الذاكرة العابرة للأجيال: قراءة نقدية في رواية / زهرة من فستان قديم/ للروائية المصرية ناهد تاج بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

                            


توطئة

     تقدم رواية «زهرة من فستان قديم» تجربة سردية تتجاوز حدود الحكاية العائلية لتغدو رحلة في طبقات الذاكرة الفردية والجمعية. فالرواية لا تنشغل فقط بما حدث للشخصيات، بل بما بقي من آثار تلك الأحداث داخل النفوس والأماكن عبر الأجيال.

ومن خلال توظيف التاريخ العائلي، والعلاج النفسي، والعودة إلى البيت الأول، وشخصية القطة "بسبوسة"، تبني ناهد تاج عالمًا روائيًا يقوم على فكرة مركزية مفادها أن الماضي لا يمضي تمامًا، بل يواصل العيش داخل الإنسان والأمكنة التي أحبها.

وتكتسب الرواية خصوصيتها من مزجها بين السرد الواقعي -وأحيانًا الفانتازي- والاستبطان النفسي، ومن توظيفها القفزات الزمنية والعلاج بالتقمص وتوارث العقد النفسية بوصفها أدوات فنية وفكرية للكشف عن الجذور العميقة للألم الإنساني.

 

البؤرة الفكرية

      تتمثل البؤرة الفكرية للرواية في البحث عن جذور الألم الإنساني، ومحاولة الإجابة عن سؤال محوري:

هل ترث الأجيال اللاحقة آثار الصدمات التي عاشها أسلافها؟

يبدأ الجرح المؤسس للرواية مع الجد حمدان القادم من سيناء عقب أحداث عام 1948، حيث يحاول تعويض الفقد ببناء عمارة فخمة في حي الزيتون بالقاهرة. لكن الرواية تكشف أن التهجير لا ينتهي بمغادرة المكان، بل قد يستمر أثره في النفوس والأجيال.

ومن هنا تتحول الرواية إلى بحث في الذاكرة الموروثة، وفي قدرة الماضي على الاستمرار داخل الحاضر بأشكال نفسية وسلوكية مختلفة.

أما أخلاقيًا، فالرواية لا تسعى إلى إدانة الشخصيات بقدر ما تدعو إلى فهمها، وإلى البحث عن جذور الألم بدل الاكتفاء بمراقبة نتائجه.

 

المستوى الميكانيكي :

     الزمن المتشظي كتقنية:

من أبرز التقنيات التي اعتمدتها ناهد تاج البناء الزمني المتشظي.

فالكاتبة لا تلتزم التسلسل الخطي للأحداث، بل تنتقل بحرية بين محطات زمنية متعددة، فتستحضر تواريخ من الماضي البعيد، ثم تقفز إلى أزمنة مستقبلية لم تأتِ بعد، في بناء يقترب أحيانًا من حركة الذاكرة الإنسانية نفسها.

لا يظهر الزمن هنا بوصفه إطارًا للأحداث، بل بوصفه عنصرًا فاعلًا في تشكيل الشخصيات. فالماضي لا ينقضي، بل يستمر في التأثير على الحاضر، والمستقبل يبدو امتدادًا لتراكمات لم تُحلّ بعد.

وتنسجم هذه التقنية مع فكرة الرواية الأساسية؛ إذ يصبح الزمن شبكة متداخلة من الأسباب والنتائج، لا خطًا مستقيمًا يفصل بين الأمس واليوم والغد.

 

 

المكان بوصفه ذاكرة حية

     من أهم منجزات الرواية تحويل المكان إلى شخصية فاعلة.

فالبيت الذي بناه الجد ليس مجرد بناء، بل وعاء للذاكرة العائلية.

وعندما تعود زهرة بعد سنوات طويلة تصف التحولات التي أصابت الحي:

«لم يبق حي الزيتون راقٍ كما كان، تحول إلى منطقة شعبية مليئة بضوضاء الباعة الجائلين».

لكن البيت ظل محتفظًا بروحه الخاصة، حتى بدا وكأنه يقاوم الزمن.

وتبلغ العلاقة الوجدانية بالمكان ذروتها في قولها:

«وحين لمست أناملي قضبان البوابة المغبرة، داعبت سريرتي روائح البيت والسرجة، غمرتني روحي القديمة».

فالبيت هنا ليس مكانًا يُزار، بل ذاكرة تُستعاد.

أما الشقة الواقعة في الدور الثالث، والتي شهدت حياة أفراد العائلة وموتهم تباعًا، فتتحول إلى مستودع للذاكرة الجمعية، وإلى رمز لاستمرار الحضور العائلي رغم الغياب.

وتبدو هذه الفكرة جلية حين تقول:

«وما  فتأت الجدران ترتج من ضجيج ساكني الصور المعلقة إليها».

فالأموات لا يغادرون الرواية فعليًا، بل يستمرون في الحياة عبر المكان والذاكرة.

 

المستوى النفسي

     يشكل الجانب النفسي العمود الفقري للرواية.

فزهرة لا تخوض رحلة علاج عادية، بل رحلة بحث عن جذور مخاوفها العميقة.

وتكشف الرواية عن انتقالها من العلاج النفسي الديناميكي إلى ما يسمى "جلسات تقنية الوقوف العائلي"، حيث تقول:

«لم أكن أتوقع أن هناك نوعًا من العلاج يكتشف توارث العقد النفسية من الجدود القدامى عن طريق التقمص».

غير أن الكاتبة لا تقدم هذه الفكرة بصورة تقريرية، بل تترك مساحة للتردد والشك، كما يظهر في تساؤل البطلة:

«الاستشفاء بهذه الطريقة في مصر يسمى دجل وشعوذة، ماذا يخضع العلم إلى مثل هذه الخرافات؟»

وبذلك يتحول النص إلى مساحة حوار بين العقل واللاوعي، وبين التفسير العلمي والبحث الوجودي عن أسباب الألم.

 

التقمص بوصفه أداة كشف

      في أثناء جلسة العلاج تتقمص امرأة شخصية جدتها زهرة، فتصف حديقة قصر ملكي وقبيلة من الثعابين الوردية التي تهاجمها.

ثم تكتشف زهرة لاحقًا أن هذا المشهد يرتبط بشكل مباشر بالرهاب الذي لازمها طوال حياتها من اللون الوردي وبعض الأشكال الحلزونية.

فتتساءل:

«هل حالة الرهاب التي كانت تطبق على صدري من رؤية اللون الوردي وشكل المكرونة الإسباجيتي سببها عقدة جدتي من كابوس داهمها وهي طفلة؟»

وهنا تتجلى براعة الكاتبة في ربط الحدث التخييلي بالبعد النفسي، بحيث يصبح التقمص وسيلة لتفسير المخاوف لا غاية في ذاته.

 

بسبوسة: القرين النفسي للبطلة

إذا كان البيت يمثل الذاكرة الخارجية لزهرة، فإن بسبوسة تمثل ذاكرتها الداخلية.

فالقطة ليست عنصرًا ثانويًا في الرواية، بل شخصية رمزية بالغة الأهمية.

تصفها زهرة بأنها:

«صديقتي الوحيدة بسبوسة، كانت تعينني وتحمل عني الأعباء التي هشّم ظهري ثقلها».

كما تصف خوفها الدائم بقولها:

«... بسبوسة تنام مطمئنة بجوار المدفأة ! وهي في المعتاد لا تبرح غرفتها خوفًا من عقاب والدتها».

والمثير أن أوصاف بسبوسة تكاد تكون انعكاسًا مباشرًا لزهرة نفسها؛ فكلاهما يعيش الخوف والترقب والحاجة إلى الأمان.

وتتجسد هذه العلاقة في المشهد المتخيّل المؤثر الذي تقول فيه البطلة:

«حملت أجندتي و"بسبوسة"... تكورنا على الفراش في وضع جنيني، وغبنا في نوم عميق».

فالوضع الجنيني هنا ليس مجرد هيئة نوم، بل رمز للبحث عن الحماية الأولى، والحنين إلى حالة الأمان المفقودة.

وحين تعترف زهرة لاحقًا:

«كانت الضريبة التي دفعتها لكي أتعافى هي اختفاء بسبوسة من حياتي»

تتحول القطة إلى رمز للذات القديمة التي كان لا بد من مغادرتها من أجل الشفاء.

 

المستوى الجمالي

      اعتمدت الكاتبة لغة تجمع بين السرد والتأمل النفسي، واستثمرت الرموز دون إفراط.

فالبيت، والبوابة، والصور المعلقة، واللوحة، والثعابين الوردية، وبسبوسة، جميعها عناصر تتحوّل إلى مفاتيح دلالية تسهم في بناء المعنى.

كما نجحت في توظيف الوصف المكاني والنفسي لتشكيل شبكة من الرموز المرتبطة بالذاكرة والخوف والفقد والبحث عن الأمان.

ويكتسب العنوان نفسه قيمة رمزية عالية؛ فالزهرة تحيل إلى التجدد والحياة، بينما يشير الفستان القديم إلى الذاكرة والماضي، ليصبح العنوان كله استعارة عن إمكانية ولادة المعنى والجمال من قلب التجارب القديمة والجراح الموروثة.

 

 

دراسة التجربة الإبداعية

تكشف تجربة ناهد تاج عن انشغال واضح بالعلاقة بين التاريخ والنفس.

فالكاتبة لا تنظر إلى الأحداث الكبرى بوصفها وقائع سياسية فقط، بل تتابع تأثيرها الممتد داخل الأفراد والعائلات. كما تبدو مهتمة بموضوعات الذاكرة والهوية والتوارث النفسي، وهو ما يفسر المزج بين السرد العائلي والعلاج النفسي والتأمل الوجودي.

وقد نجحت في تقديم هذه القضايا ضمن بناء روائي متماسك، دون أن تتحول الرواية إلى خطاب فكري مباشر.

 

الخاتمة

      تقدم رواية «زهرة من فستان قديم» رؤية إنسانية عميقة تؤكد أن الماضي لا ينتهي بانتهاء زمنه، بل يواصل حضوره في الأمكنة والذكريات والعلاقات والمخاوف.

ومن خلال البيت الذي يحتفظ بأرواح ساكنيه، وبسبوسة التي تجسد هشاشة البطلة، وتجربة التقمص التي تكشف جذور الرهاب، تنجح ناهد تاج في بناء رواية تجعل من الذاكرة بطلها الحقيقي، وتطرح سؤالًا مفتوحًا حول الحدود الفاصلة بين ما نعيشه نحن، وما ورثناه ممن سبقونا.

 

                                  #دعبيرخالديحيي                  طرطوس- سوريا                  2/ 6/ 2026

تعليقات