومستقبلها وقدرتها على حماية حقوق أفراده.


تعليقات