رواية بين حياتين للدّكتورة عبير خالد يحيى قراءة الأديبة جميلة بلطي عطوي / تونس
مقدّمة:
العالم الإنساني عالم مزدوج قاعدته الأساسيّة
ثنائيّة الرّوح والجسد ، عالمان في الظّاهر مختلفان لكنّهما في الحقيقة متماهيان,
يكمل أحدهما الآخر, وإن كان كلّ منهما يحتاج خصوصيّة معيّنة, ذلك أنّ الجسد يحتاج
الطّبّ للحفاظ على السّلامة, بينما تحتاج الرّوح الفنون, وخاصّة منها الأدب,
ولعلّنا هنا نستحضر مقولة الرّوائي والكاتب المسرحي البريطاني سومرست موم
(1874-1965) حين قال:
"
دراسة الطبّ خير تهيئة وإعداد لحياة الأديب "
لأنّ
الطبّ يساعده على أن يقترب من معاناة النّاس, بل كثيرًا ما يعيشها معهم, وفي هذا
الإطار سننزّل رواية "بين حياتين " للدكّتورة عبير خالد يحيى الطّبيبة
والأديبة النّاقدة السّوريّة ، رواية في 21 فصلًا ونهاية مسحت 224 صفحة صدرت سنة
2020
بدأتها الكاتبة بالإهداء:
" إلى من علّمني فنّ الحياة.."
إهداء اتّسم بالتّعميم والشّمول لاعتماد "
من " وهو اسم موصول للعاقل ويفيد التّعميم والاشتراك وأجمل ما في هذا الإهداء
هو الثّالوث الذي ركّزت عليه الدّكتورة عبير خالد يحيى وهو: العلم- الفنّ – الحياة
، ثالوث سنجده رافعة أساس في بنية الرّواية .
يلي ذلك المقدّمة التي كانت بعنوان" طفولة
لا تشيخ" للأستاذ عبد الرّزاق عودة الغالبي, الذي خرج بنتيجة من اطلاعه على
الرّواية تتمثّل في قوله:
"
عبرت حقبها الأولى حاملة طفولتها وعبرت الخمسين ولا تزال طفولتها في العاشرة
.." وهو هنا يتحدّث ضمنيّا عن البطلة غالية وفي ذات الآن عن الرّوائيّة
الدّكتورة عبير خالد يحيى ليخرج بتصنيف للرواية باعتبارها تنتمي إلى السّيرة
الذّاتيّة .
وتلك لعمري قراءة ورأي تكتسب منهما الرّواية
حلية مختلفة .
العتبات:
1 –التّجنيس:
الملمح الأوّل لرواية " بين حياتين "
يجعلها تصنّف في جنس الرّواية, وقد سجّل هذا التّجنيس داخل الطّبعة كما على الغلاف,
لكنّ المطّلع على الأثر يكتشف أنّها تنطلق انطلاقة عاديّة في ما تتميّز به
الرّواية بما هي " فنّ نثريّ مكتوب بأسلوب سردي ، وهي سلسلة من الأحداث التي
يتمّ وصفها على شكل قصّة ", لكنّ المتصفّح يكتشف أنّ الرّوائيّة خرجت بها عن
هذا التّعريف لتحوّلها إلى أثر جامع بين أجناس متعدّدة كالقصّة القصيرة ، قصيدة
النّثر ، الخاطرة والمقال وهي جميعها حسب ما يفهم تؤثّث الجنس العام المتمثّل في
الرّواية, وهذا ما يدعونا إلى القول إنّ الدّكتورة عبير خالد يحيى تسعى إلى كتابة
نمط جديد في الرّواية تخرج به عن المتعارف المألوف في تعريف الرواية وخصائصها,
وهذا حسب رأيي المتواضع يحسب لها, إذ جماليّة الأدب_ من وجهة نظري- تكمن في
التّجريب الذي يخلق منافذ جديدة للإبداع.
_ 2 الغلاف:
غلاف يطغى عليه اللّون ألأسود, يتوسّطه رأس ابتلعت
نصفه الكتلة السّوداء أو كادت، وجه متعدّد التّركيبة, وكأنّه يلمّح إلى حالة
التعدّد التي تحتويها الرّواية، وجهوه كثيرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا مؤثّرًا بالوجه
الجامع إعلانًا عمّا سيكون لها من تأثير على البطلة أوّلًا, ثمّ في الأحداث ثانيًا .
وما يشدّ الانتباه في هذه الصّورة هو اللّون
الأحمر الذي يحيط بالرّأس والعين الفاحصة التي تشعّ منها نظرة محيّرة فلا نعلم
وجهتها بدقّة, علاوة على الظّلال التي أسهمت في إبراز التعدّد. بينما سجّل العنوان
بلونين مختلفين ليبرز أهميّة الظّرف المكاني " بين" الذي كتب بلون مختلف
عن كلمة " حياتين " التي لبست نفس اللّون الأحمر الذي يحيط بالرأس,
بينما كان اللّون الأبيض جليّا في اسم الكاتبة وجنس الأثر ، ولعلّ تعدّد الألوان
هنا والتّركيز على الأسود، الأحمر والأبيض دلالة على حالة الصّراع داخل الرّواية
عمومًا وفي ذات البطلة "غالية" على وجه التّخصيص.
-3العنوان:
"بين حياتين" عنوان مغر يشدّ انتباه
المتلقّي ويستقطب فضوله فيسارع إلى القراءة لاكتشاف الخفايا سعيا إلى معرفة هاتين
الحياتين ومن يقف بينهما ربطا بين ضفّتين من الزّمن تبدوان من العنوان لهما شديد
الاتصال بفكر الكاتبة إذ منهما استمدّت أحداث الرّواية التي نجدها تجمع بين أنماط
روائيّة متعدّدة كالرّواية الـتّاريخيّة الواقعية حديثًا عن حرب 1967 ، 1973 وصولًا
إلى ما سمّي بالثورات العربيّة 2011 والموروث والعلوم المتمثّل في الحديث عن
القرين ومدى تأثيره في قرينه وبذلك يمكننا القول إنّ مفهوم الحياتين في العنوان
ورد مجملًا في سعي إلى الفصل بين زمنين ( ماضي- حاضر) بينما الرواية تحوي حيوات
متعدّدة خاصّة وعامّة .
-4 المتن:
القارئ لرواية " بين حياتين " يستجلي
قصّة البطلة " غالية " وهي البطلة المحوريّة التي تدور في فلكها بقيّة
الشّخوص، هي دكتورة تمارس مهنة الطّبّ ولكنّها في ذات الآن مولعة بالأدب, سمة
تجعلها مميّزة.
وهي أيضا السّاردة الرّئيسيّة التي تستهلّ
السّرد بالكشف عن مهنتها وعاداتها اليوميّة:
" أرتشف مع أمّي قهوة الصّباح قبل ذهابي إلى
المشفى القريب مقرّ عملي " ( ص 11)
ثمّ
تعرّج على الحديث عن ابنتها "نور" التي تبدو في نظرها غير عاديّة لما
يصدر عنها من أحوال وخاصّة في تلك الحوارات التي تعيشها مع شخصيّة وهميّة "
سوسو" " حين تقول نور:
" سوسو هي التي أمرتني أن أفعل ذلك "(ص 11 )
حينها تمدّها أمّها بدفتر مذكّرات قديم قارنت من
خلاله بين زمنين زمن جيل أمّها والزّمن الحاضر:
"ضحكت وأنا أقارن بين دفتر أمّي وبين دفاتر
اليوم ، الفارق حوالي ثلاثة عقود فقط لكنّ التنوّع والاختلاف كبير جدّا"( ص
12).
غير أنّ
المفاجأة كانت أكبر من مجرّد الاختلاف, إذ تكتشف غالية أنهّا مرّت بنفس ما تعيشه
ابنتها مع صديق وهميّ يدعى "عصام "، هذا الصّديق الذي كان له تأثير كبير
في حياتها وأسلوب عيشها وقد ظلّ قابعًا في لا وعيها حتّى عندما تهيّأ لها أنّها
تخلّصت منه. هذا المنطلق كان مجرّد فاتحة حديث تركبها السّاردة لتروي لنا أحداثًا
قد يطول عرضها هاهنا, لكنّني سأكتفي برؤوس أقلام تحيل على التّطوّر الذي اتّسم به
من خلال صراع غالية مع محيطها وقد كان كالتّالي :
-غالية في مرحلة الطّفولة .. وقد استمدّت مقوّماتها الشّخصيّة من صديقها
الوهمي "عصام" الذي زرع فيها بذرة التمرّد والعناد, ففازت وتميّزت في
المدرسة والبيت والجامعة وفي كلّ مكان ولجته، تقول أمّها في المذكّرات : " يا الله كم هي شقيّة وعنيدة هذه البنت ..
لا تفعل إلّا ما تريد . لها خيال واسع يؤرّقني أحيانا ، مقدرتها العجيبة على تمثّل
الحالات تثير كل الفئران في صدري ... يا ويلي .."
(ص 16 ) بينما كانت غالية تتلقّى الأوامر من قرينها عصام الذي يقول:
" أعلم ذلك، لكنّ الوضع في المدرسة يختلف
عن الرّوضة يا غالية ، الرّوضة كانت في معظم الوقت لعب وتسال ، وأنا علّمتك
الألعاب الصّبيانيّة لتتفوّقي عل الصّبيان " ( ص26 )
- غالية الأمّ .. وهي الحريصة على تربية ابنتها
بأساليب علميّة حفاظا على شخصيّتها لكنّ أمومتها تجاوزت الإطار الضّيّق، البيت
والأسرة لتشمل كلّ محتاج, فأهدت أمومتها لسامي خطيب نور "احتضنت سامي بعاطفة أمّنا حوّاء.. بل أكثر
" ( ص 168) .
كما وهبت أمومتها للطّفولة المعذّبة:
"توقّفت أمام رائحة الخبز وهدير التّنانير
وفتح باب التّساؤل تحت إشارات الأصابع نحو كومة بشريّة على الرّصيف . بين ظلمة
السّماء وغيثها المتسارع لينتهي الموقف من واجب ملقى على عاتقها وقبل هطول ضياء
الشّمس ترجّلت بلهفة لترفع الغطاء وتلتقي جسد البراءة، وطن مغتصب معذّب مجلود
بسياط الفقر والخيانة والإهمال"
.
- غالية صريعة العادات والتّقاليد .. وقد عانت
نرجسيّة تهيأّت لها في زوجها, ثمّ اكتشفت أنّه شعور بالنّقص لديه حوّله إلى متسلّط
إضافة إلى أسرته، الأمّ والأخت وما عانت منهما ليكون بعد ذلك الزّواج بثانية وهي
القطرة التي أفاضت الكأس. ومن وقتها باتت غالية تعيش حياة كالموت:
" السّؤال المطروح وتبقى إجابته في عهدة
المجتمع والتّربية والتّعليم والثّقافة الاجتماعيّة والجنسيّة والحضارة
والإنسانيّة ، لماذا كانت هكذا رجولة حصّة الرّجل الشّرقي؟ّ.( ص 205)
-غالية العنقاء .. وهي تنفض أوجاعها لتبعث من جديد كما تريد إيمانًا
منها أنّ الحياة تستحقّ الجهد وأنّ الجسور وحده قادر على خوض المغامرة :
" أمّا أنا فحياتي الجديدة رسالة متروكة في
صندوق البريد ، أطّرتها في صورة علّقتها على ناصيتي، حروفها تتراقص فرحًا مع كلّ
إنجاز أعيشه في الحياة التي فزت بها عندما انتشلتني يد سمحاء من عنق الزّجاجة
" إلى أن تقول " ومضيت معه أتعلّم فنّ الحياة " ( ص 214)
ومن هنا نتبيّن أنّ الشّخوص المحيطة بالبطلة
توزّعت بين مساند ومعرقل بينما لبست غالية ثوب البطل الأسطوري وهي تتأرجح بين
الفشل والانتصار لنجد القضايا في الرواية تتوزّع كالآتي:
- السّياسيّة حديثًا عن تواريخ الحروب العربيّة،
وصولًا إلى ثورات الربيع العربي، أحداث أثقلت كاهل البطلة غالية فتطوّعت لخدمة
الضّحايا في المشفى كما في عيادتها الخاصّة:
"
بقيت غالية على رأس عملها في المشفى وفي العيادة في طرطوس، كان النّهار يمرّ مسرعًا،
تشغل ساعاته بالعمل ، خصّصت وقت فراغها للعمل التّطوّعي في المراكز التي أوجدتها
مديريّة الصّحّة للعناية بالمرضى الذين تدفّقوا على المدينة قادمين من المناطق
السّاخنة التي اندلعت فيها اشتباكات عنيفة "
-التّحليل النّفسي في علاقته بالقرين والقوى
الغيبيّة والأسطوريّة .. عرض لتجربتين كان
للقرين فيهما دور, هما: تجربة غالية وعصام وتجربة نور وسوسو ,غير أنّ التّجربة
الأولى كانت أكثر عمقًا لأنّ القرين عصام ظلّ قابعًا في باطن البطلة غالية إلى سنّ
متأخّرة. وقد كانت تلك فرصة للدّكتورة عبير خالد يحيى لاستعراض الكثير من المعارف
في مجال الطّبّ وعلم النّفس على وجه الخصوص.
-المجتمع في مستوييه الخاص والعام ( الأسرة والمجتمع) .. مرحلة
أسقطت البطلة في خيبة عنيفة "وانكفأت على ذاتها تداوي أطرافها وتنظر إلى سماء طار فيها
الغراب ناعقا بصوته القبيح ...عاجزا عن مواراتها ، فحفرت قبرها بمنقارها لتستر
سوءتها بنفسها ...
واستمرّ عذابي في قير اسمه الزّواج " (
ص 96)
مأساة صحيّة ونفسيّة لم تتخلّص منهما إلّا
بمساعدة من الأستاذ الذي تعرّفت عليه عبر الأنترنات فكان فاتحة الخلاص ونافذة بعث
لحياة جديدة.
-علاقة الأدب بالعلم في صورة الطبيبة الأديبة
النّاقدة :
" وتغيّر الحال.. وبدأ البعث الجديد
وانشغلت غالية بإعداد دراسات نقديّة تكوّن القسم التّطبيقي في كتاب نقديّ فتح فيه
أستاذها النّاقد منفذا نقديّا مثيرا للجدل وهي تملك موهبة امرأة يأخذها الأدب حدّ
الغرق" ( ص 199)
-الصّراع سمة الإنسان المريد وسبيله إلى تحقيق
وجوده ... وقد بدت غالية بطلة وجوديّة بما في الكلمة من معنى, وهي تستعيد الثّقة
بنفسها وتتجاوز العثرات بغاية تحقيق نصر يليق بها وبعلمها وأدبها معًا.
لذلك أقول إنّ الدّكتورة عبير خالد يحيى تطرّقت
باقتدار وهي تستلهم الموروث والعلوم إلى قضيّة وجوديّة نفسيّة في ما يسمّيه علماء
النّفس الصّراع الباطني وهو الذي يقسّم الذّات البشريّة إلى:
"- الأنا العليا المجسّدة في الضّمير والقيم والأخلاق والقوانين التي تعدّ بمثابة
القرين الطّيّب الذي عادة ما يقود الإنسان إلى فعل الخير.
-الأنا السّفلى المتمثّلة في الشّهوات والأطماع
والغرائز البدائيّة والتي تعتبر بمثابة القرين الشّيطان أو النّفس الأمّارة
بالسّوء التي تدعو الإنسان إلى فعل الشّر.
- الذّات النّهائيّة أو المرئيّة وهي الشّخصيّة
الظّاهرة في الإنسان, وهي غالبًا ما تحاول التّوفيق بين الطّرفين "وقد عاشت
غالية هذا الصّراع وإن كنت أرى أنّ جانب الإنسان السّويّ فيها طغى على الجانب
الشرّير ويظهر ذلك من خلال علاقتها بالمحيطين يها : أمّها، أبوها، سما، عامر ,مصطفى،
سامي وغيرهم . لذلك يمكن اعتبار غالية نموذجًا للبطل الصّامد يخوض غمار الصّراع مع
الذّات، مع الآخر، مع القوى الغيبيّة مستميتًا من أجل لحظة الذّروة التي يحقّق من
خلالها الانتصار السّاحق، ذاك الانتصار الذي بلغته غالية بمساعدة الأستاذ, ولعلّني
هنا أستحضر قولة الشّاعر التشيلي بابلو نيرودا حين يقول: "عندما يبدع الطّبيب
فنّا فإنّه يكون الأجمل والأصدق لأنّه لا يتخيّل المعاناة البشريّة بل يعيشها ويعالجها"
والدّكتورة عبير خالد يحيى تبدو ممسكة بتلابيب غالية طيلة السّرد تحرّكها وتبثّ
فيها من نفسها ما يزيد البطلة تميّزا.
ولعلّ خير ما أختم به مقالي هذا ما ورد في نهاية
الرّواية على لسان غالية, وهي تحلم, بل تؤمن بأنّ الغد سيكون أجمل وأنّ السّلام في
وطاب الصّادقين قاب قوسين أو أدنى. أسمعها تردّد ويردّد معها جميع المتلقّين :
" طيري
حلّقي عاليًا..
حمامة بيضاء
وانثري الأدب قصائد حبّ فوق المتحاربين
ستجتمع الحروف في رأس قلمك
غيمة من معارف تسوقها ريح طيّبة إلى بلاد
المساكين
تمطرهم سكينة وأمنًا
طيري فوق رؤوس الأطفال
أسمعيهم قصص الحلم والفرح
فوق رؤوس الثّكالى والأرامل والأيتام
ازرعي أرض حزنهم ورودا
يدركون بعدها أنّ الحياة تستمرّ
يملؤهم الرضا والسّلام
ارفعي صوتك في وجه الطّغاة
وذكّريهم .. هل بقي أثر لسابقيهم ؟
وعودي ...
فأنا هناك على عرفات المعرفة ..
أنتظر " ( ص 214 – )215.
هنيئًا للروائيّة عبير خالد يحيى بهذا المنجز
المتميّز
وهنيئًا للثقافة العربيّة بهذا القلم الذي يسجّل
الإضافة ويفتح نافذة الإبداع المتجدّد.
الأديبة جميلة بلطي عطوي.
.
تعليقات
إرسال تعليق