التحوّلات السيسيولوجية والتمظهرات النسوية في أدب الحرب رواية / الفناء الخلفي / للأديبة السورية لميس الزين نموذجًا بحث ذرائعي بقلم د. عبير خالد يحيي
نبذة تعريفية:
عبير
خالد يحيي
دكتورة في طب الأسنان وجراحتها، وباحثة متخصّصة
في الدراسات النقدية للأدب المعاصر، على المنهج النقدي الذرائعي[1].
ملخص البحث:
يتناول البحث رواية "الفناء
الخلفي"[2] للكاتبة
السورية لميس الزين من منظور نقدي ذرائعي، ويركّز على محورين رئيسيين: الحرب
والتحوّلات الاجتماعية. توظّف الرواية الحرب السورية (2011-2018) كإطار زماني
ومكاني لاستكشاف التحوّلات العميقة التي طرأت على المجتمع، حيث تُبرز الحرب كظاهرة
اجتماعية[3] تكشف القيم
والتناقضات الكامنة. تُظهر الرواية العلاقة الديناميكية بين الفرد والوطن[4]، وتُسلّط
الضوء على قضايا نسوية محورية.
أهداف البحث تتلخّص في
دراسة التحوّلات النفسية والاجتماعية التي أحدثتها الحرب ودورها في
إعادة تشكيل " الهوية الفردية والجماعية"[5] ، مع التركيز
على الزمكانية وقضايا المرأة، باستخدام المنهج الذرائعي. يُحلّل البحث المستويات[6] البصرية،
الديناميكية، اللسانية، والنفسية للرواية، لاستخلاص دلالاتها الأخلاقية والرمزية.
التحليل النقدي يبدأ بتناول
الزمكانية، حيث تشكّل مدينة حلب بين 2012-2016 خلفية درامية للأحداث. عكست الرواية
تأثير الحرب على الاقتصاد والطقوس الاجتماعية، دون توثيق مباشر للمعارك. التحوّلات
النفسية شملت شخصيات تُصارع التوتر والعزلة. القضايا النسوية برزت عبر شخصيتي
"شمس"، التي تمثّل الحرية والتمرّد، و"ناهد"، الضحية للتقاليد
والسلطة الذكورية.
التقنيات
السردية استخدمت الكاتبة المزج بين الفصحى والعامية لإبراز التباينات الطبقية،
إلى جانب الرمزية والسخرية لتعميق البنية الجمالية، كما في رمز "الفناء
الخلفي" الذي يُشير إلى المساحات المنسية في المجتمع.
الخلاصة: الحرب ليست
مجرد خلفية، بل عامل ديناميكي يكشف التوترات الاجتماعية والنفسية، حيث تُظهر
الرواية جدلية الهوية الفردية والجماعية. باستخدام المنهج الذرائعي، يُبرز النص
رؤية عميقة لتلك التحوّلات، مما يجعل الرواية إضافة نوعية لأدب الحرب بأسلوب يجمع
بين السرد والتحليل السوسيولوجي.
Summary of the Research: This research
addresses the novel "The Backyard" by Syrian author Lamis Al-Zein
from a pragmatic critical perspective, focusing on two main themes: war and
social transformations. The novel employs the Syrian war (2011-2018) as a
temporal and spatial framework to explore the profound changes that occurred in
society, highlighting war as a social phenomenon that unveils underlying values
and contradictions. The novel illustrates the dynamic relationship between the
individual and the nation, shedding light on central feminist issues.
The objectives of the research are to study the psychological and social
transformations caused by the war and its role in reshaping "individual
and collective identity," with a focus on time-space and women's issues,
using the pragmatic approach. The research analyzes the visual, dynamic, linguistic,
and psychological levels of the novel to extract its ethical and symbolic
meanings.
The critical analysis begins with the time-space aspect, where the city
of Aleppo between 2012 and 2016 forms the dramatic backdrop for the events. The
novel reflects the war's impact on the economy and social rituals without
directly documenting the battles. The psychological transformations involve
characters struggling with tension and isolation. Feminist issues are
highlighted through the characters of "Shams," representing freedom
and rebellion, and "Nahid," a victim of traditions and patriarchal
authority.
Narrative techniques used by the author include blending classical
Arabic and the local dialect to highlight class differences, along with
symbolism and irony to deepen the aesthetic structure, such as the symbol of
the "backyard," which refers to forgotten spaces in society.
Conclusion: War is not merely a backdrop but a dynamic factor that
reveals social and psychological tensions, with the novel presenting a
dialectic of individual and collective identity. Using the pragmatic approach,
the text provides a deep vision of these transformations, making the novel a
significant addition to war literature, blending narrative and sociological
analysis.
الدراسة التحليلية:
سأبدأ بالدراسة التحليلية ابتداء من أول مستوى من المستويات الذرائعية،
المستوى البؤري الأيديولوجي:
§
البؤرة الفكرية الثابتة :
في رواية "الفناء الخلفي"
للكاتبة لميس الزين، تُبرز الحرب السورية التحوّلات الاجتماعية العميقة كمحور
رئيسي للكشف عن التوتّرات الاجتماعية والجوانب الإنسانية المخفية في المجتمع
السوري. هذه التوتّرات تُعدّ البؤرة الفكرية الثابتة للنص، حيث يتداخل المنهج
الذرائعي مع النص لتسليط الضوء على الصراع بين الفرد والمجتمع، وعلاقة
الأيديولوجيا بالتحوّلات الاجتماعية التي أحدثتها الحرب.
ينطلق المستوى
الذرائعي الإيديولوجي من تحليل الأفكار الضمنية في النص، كاشفًا عن القيم
والمعتقدات المخفية. تُسلّط الرواية الضوء على إعادة تشكيل الهوية الفردية
والاجتماعية في سياق الحرب، مما يعزّز التساؤل حول العلاقة بين الحرب والهوية الاجتماعية
وتأثيرها على الشخصيات والمجتمع. من خلال هذا التحليل، تظهر الذرائعية كأداة نقدية
تكشف الإيديولوجيا العميقة التي تسكن النص، مقدّمة قراءة اجتماعية وفلسفية
للتغيرات الفكرية والإنسانية التي طرأت على المجتمع.
بعد تحليل
البؤرة الفكرية، يتمّ الانتقال إلى المستويات الذرائعية المدارية التي تدور حولها
لاستكمال الكشف النقدي للعمل.
§
مستوى المكوّنات النصّية البصرية :
مستوى المكوّنات
البصريّة النّصّيّة في المنهج النقدي الذرائعي يركّز على العناصر التي تثير
الحواس، وخاصّة البصر، والتي تُعتبر جزءًا أساسيًا من كيفية تفاعل القارئ مع النص.
في رواية "الفناء الخلفي" للكاتبة لميس الزين، يتجسّد هذا المستوى في
كيفية استخدام الكاتبة للأوصاف البصرية، الرمزية، والإيحاءات البصرية لترسيخ أفكار
الرواية.
أوّل هذه المكوّنات :
1-
الغلاف :
2-
-
التصميم الفني والغلاف:
الغلاف يعتمد لوحة تجريدية تُبرز هيئة بشرية
في وضعية انطواء، مع ألوان رمادية وسوداء تعكس أجواء العزلة والتأمل، مما ينسجم مع
عنوان الرواية ومضمونها.
-
النص الخلفي:
الفقرة
المكتوبة على الغلاف الخلفي توحي بالصراع الداخلي والتساؤلات الإنسانية العميقة،
مما يُثير فضول القارئ لمعرفة المزيد عن هذه الشخصيات وقصصها
2-العنوان
ودلالاته:
"الفناء الخلفي" يحمل رمزية المكان
المهمل أو المخفي، ويُظهر التوتّر بين الواجهة الظاهرة والمناطق الخفية، حيث
تُخبَّأ التوتّرات الاجتماعية والنفسية. العنوان يعكس تأثير الحرب على إعادة تشكيل
الهوية الفردية والاجتماعية.
".... عالم من السكينة والنقاء، تقف فيه أشجار السرو شاهدًا
وحيدًا على صمت مهيب، عالم ينضح بالسلام، لا تصله ضوضاء البشر الملازمة للواجهة
المزخرفة الصاخبة "[7].
هذا الوصف
يتناغم تمامًا مع العنوان "الفناء الخلفي"، حيث يشير إلى عالم هادئ
ونقي، بعيد عن صخب الحياة اليومية والضوضاء الاجتماعية
· التداخل النصي والبصري:
هناك انسجام
بين الغلاف والعنوان، حيث تعكس اللوحة التجريدية والعنوان معًا البحث عن الذات
ومواجهة القمع والإخفاء.
·
الدلالة
الرمزية:
العنوان يعمل
كمدخل لفهم النص الدلالي، حيث يبرز كيف أنّ الحرب تمتدّ لتطال حتى أهدأ المساحات،
وتكشف الصراعات الكامنة التي تغيّر ملامح المجتمع من الداخل. بهذا، يصبح الفناء
الخلفي رمزًا لفهم الازدواجية بين الحرب والسلام، الظاهر والباطن، والتحوّلات
العميقة التي تصاحب هذه الصراعات.
الرواية تستكشف
"الفناء الخلفي" كمجاز للحرب التي تكشف عن المظلم والمخفي في المجتمع،
مسلّطة الضوء على القضايا المهمشة والمعاناة الفردية والجماعية.
3-
المتن الروائي:
يتألّف النص الروائي من 16 فصلًا غير معنونة
تمتدّ على 240 صفحة، ممّا يتيح للقارئ استكشاف الأحداث بحرّية دون توجيه من
عناوين. اعتمدت الكاتبة تنظيمًا بصريًّا متقنًا، يتمثّل في الترقيم المنظّم،
الفقرات المتماسكة، والمسافات النصّية، ما يجعل النص مرنًا وسهل القراءة.
التحليل البصري
ضمن المنهج الذرائعي:
1.
غياب العناوين: يعزّز التدفّق السردي والطابع التأمّلي.
2.
التقسيم المنهجي للفقرات: يدعم الديناميكية ويبرز استمرارية السرد.
3.
استخدام الترقيم: يسهل الانتقال بين الأفكار، ويقلّل التشويش البصري.
الخلاصة:
الغلاف
والعنوان يتكاملان لتقديم رسالة الرواية، حيث يعبّران عن العزلة، التهميش، وتأثير
الحرب، ممّا يثير فضول القارئ ويعزّز ارتباطه بالنص قبل قراءته.
أظهرت الكاتبة
لميس الزين إبداعًا في استثمار العناصر الشكلية والدلالية. العنوان "الفناء
الخلفي" يرمز للهروب من فوضى الحرب إلى فضاء نفسي آمن، والتنظيم البصري يضفي
على النص مرونة وجاذبية. ضمن المنهج الذرائعي، تتجلّى فعالية هذه العناصر في تحقيق
التفاعل الفكري والعاطفي مع القارئ، ممّا يجعل الرواية متماسكة وقوية على
المستويين الأدبي والنقدي.
§
المستوى اللساني والجمالي:
في المنهج الذرائعي، يُعدّ المستوى اللساني
والجمالي أحد أهمّ المحاور التحليلية التي تُظهر قدرة النّصّ على بناء خطاب فنّي
ودلالي متكامل. في رواية "الفناء الخلفي"، تتجلّى المكوّنات اللسانيّة
والجماليّة في البنية اللغوية للنّص، وتوظيفها لتقديم رؤية عميقة للتحوّلات
الاجتماعية والنفسية التي يمرّ بها المجتمع السوري أثناء الحرب.
1.
المستوى
اللساني:
- اللغة السردية:
الكاتبة لغة
سردية متينة ومباشرة تجمع بين البساطة والعمق، حيث تتنقل بين الحكي والوصف بسلاسة.
تميّزت اللغة بقوّتها في التعبير عن العواطف والمشاهد دون الوقوع في التكلّف، ممّا
يجعلها قريبة من القارئ، ومحفّزة للتفاعل مع النّص.
-
الدلالات
والإيحائية:
توظّف الكاتبة كلمات محمّلة بالرمزية
والإيحاء، مثل "الفناء الخلفي"، الذي يحمل في طيّاته دلالات عن المساحات
المهملة والمخفيّة في المجتمع. هذا يُظهر قدرة اللغة على تجاوز الوظيفة الإخبارية
إلى وظيفة إيحائية تثير التساؤلات والتأمّل.
-
التّكرار
والتّناغم الصوتي:
استخدمت
الكاتبة التّكرار والتناغم الصوتي لتعزيز الإيقاع السردي وإبراز المعاني العميقة.
على سبيل المثال، تُكرّر بعض العبارات للتأكيد على مفاهيم أساسية مثل الخوف،
الخراب والتمرّد.
-
تنويع الأساليب
اللغوية :
تميّز النص
بمزيج بين اللغة الفصحى الأدبية واللغة اليومية، ممّا يعكس التفاوت الثقافي
والاجتماعي للشخصيات ويدعم التحليل السيسيولوجي.
اعتمدت الكاتبة
أسلوبين متكاملين:
1. الأسلوب الإخباري
المباشر:
يبرز في نقل
الوقائع بدقّة ووضوح دون زخرفة بلاغية، مثل (وصف سوق المدينة)[8]. أو مثل خبر
(غرق قارب المهاجرين)[9] ، ممّا يعزز
واقعية النص وارتباطه بالسياق الاجتماعي والسياسي السوري.
2. الأسلوب الإنشائي
الجمالي والرمزي:
غني بالصور
البلاغية والانزياحات اللغوية، كما في "أزهرت سماء الليل نجومًا تعزف
ألحان الأمل"، ليعكس أبعادًا رمزية ووجدانية تعمّق التجربة الجمالية.
وظيفة
الأسلوبين:
-
نقل الوقائع
بدقّة (الإخباري).
-
إثارة المشاعر
وتحفيز الخيال (الإنشائي).
-
توثيق الجوانب الثقافية
والاجتماعية وإبراز البعد النفسي للشخصيات.
الخلاصة:
حقّقت الكاتبة
توازنًا بين الواقعية والجماليات الأدبية، ممّا يجعل النص جاذبًا ومتماسكًا. وفق
المنهج الذرائعي، يخدم الأسلوب الإخباري التوثيق والسلوك، بينما يعزّز الأسلوب
الإنشائي التحليل النفسي والجمالي، ليقدّم تجربة سردية غنية تجمع بين المباشرة
والرمزية.
2-المستوى الجمالي:
·
الصور الفنية:
اعتمدت الكاتبة على الصّور البلاغية بشكل مكثّف،
مثل التشبيهات والاستعارات التي تُجسّد المعاني في صور بصرية مؤثّرة. على سبيل
المثال، يتمّ تصوير الحرب كجُرح غائر في جسد الوطن، ممّا يعزّز من البعد العاطفي
للنص.
·
إيقاع السرد:
يتميّز النّص بتوزيع متوازن بين المشاهد الحركية
(الأحداث) والمشاهد الوصفية (التأمّلات)، ممّا يخلق إيقاعًا سرديًا متناغمًا. هذا
التوازن يدفع القارئ للتّفاعل مع النّص دون أن يشعر بالملل أو الإرهاق.
·
توظيف
الجماليات البصرية في اللغة:
الجماليات
البصرية في النّص تتجلّى في وصف الأماكن والشخصيات والمواقف. الوصف الدقيق يجعل
القارئ يرى المشاهد كأنّه يشاهد لوحة، ممّا يعزّز من تجربة القراءة ويقرّب القارئ
من عالم الرواية.
·
الثنائية
الجمالية (الجمال والقبح):
تمزج الكاتبة بين الجمال والقبح في تصويرها
للواقع الحربي، حيث تنعكس مآسي الحرب في صور بصرية قاتمة، ولكنها تُقابل بلمحات من
الأمل أو الحنين إلى الماضي. هذا التّداخل يضيف عمقًا جماليًّا للنّص، حيث يُبرز
الصراع الداخلي للشخصيات والمجتمع.
·
تقنيات اللّغة
المجازية في النّص:
استخدمت الكاتبة لميس الزين تقنية اللغة
المجازية بفاعلية في أسلوبها الإنشائي، موظّفةً عناصر مثل التشبيه، الاستعارة،
الكناية، والمبالغة، لإبراز الأبعاد النفسية والجمالية للنّص.
1)
التشبيه Simili:
"بدت الحقول المشجّرة
متماسة مع خلفية البناء، وكأنه يحملها على ظهره، كما تحمل النساء البدويّات
أطفالهن على ظهورهن حين ينزلن إلى المدينة للتسوق."[10]
يُبرز التشبيه
العلاقة الحميمة بين الطبيعة والإنسان، حيث تُصور الطبيعة كجزء من الحياة اليومية
البسيطة، مما يعكس الأثر النفسي للمكان على الشخصيات.
2)
الاستعارة
والكناية:
"هدوء آسر خالٍ من كلّ
ما يلوّث السمع، وحدها الطبيعة تتكلّم..."[11]
تظهر الطبيعة
هنا ككيان حيّ يتحدّث ويعبّر، ممّا يخلق شعورًا بالألفة والسلام. هذه التقنية تجعل
المكان شخصية فعّالة في السرد، ما يعمّق ارتباط القارئ بالمشهد ويثري الدلالة
الرمزية للنص.
3)
المبالغة Hyperbole
"ليبقى السكون هو الصّوت
الأعلى."[12]
تعكس المبالغة
تضادًا فلسفيًا بين السكون والصوت، ممّا يضفي بعدًا تأمّليًّا يدفع القارئ للتفكير
في قوّة الصمت كوسيلة للتواصل والإيحاء.
4)
تقنية التوازي:
اعتمدت الكاتبة
تقنية التوازي كأداة بنيوية وجمالية لتعميق الدلالات النّصّية.
-
التوازي
الموضوعي:
"الوجوم يخيّم على
أشجار كُسرت أغصانها لتصير حطبًا، فخلعت ما تبقّى من خضرتها احتجاجًا، الوجوه هي
الأخرى خلعت ابتساماتها، فأمست باهتة بلا ملامح."[13]
هنا، يظهر
التوازي بين الطبيعة والبشر في وصف مشترك للاحتجاج والصمت، ممّا يُبرز علاقة رمزية
بينهما، ويعكس وحدة المصير بين الإنسان وبيئته.
-
التوازي
البنيوي:
يتجلّى في الجمل المتوازية نحويًّا:
"الوجوم يخيّم على
أشجار كُسرت أغصانها....."
"الوجوه هي الأخرى
خلعت ابتساماتها."
هذه البنية
الموازية تعزّز الانسجام النّصّي وتخلق إيقاعًا داخليًا يجذب القارئ.
الخلاصة :
تُظهر لميس الزين براعة في استخدام اللغة
المجازية وتقنية التوازي لتكثيف الدلالات النّصّية وربط الإنسان بالطبيعة والمكان.
وفق المنهج الذرائعي، تعمل هذه التقنيات على تعزيز المستوى النفسي والجمالي للنص،
ممّا يجعل القارئ متفاعلًا مع الأبعاد الفكرية والعاطفية التي يقدّمها العمل.
توفّر هذه
الأدوات النّصية تجربة قراءة متكاملة تمزج بين الإيحاء الجمالي والتفسير النقدي،
ممّا يُبرز الرواية كنموذج إبداعي يعكس الواقع بعمق وتحليل.
من التقنيات
الأسلوبية أيضًا:
5)
تقنية السخرية
اللفظية:
السخرية اللّفظية هي نوع من السخرية الأدبية
التي تعتمد على استخدام الكلمات أو العبارات للإيحاء بمعنى مختلف أو معاكس للمقصود
الظاهر. غالبًا ما تُستخدم لإبراز التناقضات أو للتعبير عن الانتقاد بطريقة مبطّنة،
تحمل طابع الفكاهة أو التهكّم. وتعتمد السخرية اللّفظية على التّلاعب بالألفاظ
والعبارات لإيصال رسائل نقدية، ساخرة، أو فكاهية.
مثال:
"صالح أستاذ المدرسة
الابتدائية كان ممن يروون نكتة انقرضت مع الديناصورات، يبدأها بإطلاق ضحكة تزيدها
شعورًا بالأسى بدل الابتسام."[14]
السخرية:
العبارة تسخر
من ضعف قدرة الأستاذ على إلقاء النكتة وإضحاك الآخرين، لدرجة أن نكاته توصف بأنّها
قديمة جدًّا "انقرضت مع الديناصورات". كما أنّ الضحكة التي يُفترض أن
تضيف البهجة تأتي بنتيجة معاكسة تمامًا (شعور بالأسى بدلًا من الابتسام).
التحليل:
الكاتب هنا يستخدم السخرية اللفظية لانتقاد
شخصية صالح بطريقة خفيّة ومرحة، حيث يتمّ تقديم نقص مهاراته الاجتماعية بشكل يجعله
يظهر بشكل كوميدي في عين القارئ، مع تضخيم التناقض بين توقُّع الضحكة (التي يجب أن
تكون مصدرًا للفرح) والنتيجة المترتبة عنها (الأسى).
6)
تقنية المفارقة الظرفية
المفارقة الظرفية هي تناقض بين ما يتوّقع
حدوثه وبين ما يحدث فعلًا، حيث تكون النتائج غير متوقّعة أو مناقضة للتوقّعات
المنطقية. وتُستخدم هذه التقنية لإثارة الدهشة أو السخرية أو لإبراز تناقضات معيّنة
في الطبيعة البشرية أو السلوكيات الاجتماعية. تُبرز عادةً مفارقات الحياة اليومية
أو النواحي الغريبة من السلوك الإنساني.
"علاء قريب زوج
صديقتها نجلاء، فمن كأس شاي في لقاء يتيم، عرفت أنّه من الذين يلعقون ملعقة السكر
قبل إعادتها إلى السكرية، مطلية بلعابهم."[15]
المفارقة: تحمل
رسالة ضمنيّة حول عدم توافق المواقف الاجتماعية مع التّصرفات التي تُفترض كأدنى
معايير للسلوك الحضاري.
التوقّع: أن
يكون تصرّف الشخص طبيعيًّا في موقف بسيط كتناول الشاي في لقاء اجتماعي.
الواقع: سلوك
منفّر وغير متوقّع مثل لعق الملعقة وإعادتها إلى السكرية.
التحليل:
المفارقة هنا تثير السخرية من الفجوة بين المظهر الاجتماعي (اللّقاء اللطيف)
والسلوكيات الغريبة التي تبرز انعدام الذّوق والنّظافة.
الخلاصة:
السخرية
اللفظية والمفارقة الظرفية هما تقنيتان مهمّتان في الأدب، تلعبان دورًا في بناء
النصوص التي تجمع بين النقد الاجتماعي والفكاهة. السخرية اللفظية تُستخدم لإظهار
تناقضات الأفراد والمواقف بطريقة مرحة وتهكمية، بينما تُظهر المفارقة الظرفية
التباين بين التوقعات والواقع بطريقة تثير الدهشة والسخرية. وبالتالي، يعزّز كلا
الأسلوبين من قدرة النص على التأثير في القارئ من خلال إبراز التناقضات والتساؤل
عن الواقع الاجتماعي والإنساني.
3-
توظيف الثقافة العامة والمتنوّعة، مثل :
-
الثقافة الاجتماعية التقليدية التراثية السائدة في
المجتمع الحلبي:
توظّف لميس
الزين في روايتها ثقافة المجتمع الحلبي التقليدية والتراثية لتبرز العادات
الاجتماعية التي تحكم مختلف جوانب الحياة، مثل مراسم الزواج، الولائم، والسلوكيات
الموروثة المتعلقة بالعائلة والشرف.
1. طقوس الزواج:
تعرّض الكاتبة لطبيعة الطقوس المرتبطة
بالزواج في المجتمع الحلبي من خلال تفصيلها لمراسم عقد القران للرجال، وحفلة عرس للنساء، ولعقد القران طقوسه الاحتفالية، يطلقون عليه لفظة ( كتب الكتيب
الشاهرلي) يقدّم فيه شراب اللّوز وتقديم الضيافات الفاخرة التي ترمز إلى الترف
والاهتمام بالتفاصيل الاجتماعية. على سبيل المثال، تصف الكاتبة تقديم "الراحة
بالفستق الحلبي" في علب باذخة تُعد رمزًا للفخامة والتقاليد العريقة في
المجتمع. تقول:
" يحكي لها عن ( كتب الكتيب الشاهرلي)، ناولها بحزن
صرّة (الملبس) التي توضع عادة في علب عادية، واختار أهل سامي أن توضع في صحون
صغيرة من الكريستال البلجيكي، لتبقى لاحقًا عند كل من حضر، تحفة فنية صغيرة، ذكرى
لتلك المناسبة"[16].
وفيه يُقدّم العريس مصاغ يدعى ( المليك)
يتم انتقاؤه من قبل أم العروس " قطعًا لا فصوص فيها، لأنها تنزع في حال
البيع وتخسر ثمنها"[17]
التحليل:
تصوّر الكاتبة تفاصيل مراسم الزواج مثل
"كتب الكتيب الشاهرلي"، تقديم الضيافات الفاخرة، والمصاغ التقليدي
"المليك"، ممّا يعكس أهمية المظاهر الاجتماعية كجزء من الهوية الثقافية.
2. الطقوس
الاجتماعية المتعلّقة بالعرس:
تضيف الكاتبة عنصر المفارقة بتركيزها على
البذخ رغم ظروف الحرب.
"صعوبة إقامة عرس
نسائي في صالة أفراح، ثم عرضت على حرم الحاج بكري الاكتفاء بعقد القران، على أن
تعوّض العروس بقطعة ذهب تضاف لذهب (المليك)، بدل حفل العرس الذي ستحرم منه، وهو حق
لها"[18]
التحليل:
تبرز الرواية تأثير الحرب على الأعراس
التقليدية، مثل إلغاء الحفل النسائي وتعويض العروس بمجوهرات مادية، مما يعكس قدرة
التقاليد على التكيّف مع الظروف القاسية.
3. السلوكيات الاجتماعية
الموروثة:
تستعرض الكاتبة
المواقف الاجتماعية الموروثة، مثل تفاعل الأب أو الأخ مع زواج الابنة. تُظهر
الكاتبة كيف أنّ الأب لا يُفترض أن يظهر الفرح بزواج ابنته. تقول:
"لأن ابنته، عرضه
وشرفه، ستنام اليوم مع رجل غريب، وتحصل بينهما أمور يصعب على الأب تخيّلها"[19]
ثم تُظهر
سلوكًا مغايرًا، حيث يلجأ البعض إلى الشرب ليتمكنوا من "نسيان" واقع هذه
الليلة. تقول الكاتبة:
"أن البعض كان يذهب
مع أصدقائه للشرب، كي يسكر وينسى، فلا يفكر بما سيكون تلك الليلة مع أخته أو
ابنته"[20]
التحليل:
تناول الرواية مشاعر الأب أو الأخ تجاه زواج الابنة والصراعات النفسية
الناتجة عن مفهوم الشرف، مع لجوء البعض إلى آليات هروب مثل الشرب لتجاوز مشاعر
الحرج والتوتر.
4. التّراث
الغذائي:
تشير الكاتبة إلى غنى التّراث الغذائي الحلبي
من خلال الحديث عن الولائم. كما تصف الكاتبة تقديم القهوة برائحة الهيل والقطر،
وتُظهر كيف أنّ هذه المأكولات تُعد جزءًا أساسيًّا من الحياة الاجتماعية في
المجتمع الحلبي، قائلة:
"أخيرًا، حضرت القهوة
فوّاحة برائحة الهيل والمسكة، وقد صُبّت بالفناجين المذهبة المصفوفة بنسق واحد في
صينية 'ستنالس' مفروشة ب 'الدانتيل'..."[21]
التحليل:
تصف الرواية
الولائم بتفاصيل دقيقة، مثل القهوة برائحة الهيل والمأكولات الفاخرة، التي تُعد
رمزًا للاحتفاء بالهوية الاجتماعية والتقاليد، مع إبراز التباينات الطبقية..
الاستنتاج:
تعكس الرواية العلاقة بين التقاليد
الاجتماعية والظروف المعاصرة، لا سيّما تأثير الحرب على العادات. الكاتبة تسلّط
الضوء على الصراعات النفسية والاجتماعية التي تواجه الأفراد، مما يُبرز التداخل
بين القيم الموروثة والواقع المتغيّر.
- توظيف الثقافة الفنّية والتراثية:
توظّف لميس الزين في روايتها، وبشكل رائع،
الثقافة الفنية والتراثية التي تنتمي إلى المجتمع الحلبي، مما يعزّز من الواقعية
السردية ويغني النص بالرموز الثقافية المتجذّرة في الذاكرة الجماعية.
1.
الأغاني
التراثية :
على سبيل
المثال، في وصلة من القدود الحلبية يصدح بها صوت الفنان صباح فخري، تبرز الكاتبة
أبعادًا عاطفية وحسّية في مشهد عشاء لعروسين:
"خمرة الحب اسقنيها..
همّ قلبي تنسنيه.. عيشة لا حب فيها .. جدول لا ماء فيه"[22]
التحليل:
تستغل الكاتبة
القدود الحلبية (مثل أغنية "خمرة الحب") لربط العاطفة بالموسيقى، مما
يعزّز الواقعية ويغني النص بنبرة سريالية..
2.
توظيف الأمثال الشعبية:
إضافة إلى
الأغاني، توظّف الرواية الأمثال الشعبية لإبراز التناقض بين الحكمة المتوارثة
وسياقات الحرب الحديثة، مثل المثل:
"البعد جفا، والبعيد
عن العين بعيد عن القلب"[23].
التحليل:
يُبرز مثل
"البعد جفا" آثار النزوح على العلاقات الإنسانية، مما يعمّق الأبعاد
العاطفية.
3.
التوظيف الأدبي
للأبيات الشعرية:
أدرجت الكاتبة
أبياتًا من قصائد شعريّة معروفة، مثل:
"انكسرتْ كمئذنة،
ونامت في الطريق على تقشّف ظِلّها"[24] ، من قصيدة
محمود درويش.
التحليل:
إدراج أبيات من
محمود درويش يعكس البُعد الفلسفي، ويثري الرواية بالعمق الأدبي.
- توظيف ثقافة دينية :
طقس الصلاة
النارية الذي دعت إليه الجارة أم فراس بعد
صلاة العشاء على نيّة الإفراج عن ابنها، وكلما زاد عدد المشاركات، كان إنجاز
الدعاء أسرع:
"توضّأت النسوة،
ووضعن أغطية الصلاة البيضاء على رؤوسهن ووُزّعت السبحات، وأُعطيت لمن لا تحفظ
الصلاة النارية قصاصات كتب عليها:
« اللّهمّ صلّ صلاة كاملة،
وسلّم تسليمًا تامًا، على سيدنا محمد الذي تنحل به العقد، وتنفرج به الكرب، وتقضى
به الحوائج، وتُنال به الرغائب وحسن الخواتيم، ويستسقى الغمام بوجهه الكريم، وعلى
آله وصحبه أجمعين»
دعاء ينبغي أن
يقرأ أربعة آلاف وأربعمئة وأربع وأربعين مرّة...." [25]
التحليل اللغوي
لطقس الصلاة النارية:
-
اللغة وأسلوب السرد:
استخدام لغة
بسيطة ودقيقة ومفردات دينية "توضّأت
النسوة"، "أغطية الصلاة"، "السبحات"، "اللّهمّ صل
صلاة كاملة"، يعكس قدسية الطقس ويُشرك القارئ في المشهد.
-
البنية السردية:
وصف خطوات
الطقس بالتدرّج (التوضؤ، تغطية الرؤوس، توزيع السبحات، قراءة الدعاء) يُبرز
التنظيم والجماعية، مما يُظهر التكاتف الشعبي لتحقيق الفرج.
-
الدّعاء المستخدم:
بلاغة النّص الدعائي: يحتوي الدعاء على بنية متوازنة وتكرار للتّوكيد،
مما يجعله سهل الحفظ والتّرديد.
رمزية الألفاظ: "تنحل به العقد"، "تنفرج به
الكرب"، "تُنال به الرغائب" تُظهر رغبة النسوة في إيجاد الحلول
للمشكلات الحياتية من خلال التّضرّع إلى الله.
-
دلالة العدد (4444)
يعكس الإيمان
بقدسية الأرقام ودورها في التأثير الروحي، مما يُبرز ثقافة دينية شعبية تمتزج
بالتقاليد.
الخلاصة :
طقس الصلاة
النارية يتجاوز كونه عنصرًا دينيًا، ليصبح وسيلة سردية تُبرز الأبعاد النفسية
والاجتماعية والثقافية، مما يعمّق الشخصيات ويمنح النص بعدًا إنسانيًا مؤثّرًا.
4-
الحوارات كبنية
اللغوية:
تتراوح
الحوارات في الرواية بين الجمل القصيرة والمتوسطة، ما يجعلها سريعة وحيوية. تتألّف
غالبية الحوارات من جمل سؤال تليها إجابات مختزلة، مما يعكس التفاعل اليومي السريع
بين الشخصيات. مثال على ذلك:
"هات .. هات .. نوّرنا"[26]
وفي الحوار باللهجة
العامية الحلبية:
"نعيمًا أبوس روحك ما
أحلاك، عقبال عندك يا روح عمتك. ايمت بدنا نفرح فيك؟" [27]
التحليل:
اللغة المحلية
والفصحى: تُظهر اللهجة الحلبية واقعية الشخصيات، بينما يعكس المزج مع الفصحى تنوّع
الثقافة.
الأسلوب: الحوارات
القصيرة تُظهر الحيوية اليومية، بينما الحوارات الطويلة تعالج قضايا فلسفية
واجتماعية، مع الحاجة لدمجها بسلاسة في النص..
الألفاظ
البذيئة:
كما لوحظ في الحوارات على لسان ناهد، هناك
استخدام للألفاظ البذيئة بشكل متكرّر. مثال:
" ابن الحرام، الشاوي،
بدل ما يبعت مصروف لابنه، ينفق ماله لإسعاد الشرموطة"[28]
التحليل:
الألفاظ
البذيئة: تعكس واقع الشخصيات وبيئتها، لكن استخدامها المفرط قد يزعج القارئ.
الخلاصة:
نجحت الكاتبة في توظيف العناصر الفنية والثقافية
لتطوير الشخصيات وإثراء السرد، ممّا يعزّز تفاعل القارئ مع النص ويبرز القضايا
الاجتماعية بواقعية وتأثير.
الاستنتاج
الذرائعي حول المستوى اللساني والجمالي في رواية لميس الزين:
من خلال
التحليل الذرائعي للمستوى اللساني والجمالي، يمكننا أن نستنتج أن الكاتبة قد حقّقت
تكاملًا بين الأساليب اللغوية، الثقافية، والفنية، ممّا جعل النص غنيًّا
وديناميكيًّا. توظيفها للّغة المتنوعة، البنية السردية المتقنة، والأبعاد الثقافية
العميقة يسهم في إثراء التجربة القرائية ويجعل النّص أكثر تأثيرًا.
§
على المستوى المتحرك:
على المستوى
الديناميكي، يتمّ التركيز على الحركية في الرواية من خلال الأحداث المتسارعة،
والتحوّلات في الشخصيات، والتفاعل بين الزمان والمكان في سياق سردي يعكس الواقع
الاجتماعي والسياسي المتأثّر بالحرب. هذه الحركية لا تقتصر فقط على تسلسل الأحداث
أو تطوّر الشخصيات، بل تتداخل مع الزمان والمكان لتشكيل بنية سردية تتحرّك وفقًا
لقوانين معينة، كالعلاقة بين الأحداث والمكان الذي يجرى فيه هذا التحرّك.
1- على مستوى
الحكاية :
إنّ
البطولة في رواية الحرب تتراوح بين الحرب نفسها، وضحاياها، وأماكنها، وسائر عناصر
العالم المرجعي الذي تحيل إليه.
وشرحًا للمحاور التي أتيتُ على ذكرها في مستوى البؤرة، قامت الرواية
في بنائها الفني على زمكانية الحرب السورية الأخيرة، التي شكّلت ديباجة فنية هامّة
للكثير من المتون الروائية لكتّاب سوريين وغير سوريين من الذين استثارتهم تلك
الحرب، منهم من اهتمّ بتوثيق وقائعها فقط، فجاءت رواياتهم تسجيلية بالمجمل، لكن،
مع لميس الزين، لم يكن الهدف الحرب بذاتها، ولم تذكر وقائعها بقصد التوثيق، وإنّما
وظّفتها كديباجة استخدمت فيها تقنية فنّية تشكّل عنصرًا رئيسيًّا من عناصر البناء
الفني السردي، وهي:
1)
الزمكانية (Setting) كعنصر ديناميكي:
في رواية
"الفناء الخلفي" للكاتبة لميس الزين، لا يُستخدم الزمان والمكان كخلفية
ثابتة للأحداث فقط، بل كعنصرين ديناميكيين يساهمان في تحريك الرواية وتوجيه
مساراتها.
1. الزمان والمكان:
الزمان:
تدور أحداث
الرواية بين عامي 2012-2016، وهي فترة الحرب في حلب، حيث تشكّل هذه السنوات إطارًا
زمانيًا حيويًّا للأحداث.
المكان:
تقع أحداث
الرواية في مدينة حلب، التي أصبحت رمزًا للصراع والخوف. لكن الكاتبة لم تركّز على
تفاصيل الحرب بشكل مباشر، بل وظّفتها كديباجة تعكس القضايا الاجتماعية والنفسية
للمجتمع الحلبّي.
2. مثال على التوظيف:
يظهر توظيف
المكان في وصف الحياة اليومية البسيطة التي تشكل جزءًا من الواقع الحربي، كما في
المثال:
"جلس الحاج قدري
بقامته النحيلة وبشرته البيضاء خلف الطاولة الخشبية التي تتصدّر المحل الصغير،
فمحلّات سوق المدينة صغيرة المساحة..."[29]
هذا الوصف
يُعرف القارئ بسوق المدينة في حلب ويقدم إحساسًا بالزمان والمكان دون التركيز على
تفاصيل الصراع بشكل مباشر.
3. الاستنتاج
الذرائعي
يعكس استخدام
الكاتبة للزمكانية كعنصرين ديناميكيين توظيفًا فنيًا عميقًا. يظهر ذلك في:
تأثر الشخصيات
بالبيئة الاجتماعية والمكانية المحيطة.
التوترات
المجتمعية التي تشكل جزءًا من الواقع الحربي.
بهذا، تقدّم
الرواية رؤية ديناميكية تربط بين المكان والزمان والشخصيات، ممّا يعزّز من تأثير
الحرب في تشكيل بنية المجتمع السوري
2)
العاطفة ( ثيمة الحب) :
تعدّ العاطفة عنصرًا أساسيًا في بناء الحدث
السردي للرواية، لكن في سياق الحرب، تصبح هذه الثيمة متغيّرة ومعقّدة بسبب التحوّلات
السيسيولوجية التي تطرأ على العلاقات الإنسانية. كما أنّ الحرب تضيف جدارًا
إضافيًا من الصعوبات والمفارقات، ويشكّل الحب عنصرًا محوريًّا في فهم تلك التحوّلات
في الشخصية.
حب شمس
واعتباراته في سياق الحرب:
شمس، الشخصية المحورية في الرواية، تطوّر
مفهومًا خاصًّا عن الحب يختلف عن المفاهيم التقليدية في المجتمع. هذا المفهوم
يرتكز على الجمع بين الروح والجسد، لكن في زمن الحرب، تصبح هذه العلاقة أكثر
تعقيدًا بسبب الحواجز النفسية والاجتماعية المتمثّلة في العادات والمجتمع.
في بداية
الحرب، دخلت شمس في علاقة افتراضية مع الشاعر يوسف، حيث كان يقتصر مفهومه عن الحب
على البعد الروحي فقط، عبر وسائل التواصل الافتراضي. يقول يوسف: "أكيد لا
.. لكنها أسوأها" عندما سألته إن كانت الحرب هي الجدار الوحيد بينهما،
وعندما سألته عن الجدران الأخرى، أجابها: "الجدران التي نبنيها حولنا
بأيدينا، لننتبه بعد حين أننا صرنا سجناء داخلها، العادات، المجتمع..."[30] هذا الحوار
يكشف عن التأثير الكبير للحرب على العلاقات الإنسانية، حيث تضيف الحرب جدارًا
نفسيًّا إضافيًّا يعزل الأفراد عن بعضهم البعض.
شمس، من جهتها،
ترى أنّ الحبّ لا يكتمل إذا كان مقتصرًا على بعد واحد. ففي تفاعلها مع يوسف، تعتبر
العلاقة الجسدية جزءًا أساسيًا من الحب، وتؤمن أنّه إذا كان الحبّ يقتصر على الروح
فقط فهو غير مكتمل. تقول: "إذا اقتصر على بعد واحد لكان مبتورًا، لا حظ له
بالاستمرار والاكتمال"[31] . هذا الموقف يعكس
محاولة شمس أن تبقى وفيّة لمفهومها الشخصي عن الحب، الذي يدمج الروح والجسد في
علاقة متكاملة.
المفارقة المدمّرة
في العلاقة:
بعد فترة، عندما قرّرت شمس لقاء يوسف في
النصف الشرقي من حلب، اعتذر عن الارتباط بها بصكّ الزواج حفاظًا على عائلته
وسمعته، وطلب منها الاكتفاء بحب روحي عذري. يقول: "تكفيني روحك، لا أريد
جسدًا"[32]. كان يوسف
يخشى من نظرة المجتمع له إذا تزوّج من امرأة أخرى أثناء الحرب، ويستند في موقفه
إلى معايير اجتماعية صارمة. هذه المفارقة بين مفهوم الحبّ عند شمس ومفهوم يوسف تُبرز
تأثير الحرب على المفاهيم الشخصية والعلاقات الإنسانية، حيث تجعلها أكثر تعقيدًا
وأكثر هشاشة.
المفارقة تتجسّد
في أن شمس كانت تؤمن أنّ الحرب قد تفتح الفرص لتجدّد العلاقة بينهما، لكن في
النهاية، يؤدّي التحوّل التكنولوجي في العلاقات إلى تسهيل إنهاء الحب. تقول: "أن
الحب الذي صار أسهل عندما قرّبت وسائل التواصل البعيد، صار إنهاؤه أيضًا أسهل، ...
اليوم ضغطة زر، أو لمسة على شاشة باردة، صارت كافية لنسف ما كان"[33]. هذا يعكس مدى
هشاشة العلاقات في عصر التكنولوجيا، حيث أصبحت العلاقات العاطفية تعتمد على
الوسائل الافتراضية التي قد تكون غير قادرة على الصمود أمام التحدّيات النفسية
والاجتماعية التي تفرضها الحرب.
رسائل الوداع:
استخدمت لميس الزين عبر الشخصية المحورية
شمس، تقنية رسائل الوداع المقرونة بنهاية كل علاقة عاطفية. بعد أن أُنهيت علاقة
شمس مع يوسف، أرسلت له رسالة وداع تعبّر فيها عن مشاعرها العميقة تجاهه: "ها
أنا الآن أحوج ما أكون لإغلاق قضية قلبي معك، ولا أعرف كيف أفعل، أتخيّلني أضع
رأسي على كتفك، وأبكي طويلًا، لكن الطريق إلى حضنك بعيدة، وأكوام الكبرياء تقطع
الدروب إليها"[34]. هذه الرسالة تكشف عن الصراع الداخلي لشمس، الذي
يجمع بين الكبرياء والحب والألم النفسي نتيجة انتهاء العلاقة.
الاستنتاج:
إنّ العاطفة في رواية الفناء الخلفي تُظهر
التأثير العميق الذي تتركه الحرب على العلاقات الإنسانية، حيث يتحوّل الحبّ
والعلاقات إلى مساحات مليئة بالمفارقات والصراعات الداخلية. الحبّ هنا ليس مجرّد
عاطفة بين فردين، بل هو حالة معقدة تأخذ أبعادًا جديدة بسبب الحرب. شمس تكشف عن
تفاعل معقّد مع الحب، الذي يتأرجح بين الروح والجسد، بين الوهم والواقع، بين
الفقدان والاستمرار. وفي النهاية، يظهر أنّ الحبّ الحقيقي هو الذي يتجاوز تحدّيات
الحرب والتكنولوجيا والمجتمع، ليصبح قوّة حقيقية قادرة على منح الأمل والسعادة حتى
في أحلك الظروف.
3)
الحدث السردي
كدافع ديناميكي:
الحدث السردي الأول الذي تبدأ منه الرواية
هو وصول "سامي" بعد غياب، ما يخلق عنصرًا ديناميكيًا حاسمًا في تحريك
الأحداث وتحديد مسار السرد. العلاقة بين "سامي" ووالده "الحاج
قدري" تنطوي على صراع اجتماعي وعائلي يُظهر الديناميكية الحركية التي تطرأ
على الشخصيات بسبب الحرب والمشاكل العائلية.
مثال:
"ألقى
سامي السلام، وقبّل يد والده الذي كتم غيظه إلى أن انصرف الجار..."[35]
هذا الحدث
يُظهر تفاعلًا بين الشخصيات ويعمل على دفع السرد قُدمًا، حيث يُمهّد لدور
"سامي" في الرواية وتداخل علاقته مع الأحداث الاجتماعية والسياسية.
الاستنتاج:
من خلال التحليل الذرائعي للمستوى
الديناميكي في الرواية، نجد أن الكاتبة توظّف الزمان والمكان كعناصر حركية تساهم
في تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والسياسية من خلال تفاعل الشخصيات مع
البيئة المحيطة. هذه الديناميكية تظهر من خلال الأحداث السردية التي تدفع الشخصيات
نحو مواجهات داخلية وخارجية، ممّا يعزّز من الصّراع والتطوّر في النص. باختصار،
تُعتبر الحركية عنصرًا محوريًّا في بناء الرواية، حيث تسهم في تشكيل الأحداث
والتفاعلات بين الشخصيات والواقع الاجتماعي والسياسي المتأزّم.
4)
تقنية التشويق
تقنية التشويق هي إحدى الأساليب السردية
التي اعتمدتها الكاتبة لتعميق تأثير الأحداث وزيادة تفاعل القارئ مع الشخصيات
والصراعات. يُظهر السرد في الرواية كيف أن الكاتبة تبني التّصعيد العاطفي عن طريق
تقطيع الأحداث وتوزيعها على فصول متعدّدة، ما يخلق توتّرًا مستمرًّا يجعل القارئ
في حالة ترقّب دائم. يبرز ذلك بشكل خاص في الطريقة التي بدأت بها الرواية بمشهد
معين ثم أعادت طرحه بعد فترة زمنية طويلة، ممّا يعزّز التشويق ويُبقي القارئ في
حالة من التساؤل والتوتّر حول تطوّر الحدث.
التقنيات
السردية المتبعة لتعزير عنصر التشويق:
1. السرد
التراتبي المتصاعد: يبدأ السرد بترتيب تصاعدي للأحداث، مما يعزّز التشويق، حيث
يتمّ تقديم الأفعال الأولى في الرواية بشكل تدريجي، مثلما يظهر في المشهد
الافتتاحي عندما يتمّ اكتشاف البقعة الحمراء على رقبة سامي. هذا الحدث يُثير
التساؤلات في ذهن القارئ حول السبب وراء تلك البقعة، مما يزيد من فضول القارئ
لمعرفة التفاصيل.
مثال: "نهض
سامي مكتفيًا بحصّته من التوبيخ والتقريع الذي صبّه الحاج قدري على رأسه، فانكشفت
ياقة قميصه عن بقعة حمراء على رقبته..."[36]. هذا التقديم
المبكّر للبقعة الحمراء هو نوع من التشويق، إذ يدفع القارئ للبحث عن تفسير لهذه
البقعة ومعرفة علاقة سامي بها، لكنّ الكاتبة تؤجّل الإجابة حتى فصل لاحق، ما يخلق
حالة من التوتّر المستمر.
2. تقنية
الاسترجاع (Flashback): بعد بناء
الحدث الأولي، تتحوّل الرواية إلى تقنية الاسترجاع، حيث يعيد الراوي الحديث عن
الحدث في وقت لاحق. هذا الأسلوب يُعزّز من التشويق عن طريق تأخير الكشف عن الحقيقة
وإعطاء القارئ لمحات من الماضي المرتبط بالأحداث.
مثال: لم تعد
الكاتبة لاستئناف ذاك المشهد( البقعة الحمراء) إلّا في الفصل التاسع في الصفحة
(ص148).
هذه التقنية
تضاعف من عنصر التشويق، حيث لا يُقدَّم تفسير الحدث بشكل مباشر، بل يتمّ التمهيد
له على مدار فصول الرواية ممّا يزيد في توتّر في القارئ.
3. تقنية الذّكريات
(Memories): بالنسبة
للشخصية الأنثوية (شمس)، تعتمد الكاتبة على استرجاع ذكريات قديمة تظهر تدريجيًّا
عبر فلاش باك، ما يعمّق من فهم القارئ لماضي الشخصية وتأثيره على حاضرها. هذه التقنية
تُظهر الصراع النفسي الداخلي الذي تعيشه شمس، وهو صراع مرتبط بأحداث طفولتها وتخيّلات
ماضية.
مثال:
"كابوسًا
مروّعًا لتلك الصخرة سدّت منافذ الطريق إلى الروضة..."[37]
هذا المشهد
يعكس الصراع الداخلي لشمس، ويُظهر كيف أن الماضي المخبّأ تحت طبقات الذّاكرة يؤثّر
بشكل عميق على سلوكها الحالي.
4. اختلاف تقنيات السرد
بين الشخصيات: تجدر الإشارة إلى أن الكاتبة استخدمت أساليب
سردية مختلفة بناءً على هويّة الشخصيات. ففي حالة "سامي"، تسيطر تقنية
الاسترجاع على السرد، وهي أسلوب مفضَّل عند الشخصيات الذكورية لتقديم الأحداث بشكل
مختصر ومثير. بينما في حالة "شمس"، تميل الكاتبة إلى تقنية الذّكريات،
وهي أكثر توسّعًا وتحمل مزيدًا من العمق العاطفي، ما يتناسب مع الشخصية الأنثوية
التي تحتاج إلى فضاء أوسع لتسرد ماضيها وأحلامها.
الاستنتاج:
عليه، يُمكن الاستنتاج أن الكاتبة قد توصّلت
إلى تحقيق نوع من التوازن بين تقنيات السرد وتوظيفها بشكل متقن لدفع القارئ إلى
مزيد من التفاعل مع تطوّرات الأحداث والتعرّف على الصراعات الداخلية لكل شخصية.
ومن خلال ذلك، تنجح الكاتبة في خلق رواية مشوّقة تتنقل بين الماضي والحاضر، وتبني
توتّرًا سرديًّا يعزّز من تأثير الأحداث، ويجعل القارئ في حالة من الترقّب
المستمر.
2- على مستوى المضامين
:
1)
تقنية الثيمة
كعنصر ديناميكي:
استخدمت الكاتبة الثيمة (الموضوعات
والأفكار) لتشكيل حركيّة دلاليّة عبر تسليط الضوء على القضايا الاجتماعية والدينية
والسياسية والطبقية التي يعاني منها المجتمع. كان لهذه الثيمات تأثير ديناميكي في
دفع الشخصيات للتفاعل مع هذه القضايا، ما يُظهر كيف تؤثّر الأوضاع الراهنة في
الأفراد والمجتمع ككل. الحرب ليست هدفًا بذاتها في الرواية، بل هي الأداة التي من
خلالها تتفاعل الشخصيات مع هذه القضايا وتكشف عن العوار في المجتمع.
مثال: العوار
الفكري والثقافي والاجتماعي والديني لمجتمعها، أي القضايا أو المواضيع أو المضامين
التي تنوي تشريحها ضمن أبعاد هذا العنصر الفني.
هذا يبرز أن
الحركيّة ليست مجرد أحداث متسارعة، بل هي أحداث ذات أبعاد اجتماعية ودينية تسير
جنبًا إلى جنب مع تحوّلات الشخصيات. نرصد هذا التوازي الحركي بين الأحداث وتحوّلات
الشخصيات من خلال:
التوازي بين
الأفراد والبنى الاجتماعية:
تحاول الكاتبة تحليل العلاقة بين التحوّلات
الفردية والتغيّرات الاجتماعية، حيث تستخدم الأسرة كأنموذج رئيسي. في رواية لميس
الزين، نجد أن العائلة تُظهر دور السلطة الأبوية في تشكيل مصائر الأفراد داخل سياق
اجتماعي معين.
شخصية الحاج
قدري:
تمثّل الأب التقليدي الذي يتصرّف بتسلّط على
أفراد أسرته ويطبّق أفكاره المتزمّتة. هذه السلطة تظهر من خلال تصرّفاته القمعية
تجاه أبنائه، وخاصة تجاه سامي. فعندما يعاقب الحاج قدري سامي بسبب ذكر أسماء
النساء في العائلة، يظهر كيف أن السلطة الأبويّة تتجاوز مجرّد السيطرة الاجتماعية
إلى مستوى السيطرة على الأفكار والتصرّفات الشخصية لأفراد الأسرة.
مثال:
"...ومحاضرة في العيب
والشرف وعدم إفشاء أسرار البيوت وبالذات أسماء العمّات والبنات". (ص 39)
هنا يعاقب
الحاج قدري ابنه سامي على تصرّفه الطفولي البريء الذي يتعلّق بذكر أسماء بعض
النساء في العائلة، مما يعكس قيود السلطة الأبوية الصارمة التي تُلزم الأفراد بأن
يسيروا على الطريق الذي يحدّده الآباء وفقًا للأعراف الاجتماعية التي تُعطي قيمة
كبيرة لسمعة الأسرة.
شخصيّة سامي :
يشكّل سامي نموذجًا للتحوّل السوسيولوجي
الذي يمكن أن يحدث داخل الأسر التقليدية. تُظهر الكاتبة كيف يتعرّض سامي لتغيير
جذري في وعيه، عند انخراطه في المظاهرات الشعبية. كان هذا التمرّد بداية لتغيير في
تفكيره الشخصي، حيث بدأ يرفض الانصياع للسلطة الأبوية الصارمة والقيود المفروضة
عليه. هذا التمرّد لم يكن مجرّد رفض لوالده، بل كان بداية لاكتشافه لذاته المفقودة
والمضطهدة.
مثال:
تطوّر من الطّاعة
إلى التمرّد:
المظاهرات
الشعبية كانت أولى مظاهر الرفض التي أيقظت التمرّد في عقل سامي من سبات دخله
مجبرًا منذ الطفولة.
" شعور لم
بختبر شيئًا يشبهه قبلًا؛ لقد فعلها، فعل أمرًا خارج تقاليد الأسرة وقوانينها"[38]
في وقت لاحق،
يتّخذ سامي قرارات تتناقض بشكل صارخ مع الأعراف الاجتماعية، مثل زواجه من شمس التي
تكبره بأكثر من اثني عشر عامًا. هذا الزواج يعكس تمرّده الكامل على العادات
والتقاليد التي فرضتها عليه عائلته، وتحديدًا على الفكرة القائلة بأن المرأة يجب
أن تكون أصغر سنًّا من الرجل في الزواج. لم يكن ذلك مجرّد تحدٍّ للسلطة الأبوية،
بل كان أيضًا تحديًّا للأعراف المجتمعية التي تُقيّد العلاقات بناءً على معايير
عمرية ثابتة.
شخصية أنس:
يُظهر أنس شخصية ثانية تتأثّر بشكل عميق
بالقيم الدينية والعائلية السائدة. أنس، الذي تعرّض في طفولته للاعتداء الجنسي من
قِبل مدير مكتبة في المدرسة، لم يجد أي دعم أو حماية من عائلته بسبب خوفه من تأثير
ذلك الاعتداء على سمعة العائلة. ولذلك، يكبت أنس صدمته النفسية طوال حياته، مما
يؤدّي إلى تدميره داخليًّا ويجعله يحاول الهروب من مأساته عبر الانضمام إلى
المسلحين أثناء الحرب.
مثال:
التأثير
العائلي الديني على الشخصية:
أظهر أنس، الذي
ألجمه الخوف على سمعة أسرته المتديّنة من البوح باسم مدير المكتبة الذي اعتدى على
عفّته وهو تلميذ صغير لا حول له ولا قوة.
" تذكّر
التقريع والتعنيف، الذي ناله أخوه سامي لجرم، كان حتمًا أخفّ من جرمه، فتخيّل ما
الذي سيقولونه عنه. أيّ خزي وأي عار! الأمر المعيب الذي حصل كان غلطته، وإلّا
لماذا اختاره الأستاذ دونًا عن بقية التلاميذ"[39]
يُظهر هذا
المثال كيف أن عادات الأسرة قد تساهم في تعميق معاناة الفرد، حيث يخشى أنس التحدّث
عن الاعتداء بسبب خوفه من تأثير ذلك على سمعة الأسرة. هذا يشير إلى كيف تؤثّر
القيم الأسرية على حياة الأفراد بشكل غير مباشر، مما يقيّد حرّيتهم في التعبير عن
أنفسهم.
شخصية حمزة:
يُظهر حمزة نموذجًا آخر من الأبناء الذين لا
يهتمّون بالقيم الأسرية، بل يستخدمونها لتحقيق مصالحهم الشخصية. بعد هجرته إلى
تركيا، يُظهر حمزة كيف يمكن أن يستغلّ الشخص أو يستفيد من القيم العائلية لخدمة
مصالحه الشخصية. فهو يستولي على ثروة والده ويسجّل كلّ الممتلكات باسمه، مما يعكس
استهتاره بمبادئ الأسرة ويُظهر تباينًا كبيرًا بين ما يُفترض أن يكون في هذه القيم
وبين تصرّفات حمزة.
مثال:
التسلّط على
القيم العائلية:
حمزة كان كما
يراه سامي: "ضابط أمن أخلاق البيت،...، فهو القيّم على تنفيذ قوانين
الأسرة حسب توجّهات الإدارة العليا، الممثّلة بوالديه وبقانون الحرام والعيب... "[40]
في هذا المثال،
يشير سامي إلى حمزة باعتباره "ضابط أمن الأخلاق"، ممّا يعكس كيف يتمّ
تقدير الشخصيات داخل الأسرة وفقًا لدرجة التزامهم بالقيم السلوكية المتزمّتة،
بينما في الواقع يُظهر حمزة استفادة كبيرة من القيم التي يُفترض أن يطبّقها.
شخصية خديجة:
تسلّط الكاتبة الضوء على التناقضات في الأسر
التقليدية من خلال شخصية خديجة. رغم أن والدها كان يفرض سلطته القويّة على الأسرة،
مثل تحريمه للأغاني والموسيقى، إلّا أن خديجة تمكّنت من تحدّي هذه القيم بشكل خفي.
تُظهر لنا الكاتبة كيف أن القيود الأسرية لم تمنع خديجة من التمرّد على تلك القيم،
حيث كانت تغنّي في سريّة، ممّا يبرز التناقض بين الظاهر والباطن في القيم الدينية
والاجتماعية.
مثال:
التمرّد الخفي في العائلة المتشدّدة:
"تترنّم بأغاني عبد الحليم حافظ، تسمعها
خلسة وتدندن بها، لكن ليس على مسمع من أبيها، فالأب ما كان ليقبل أن يكون في بيته
شيء من مزامير الشيطان..."[41]
تُظهر هذه
الجملة كيف أن الأيديولوجية الأسرية الصارمة لم تنجح في السيطرة على رغبات خديجة،
ممّا يبين كيف أنّ الأفراد في المجتمعات التقليدية قد يجدون طرقًا للتخلّص من
القيود الاجتماعية.
مثال آخر:
استغلال تلك
القيود من قبل أحد الأولاد ومقايضتها على (بوسة) مقابل أن يحجم عن إخبار أمّها
أنها نزلت الماء دون حجاب.
" اخفضي
صوتك، ستسمعك أمك، وتعرف أنّك نزلت الماء دون حجاب، لن أسمح لك بالخروج إلا
ببوسة"[42]
هنا نجد صورة
أخرى لتمرّد خديجة الخفي، حيث كانت تتعرّض لمساومات حتى في تلك الأوقات التي كانت
تحاول فيها الهروب من القيود المفروضة عليها.
شخصية ناهد:
تمثّل انعكاسًا للضغوط الاجتماعية على المرأة
في ظل ّالحرب. يمكن ملاحظة تحوّلها النفسي من امرأة تخضع للتقاليد إلى شخصية تسعى
للتمرّد على الهيمنة الذكورية، مما يعكس التوتّر بين الفرد والجماعة في سياق
اجتماعي مضطرب.
الخلاصة
من خلال تحليلات هذه الأمثلة والشخصيات، نجد
أن الكاتبة لميس الزين استخدمت أسلوبًا سوسيولوجيًّا متميّزًا للكشف عن تأثير
الحروب والصراعات الاجتماعية على الأسر السورية. لقد أظهرت كيف أنّ الفرد يمكن أن
يكون محرّكًا للتغيير داخل بنية اجتماعية أكبر. ومن خلال شخصيات مثل سامي، أنس،
حمزة، وخديجة، وناهد. استطاعت الكاتبة أن تقدّم دراسات حاليّة لمظاهر التمرّد الاجتماعي
داخل الأسر السورية، مع التركيز على التناقضات الكبيرة بين القيم المجتمعية المعلنة
والواقع المخبّأ.
2)
الثيمة النسوية في رواية "الفناء الخلفي":
1. تسليط الضوء على
القضايا النسوية:
تتناول الرواية قضايا نسوية محورية من خلال
شخصياتها، لا سيما "شمس" و"ناهد"، مقدّمة دراسة معمقة لتأثير
الثقافة الذكورية والحرب على تصوراتهن وهوياتهن
2. شخصية شمس:
النشأة في بيئة
ذكورية:
شمس ضحية لبيئة
قمعية يهيمن عليها الأب والأم والأخوة، حيث كانت الأم ترى أنّ "أقصى
أمنياتها أن تراها مستورة في بيت زوج"[43]، مما عكس ثقافة
ذكورية تفرض أدوارًا محدّدة على النساء.
أزمة الهوية:
عانت شمس من
عزلة نفسية واجتماعية، بسبب اختلافها عن مجتمعات النساء اللواتي يختلفن عنها في
الطباع، مما يُبرز أزمة الهوية في مجتمع يفرض قيودًا ثقافية صارمة.
التحوّل من
الضحية إلى الواعية:
بدأت شمس "إغراق
نفسها بالكتب دراسة ومطالعة"[44]، وهو ما يمثّل
بداية تحولها نحو وعي ذاتي واستقلال فكري.
علاقتها بسامي،
رغم كونها مفروضة في البداية بسبب "حاجة الجسد ضمن إطار شرعي"،
تطورّت إلى "علاقة تشاركية واعية"[45]. ما يعكس
فهمها الجديد للشراكة بين الرجل والمرأة.
التحديات
الاجتماعية:
تعرّضت شمس
لتنمّر من جيرانها ووُصفت بأنها "أكثر مما تستحق"[46]. ممّا يعكس
الواقع الاجتماعي القمعي.
صراعها مع أسرة
سامي يبرز رفض المجتمع لاستقلال المرأة، حيث واجهت رفضًا لاختلاطها بالرجال
وعملها.
3. شخصية ناهد:
النضال ضد زواج
غير متكافئ:
تعرّضت ناهد
لخيانة زوجها وزواج غير متكافئ، ما أدّى إلى طلاقها وتحملها مسؤولية تربية ابنها
المراهق المتمرّد.
التحدّيات
الجسدية والاجتماعية:
يُبرز النص
صراعها مع رغباتها الجنسية، حيث تصف الرواية هذا الصراع بعبارة:
"جوع
الجسد للجنس" [47]، متزامنًا
مع "نباح الحرب"[48] ، ممّا
يعكس العلاقة بين الرغبة الفردية والواقع المجتمعي القاسي.
تساءلت ناهد:
"أي رجل سيرضى أن يتزوّج من امرأة لديها ابن أطول منها؟"[49] ممّا يُبرز
معاناة المرأة المطلّقة في مجتمع ذكوري يوصم النساء.
6. الاستنتاج:
الرواية ليست
مجرد طرح لقضايا نسوية، بل هي نص أدبي تحليلي يعكس أبعادًا نفسية، اجتماعية،
وأخلاقية، وفلسفية لمعاناة النساء.
باستخدام المنهج الذرائعي، تقدم الرواية رؤية عميقة للتشابك بين الأبعاد المختلفة
لتجربة المرأة، مما يجعلها أداة لإثارة الوعي وتحفيز التغيير.
3)
ثيمة الجسد:
في كتابه ( الجسد في رواية الحرب السورية )[50]
، يقتبس حسان عباس، مؤلّف الكتاب، عبارة لفريد الزاهي تقول:" الجسد يتدخّل
بشكل مباشر في عملية إنتاج النّص وكتابته، ويشكّل المخزون الذاتي للذّات المؤلّفة
التي تثوي، بشكل أو بآخر وراء النص، وينقل اللّغة من التواصل الشفوي إلى صورتها
المكتوبة"[51].
فالجسد، بهذا الدور، يحمل محاور تاريخية وثقافية ودلالية، لأنه ينتمي إلى مجتمع
بشري يحمل ثقافته ويعكس فيه سلوكيّاته وأفعاله، فهناك علاقات متداخلة بين الجسد
الروائي والجسد الاجتماعي.
في رواية لميس
الزين، يُعتبر الجسد عنصرًا حيويًا يعكس التوترات الاجتماعية والنفسية الناتجة عن
الحرب. يتجاوز الجسد في الرواية دوره المادي ليصبح رمزًا للتحولات الداخلية التي
يمر بها الأفراد في سياق الحرب، حيث يشير إلى التغيير في العلاقات، والصراعات
النفسية، وتداعيات البيئة الاجتماعية والدينية التي يعيشون فيها.
·
الجسد كدلالة
اجتماعية وثقافية:
في البداية، يُقدّم الجسد كمؤشر اجتماعي على
معاناة الأفراد في ظل ظروف الحرب. يتمّ تجسيد الفقر والحرمان من خلال الأجساد،
خاصة في تصوير النساء في جمعيات خيرية، حيث تعكس ملابسهن الرخيصة والألوان الباهتة
الطبقات الاجتماعية المتأثرة بالحرب: "غالبية النوع الأول، كنّ من النساء
المحجّبات، يرتدين مانطو طويل، يدلّ قماشه الرخيص والألوان الباهتة، على قدومهنّ
من حارات شعبية فقيرة. ربما كنّ من عائلات بدأت بالنزوح من قرى الريف الشرقي"[52]. هذه الصورة
تسلط الضوء على التهميش الاجتماعي والاقتصادي بسبب النزاع، وتظهر الجسد كمرآة
للطبقات الفقيرة.
·
الجسد في
السياق الديني والقيود الاجتماعية:
يُظهر الجسد أيضًا تأثير القيود الاجتماعية
والدينية على الأفراد. في حالة "أنس"، يعكس الجسد تمزقًا داخليًا ناتجًا
عن الاعتداء الجسدي الذي تعرض له في الطفولة، وهو ما يُخفى ويُرفض في البيئة
الدينية التي نشأ فيها. الحرب، التي تحمل في طياتها تغييرات هائلة، تمنح "أنس"
فرصة لمواجهة هذه الذاكرة وتحرير الجسد من قيود الماضي."لم تدفن حادثة
اعتداء (وضاح) أمين المكتبة على عفّته وهو طفل في مقبرة النسيان، وإنّما ركدت
ركودًا فقط، إلى أن جاءت الحرب التي وجد فيها خلاصًا شرعيًّا"[53] . هذا المثال
يعكس العلاقة المعقّدة بين الجسد والمعتقدات الدينية الصارمة، حيث يصبح الجسد
مكانًا للتخفّي والإنكار. الحرب هنا لا تقتصر على القتال الخارجي، بل تحوّل الجسد
إلى ساحة من الصراعات النفسية والوجدانية.
·
الجسد كأداة
للتحوّل في العلاقات الشخصية:
يُستخدم الجسد أيضًا كأداة لتحول الشخصيات
نفسيًا وعاطفيًا. شخصية "سامي" تمثل هذا التحول، حيث يكتشف نفسه في
مواجهة جسدية جديدة مع المرأة بعد نشأته في بيئة تقيد العلاقات الجسدية. تعبيراته
الجسدية، مثل مصافحته ليد امرأة، تعكس الصراع بين هوية الشخصية وواقعها الاجتماعي
المقيّد"مدّت يدها تصافحه، وجد سامي نفسه يمدّ يده، وهو الذي اعتاد ألّا
يصافح النساء. شعر بقشعريرة تسري بيده من لمسة الأصابع النحيلة والباردة"[54]. هذا التفاعل الجسدي يظهر كيف أنّ الجسد يصبح
أداة لاكتشاف الهوية والحرية الشخصية، متجاوزًا الحدود المجتمعية المقيّدة .
·
الجسد والحروب
الداخلية:
يتعامل الأفراد مع أجسادهم بطرق مختلفة خلال
الحرب، مثل "شمس" و"ناهد"، حيث تسعى "شمس" لإشباع
حاجتها الجسدية في إطار الزواج الشرعي، بينما تسعى "ناهد" إلى إيجاد
الراحة من خلال علاقة غير شرعية، لكن كلاهما يفشل في ذلك.: "شمس انطلقت من
نظرتها لنفسها، ماذا لو كانت طبيعتها تختلف عن طبيعتي؟ حاجتها للآخر أقل، رغباتها
أقل؟"[55] . هذا يعكس
تأثير الحرب في إعادة تشكيل رغبات الأفراد تجاه أجسادهم والآخرين.
·
تأثير الحرب
على الاستقرار الاجتماعي والجسدي:
الحرب لا تقتصر على تدمير البنية المادية
للمجتمع، بل تؤثر أيضًا على الاستقرار العاطفي والجسدي للأفراد. من خلال الأسئلة
التي تطرحها الرواية عن علاقة الحرب بالحب، "هل نالت الحرب من الحبّ
أيضًا؟"[56] . يتمّ تسليط
الضوء على أنّ الأوضاع المأساوية التي تولّدها الحروب تزعزع الاستقرار الداخلي
للأفراد وتؤدي إلى تفكك الروابط الإنسانية.
الاستنتاج:
نستنتج من هذه التحليلات أن الجسد في
الرواية ليس مجرد شكل مادي بل هو مساحة تعبيرية عن الصراع الداخلي والتغييرات
النفسية والاجتماعية. الجسد يعكس تأثير الحرب على الهوية الفردية والجماعية، حيث
يتفاعل مع الواقع الاجتماعي والديني والسياسي في تكوين الشخصية، ويصبح ضحية أخرى
من ضحايا الحرب.
4)
ثيمة النزوح :
تناولت لميس الزين في روايتها ثيمة النزوح
بشكل عميق، موضّحةً كيف أن الحرب السورية دفعت الناس إلى النزوح القسري من مناطق
الاشتباك، مما تسبب في تدمير حياتهم الاجتماعية والنفسية. يظهر النزوح في الرواية
كظاهرة متعددة الأسباب، تشمل الخوف من الاشتباكات والدمار،"صارت
الاشتباكات حدثًا يوميًّا قذائف تسقط دون سابق إنذار فتهدم وتدمّر، ورصاص يتطاير
فيقتل ويروّع، النزوح لم يعد خيارًا، بل بات ضرورة للنجاة بنفسك ومن معك"[57].
وتفاوت الطبقات
الاجتماعية في التأثّر به، فقد كان بعض الناس قادرين على الانتقال إلى بيوت
أقاربهم أو إلى منازل فارغة حفاظًا على ممتلكاتهم، بينما كان البعض الآخر مضطّرًا
للّجوء إلى المساجد، المدارس، أو حتى الأرصفة. تقول الرواية: "كلّ ولّى
وجهه شطر وجهة تأويه، بيت قريب أو نسيب فُتح لاستضافتهم، أو بيوت سافر أصحابها، فعُرضت
للسكنى حفاظًا على أثاثها من التعفيش"[58] . يظهر هذا
الاختلاف الطبقي في كيفية تأمين مأوى يحقّق الحدّ الأدنى من الراحة، ويجسّد الفجوة
الكبيرة بين الفئات الاجتماعية في فترة النزوح.
كما تسلّط
الضوء على معاناة النازحين النفسية، مثل صعوبة التكيّف مع بيئة جديدة وفقدان
الهوية والمكان. في النهاية، يعكس النزوح أزمة نفسية واجتماعية تدمّر الهويات
الفردية والجماعية"كيف لها أن تتكيّف في بيت ليس بيتها، وهي التي تمتنع عن
تنشيف يدها بغير منشفتها، وتتوتّر من شرب القهوة بغير فنجانها"[59] .
الاستنتاج:
لميس الزين تبرز في روايتها الأبعاد النفسية
والاجتماعية للنزوح في الحرب السورية، حيث لا يقتصر على الانتقال المكاني بل يشمل
أزمة هوية وصراع داخلي. الشخصيات، مثل شمس، تظهر صعوبة التكيّف مع بيئة جديدة، مما
يعكس تأثير الحرب على الهوية الفردية والجماعية.
5)
الثيمة الاقتصادية : خصوصية الوضع
الاقتصادي التجاري الحلبي في ظل تلك الحرب:
تُظهر لميس الزين في روايتها كيف تتداخل الأبعاد الاقتصادية مع الأبعاد الاجتماعية[60] والثقافية في حلب خلال الحرب السورية، تبرز الرواية الصراع الطبقي بين سكان
المدينة وأبناء الريف، وتناقش دور الحرب في تكريس هذا التوتر الاجتماعي."ولا تنسي أنّ كثيرًا منهم يحقد علينا،
ويرى أنّ المكاسب التي حقّقناها بمجهودنا مستلبة من حقّهم الضائع في قراهم البعيدة
عن التحضّر والمدنّية"[61]. هذه الفكرة تكشف عن العزلة الطبقية بين سكان الريف وأهل المدينة الذين
يعتبرون أنفسهم أكثر تحضّرًا وتمدّنًا.
كما تُعرض تأثيرات الحرب على الاقتصاد، خاصة في تحول نمط العمل إلى
"البسطة" والبيع بالوكالة كحلول بديلة. رغم التحديات الاقتصادية والظروف
البيئية الصعبة،"كانت
تقلّبات الطقس عائقًا للبيع والشراء، لم يجد سامي وسيلة للتغلّب عليها إلا بنصب
مظلّة تقي البائع والبضائع من تغيّراته"[62]. هذه التفاصيل تسلّط الضوء على المعاناة اليومية للتجار الصغار وكيف أنّ
الظروف البيئية القاسية كانت تشكّل تحدّيًّا إضافيًّا لهم.
تظهر الكاتبة كيف أن التجّار الحلبيين حافظوا على روح الإصرار والمثابرة،
وتمكّنوا من التكيّف مع الأزمات الاقتصادية والتطور الذاتي"خلال بضعة أشهر حقّق سامي إنجازًا أهمّ من
الدخل المادّي البسيط، وهو الشعور بالثّقة، والقدرة على إدارة أمور العمل وحده،
وهو شيء لم يسبق له أن فعله حين كان يعمل مع أبيه"[63] . هذا
التحوّل يظهر كيف أنّ الظروف الاقتصادية المزرية قد تدفع الأفراد نحو اكتشاف
قدراتهم الذاتية، وهو ما يعكس القوّة النفسية في مواجهة التحدّيات.
تظهر لميس الزين في روايتها كيف استمر التجار الحلبيّون في العمل رغم الظروف
الصعبة التي فرضتها الحرب. تُبرز الرواية صمود مصانع الألبسة، التي واصلت الإنتاج
باستخدام مولّدات الكهرباء، مما يعكس روح الإصرار والمثابرة."البضائع لم تنقطع من أسواق حلب، الكثير
من ورشات الألبسة ..... استمرت بالإنتاج، رغم ظروف الحرب القاهرة مستعينة بمولّدات
الكهرباء"[64]. تُظهر هذه الفقرة صمود تجّار حلب في مواجهة صعوبات الحرب، ممّا يعكس روحًا
من الإصرار والعزيمة.
الاستنتاج:
تعكس هذه الثيمة تكيّف الأفراد
مع الأزمات الاقتصادية، وتحويلها إلى فرص للتطور الذاتي والمهني، رغم الصراع
الطبقي والأوضاع المعيشية القاسية.
6)
الثيمة السياسية :
تتناول لميس الزين السياسة في روايتها بشكل
غير مباشر، مُظهرة تأثيرها على حياة الناس عبر إشارات دلالية. الشخصية الرئيسية،
مثل العديد من الشخصيات الأخرى، تتجنب التدخل المباشر في السياسة، وتُظهر الرواية
كيف تُعامل السياسة كقضية جانبية تؤثر فقط على المصالح الاقتصادية للأفراد.
.
"أمّا السياسة
فلا تهمّهم إلّا بالقدر الذي قد يؤثّر على أشغالهم من أحوال البلد"[65].
تُستخدم وسائل الإعلام، مثل نشرات الأخبار، لتوسيع الأفق السياسي بشكل غير
مباشر، حيث يظهر بعض الشخصيات في مواقف سياسية متناقضة.
يظهر أنس وهو يشاهد تقريرًا إخباريًا عن الأستاذ وضّاح أمين المكتبة، الذي
أصبح الآن جزءًا من الوفد الحكومي. "ظهر في
لقطة الآن، ضمن وفد حكومي"[66]. هذا المشهد يكشف عن تحوّل بعض الشخصيات من جزء من النظام إلى ممثلين
رسميين له.
الرواية تنتقد الثورة من خلال شخصية (عادل) التي تُحمّل الأطراف الخارجية
والداخلية مسؤولية فشلها ."حجم التآمر
الخارجي كان كبيرًا. المتسلّقون هم من تاجروا واستفادوا، الثورة لم تكن همّهم؛
همّهم المال والشهرة"[67]. ، بينما تُركّز شمس على المعاناة الإنسانية بعيدا عن الصراعات السياسية "غابت بين الأقدام الصغيرة الغائصة في
الطين البارد، هؤلاء همّهم حذاء وسقف آمن ورغيف"[68]. تستعرض الرواية كيف أن السياسة تظل تأثيرًا غير
مباشر في حياة الأشخاص الذين يعانون من آثار الحرب دون أن يكون لهم دور فاعل فيها،
مما يعكس العزلة السياسية التي يعيشها معظم الناس في ظل الصراع.
الخلاصة:
تُظهر
رواية لميس الزين كيف أن السياسة تؤثر بشكل غير مباشر على حياة الناس الذين يعانون
من الدمار الناتج عنها. عبر شخصيات مثل سامي وشمس، تعكس الرواية العزلة السياسية
للأفراد الذين يواجهون أزمات اجتماعية وشخصية، بعيدًا عن الانتماءات السياسية
والطائفية. تركز الرواية على معاناة الأشخاص بسبب الحرب، وتوجّه نقدًا غير مباشر
لجميع الأطراف السياسية والطائفية، مشيرةً إلى تأثير الحروب والتوترات السياسية
على الهويات الفردية والجماعية، وتعزيز العزلة الاجتماعية والنفسية للأفراد في
المناطق المتأثرة بالصراع.
7)
ثيمة الهجرة:
الهجرة وتأثيراتها في رواية لميس الزين
تناولت لميس
الزين الهجرة بشكل غير تقليدي، مركّزة على تأثيراتها الاجتماعية والثقافية في
مدينة حلب خلال الحرب. عرضت الكاتبة كيف أدت الهجرة، خاصة من الريف إلى المدينة،
إلى تغييرات ديموغرافية وثقافية كبيرة، حيث تداخلت ثقافات وأساليب حياة مختلفة،
مما أثّر على الذوق العام والبيئة الثقافية في المدينة. . يعكس هذا "التغيّر
الديموغرافي"[69] العشوائي
تدهورًا في الذوق العام والثقافة الجمعية، الشخصيات الجديدة التي تُمثل هذه الفجوة
الثقافية تسببت في تباين واضح في القيم بين الثقافة التقليدية والثقافة القادمة مع
موجات الهجرة.
فيما يتعلق
بالهجرة إلى الخارج، ركزت الرواية على التحديات التي يواجهها اللاجئون السوريون بالتأقلم
والاندماج[70] مع البيئات
الجديدة، خصوصًا مع صعوبة تعلم اللغة إذ
يمثّل "عائق اللّغة أحد أبرز العوائق التي تحدّ من اندماجهم"[71]. وتأثير التحولات الثقافية والدينية[72]،. كما أظهرت
التوترات النفسية الناتجة عن صراع الهوية والتأقلم مع المجتمعات الأوروبية،
والتغييرات التي يفرضها النظام الاجتماعي في الدول المضيفة.
خلاصة تحليل المستوى الديناميكي :
يكشف التحليل الديناميكي
عن براعة لميس الزين في استخدام المكوّنات الديناميكية في الرواية لتصوير
التفاعلات المتبادلة بين الشخصيات والبيئة الاجتماعية والاقتصادية المحيطة. يظهر
أنّ التحوّلات في هويّات الشخصيات وعلاقاتها مع المجتمع ليست مجرّد تطوّرات
داخلية، بل هي انعكاس مباشر لتأثير الظروف الخارجية مثل الحرب، الهجرة، والأزمات
الاجتماعية.
الرواية تقدّم
رؤية عميقة لكيفية تشكيل القوى الخارجية للسلوكيات والقرارات الفردية، مما يُبرز
الطبيعة المعقدة لتفاعل الفرد مع محيطه. تتجلّى الديناميكية من خلال التطوّر
المستمر للشخصيات، حيث يؤدّي التفاعل مع البيئة إلى إعادة صياغة مواقفهم
وعلاقاتهم، مما يجعل الهويات والسلوكيات في حالة تغير دائم.
هذا التحليل
يعكس فهمًا مركّبًا للعلاقات بين الفرد والمجتمع، مؤكّدًا على أنّ الشخصيات لا
تعيش بمعزل عن بيئتها، بل تتأثّر بها وتؤثّر فيها بشكل دائم.
وهذا الاستنتاج
ينقلنا للمستوى النفسي:
§
المستوى النفسي :
يركّز هذا المستوى على فهم النص الأدبي
كانعكاس أو إسقاط للاوعي الكاتب، مُتجاوزًا الشخصيات والحبكة لدراسة الهواجس
النفسية والصراعات الداخلية التي تظهر في النص. الهدف من التحليل هو الكشف عن الأبعاد
النفسية العميقة التي تحرّك الكاتب، وربط النصّ بتجارب الكاتب وبيئته النفسية
والاجتماعية، وإبراز العلاقة بين الذات الواعية واللاواعية.
يتناول هذا التحليل الديناميكيات النفسية التي تؤثّر في سلوكيّات الشخصيات،
مع التركيز على المدخل السلوكي الذي يرى السلوكيات كـ"أسئلة" تحتاج إلى
تفسير، حيث تمتدّ إلى تفسير التفاعل بين الشخصيات وبيئتها.
1- المدخل السلوكي :
المدخل السلوكي الذرائعي: قراءة في تساؤلات
النص وسلوكيات الشخصيات
يعتمد هذا
المدخل على تساؤلات جوهرية لتحليل سلوكيات الشخصيات في النص الأدبي، مع التركيز
على دوافعها النفسية والبيئة الاجتماعية التي تؤثر فيها. في رواية "الفناء
الخلفي" للكاتبة لميس الزين، تبرز تساؤلات متعدّدة تكشف الصراعات الداخلية
للشخصيات وتأثير المجتمع عليها.
1. التساؤلات الوجدانية
(شمس)
النص:
"لماذا
كانت تستعذب الإنصات على البوح؟"[73] .
التحليل: شمس تبحث عن
فهم لذاتها، وتجد عزاءً في الإنصات، ممّا يعكس صراعًا نفسيًّا وانغلاقًا داخليًّا
بسبب تأثيرات اجتماعية تمنع التعبير الحر.
2. الحرب وتداعياتها على
الأمّهات
النص:
"ترى ما
شعور الأمّهات اللواتي يحبلن ويلدن ويربّين... ليقدّمن الأبناء قرابين لغولة نهمة
لا تشبع اسمها الحرب؟"[74]
التحليل: التساؤل يظهر
إحساسًا بعدمية الحرب وتأثيرها النفسي على الأمهات، مما يعكس صراعًا اجتماعيًا بين
دور الأمومة والواقع القاسي.
3. العلاقات الزوجية:
النص:
"كيف يفيض
الكيل ببعض الأزواج، ليصل حدًّا يصبح معه الاستمرار مستحيلًا؟ متى ينهار صمّام
أمان العلاقة؟ وتصبح عرضة للانهيار، أهي لحظة مباغتة أم نهاية طريق مسدود
أصلًا؟"[75]
التحليل: يكشف التساؤل
دور البيئة الاجتماعية والعادات في تفاقم المشكلات الزوجية، ممّا يعكس صراعًا بين
الرغبات الفردية والقيود المجتمعية.
4. العلاقات
العاطفية والصراع الداخلي:
النص: "كيف
يمكن لشخص واحد أن يبدو ملاكًا وشيطانًا بوقت واحد؟! "[76]
التحليل: يعبر التساؤل
عن صراع داخلي بين الحب والكراهية، مسلطًا الضوء على الانقسامات العاطفية وتأثير
المجتمع على نظرة الشخصيات للآخرين
5. تأمّلات فلسفية حول
الحياة والموت
النص:
" ولماذا لا يكون الناس كالأشجار؟"[77]
"ما الذي أفدناه
من اللغة سوى الكذب والنفاق وحروب الكلام؟"[78]
التحليل: يطرح النص
تساؤلات فلسفية حول الهويّة والوجود، مع نقد اللغة كوسيلة للصراع، ممّا يعكس
شكوكًا تجاه المعايير الاجتماعية.
الخلاصة:
التساؤلات في الرواية تكشف الصراعات النفسية
والاجتماعية للشخصيات، مع التركيز على أثر البيئة الثقافية والاجتماعية. المدخل
السلوكي الذرائعي يُبرز التعقيد النفسي للشخصيات ودورها في بناء الحبكة وإيصال
الرسائل الفكرية.
إنّ التحليل
الذرائعي يكمن في فهم كيفية تأثير العوامل النفسية والاجتماعية على السلوكيات التي
تُظهر النصوص الأدبية، وكذلك كيف يتداخل النصّ الأدبي مع نصوص ثقافية أو تاريخية
سابقة. يمكن لهذه العلاقة أن تفتح أفقًا واسعًا لتحليل النصوص الأدبية من خلال
التأثير المتبادل بين "الذاكرة الجماعية"[79]، والتجارب
الفردية للشخصيات، والنصوص الموازية التي تساهم في تشكيل الواقع الأدبي. وبذلك
ننتقل إلى المدخل النفسي الثاني:
2-
المدخل التوليدي العقلاني (مدخل التناص):
تُعيد لميس
الزين تشكيل النصوص السابقة عبر التناص لإبراز رؤيتها للحرب السورية، خاصة في
مدينة حلب، مع التركيز على قضايا اجتماعية ونسوية مثل الجسد المقموع. يتخطّى
التناص الاستلهام ليصبح إعادة إنتاج فكرية تعكس تأثير الحرب على الهوية والجسد.
أمثلة التناص:
تتناص لميس
الزين في هذه الرواية مع العديد من الروائيين والروائيات العرب، منهم:
1. "سلالم
الشرق" لعبد الرحمن منيف
التشابه: تناول
تأثير الصراعات على الهوية والتحوّلات الاجتماعية.
الاختلاف:
"الفناء الخلفي" تركّز على الحرب السورية المعاصرة، بينما منيف يستعرض
صراعات تاريخية أوسع.
2. "دار المتعة"
لوليد إخلاصي
التشابه: تسليط
الضوء على قضايا الجسد والانتهاكات في الحروب.
الاختلاف:
الزين تتناول قضايا المرأة في ظل النظام الذكوري، بينما إخلاصي يعمق التركيز على
القمع الفكري والجنسي.
3. "مديح
الكراهية" لخالد خليفة
التشابه: تصوير
حلب والتحوّلات الاجتماعية في ظلّ الحرب.
الاختلاف:
"الفناء الخلفي" تركز على فترة الحرب السورية (2012-2016)، بينما خليفة
يعالج صراعات السبعينيات والثمانينيات.
4. "بريد الليل"
لهدى بركات
التشابه:
استعراض الهجرة وتأثير الحرب على الهوية الفردية والجماعية.
الاختلاف:
بركات تعتمد السرد التجريبي، بينما الزين تلتزم بسرد متماسك.
5. "فوضى
الحواس" لأحلام مستغانمي
التشابه:
مناقشة الجسد والهوية النسوية.
الاختلاف:
"الفناء الخلفي" تسلّط الضوء على الجسد في سياق الحرب، بينما مستغانمي
تركّز على العلاقة العاطفية والوجودية.
الاستنتاج:
تُحوّل الزين
التناصّ إلى أداة إبداعية لإعادة إنتاج المعاني، ممّا يعزّز خطابًا أدبيًّا يربط
الماضي بالحاضر. يتداخل النصّ مع تجارب أدبية وإنسانية أوسع، ويعكس تأثير الحرب
على الهوية والجسد، ليؤدّي دورًا فكريًا وتربويًّا يساهم في تعزيز الوعي الثقافي
والاجتماعي.
3- المدخل التقمّصي:
يشير المدخل التقمّصي الوعظي في النقد
الذرائعي إلى أسلوب يتيح للقارئ التماهي مع الشخصيات، ممّا يجعلها وسيلة لإيصال
رؤى فلسفية أو اجتماعية تحمل طابع الموعظة أو الحكمة. يتجسّد هذا المدخل في النصوص
الأدبية من خلال عبارات أو مواقف تلخّص التجارب أو القناعات الشخصية للشخصيات،
وتكون محمّلة بمعانٍ وجودية وإنسانية تتجاوز حدود النص.
تحليل الأمثلة الواردة:
1. الطابع الحكمي
والمواعظي
العبارة:
"كل كلام في الحب يبقى كلامًا ما
لم توثّقه لمسة حانية"[80]
التحليل: هنا يظهر بُعد إنساني عميق؛ فالكاتبة تطرح
فلسفة حول أهمّية الأفعال في التعبير عن المشاعر. هذه العبارة تُبرز فكرة أنّ الحب
لا يُقاس بالكلمات فقط، بل يتطلّب أفعالًا حقيقية، مما يعكس بُعدًا عمليًّا
وإنسانيًّا في العلاقات.
2. الموضوعات الإنسانية والاجتماعية:
"جنائز المغمورين
صغيرة كأحلامهم المجهضة، فيما تتحوّل جنائز المسؤولين عن إجهاض أحلامهم إلى
مهرجانات من أكاليل ورد وغار. لا عدل حتى في الموت"[81].
التحليل: نقد اجتماعي لاذع، يُظهر التفاوت الطبقي
حتى في لحظة الموت. هذه العبارة تُبرز غياب العدالة، حيث يتم الاحتفاء بالمذنبين
بينما تُهمش ضحاياهم.
3. الرمزية [82]
العبارة:
"كأنّ بعض الموت يأتي متناسبًا
مع حياة عيشت بألم مكتوم، فجاء ليخلّصها منه، بالطريقة ذاتها"[83]
التحليل: الكاتبة تربط هنا بين الحياة والموت،
وتطرح الموت كوسيلة خلاص من معاناة طويلة. هذه العبارة تحمل بعدًا فلسفيًّا حول
التقاء الألم بالنهاية، وتبرز العلاقة بين تجربة الحياة والموت كجزء من سياق وجودي
أوسع.
4. إحساس بالظلم الاجتماعي
العبارة:
"لا عدل حتى في الموت"[84].
التحليل: اختزال موجز وذكي لحالة الظلم الاجتماعي
الشامل. العبارة تكشف عن إحباط الشخصيات من النظام الاجتماعي والسياسي، الذي يُبرز
اللاعدالة حتى في أبسط مظاهر الحياة، كالجنائز.
الاستنتاج:
الكاتبة
تُظهر مهارة في استخدام المدخل التقمّصي الوعظي لتقديم رؤى نقدية وفلسفية عن الحب،
الحياة، والموت. تتّسم العبارات بنبرة تأملية ومواعظية، مما يعزّز من عمق الرواية
ويُضفي عليها طابعًا إنسانيًا يعكس القضايا الاجتماعية. الرمزية المستخدمة
والموضوعات المطروحة تُسهم في إبراز التفاوت الطبقي والظلم، مع طرح أسئلة وجودية
تدعو القارئ للتفكير. المدخل التقمصي الوعظي هنا لا يخدم فقط غرض الحكمة، بل يعمل
على توجيه القارئ لفهم أعمق لتجارب الشخصيات وتفاصيلها، ممّا يجعله عنصرًا محوريًّا
في بناء النص.
التجربة الإبداعية للكاتبة في الفناء الخلفي:
تمثّل رواية "الفناء
الخلفي" للكاتبة لميس الزين إضافة نوعيّة إلى أدب الحرب المعاصر، حيث وظّفت
الحرب كإطار للأحداث بهدف استكشاف التحوّلات الاجتماعية والنفسية التي شهدها
المجتمع السوري في ذروة الصراع. أبرزت الرواية التأثيرات العميقة للحرب على الهويّة
الفردية والجماعية، مع التركيز على الصراع بين الفرد والمجتمع في سياق الأزمات.
قدّمت الرواية
رؤية نسوية متقدّمة من خلال شخصيات مثل "شمس" و"ناهد"، اللتين
تمثّلان طرفي نقيض في مواجهة التقاليد والسلطة الذكورية، ممّا يعكس التحوّلات
النسوية في ظلّ الحرب. إضافةً إلى ذلك، أظهرت الرواية البعد الزمكاني كعنصر
ديناميكي، حيث شكّل الزمان والمكان خلفية درامية تدعم السرد وتعمّق فهم الشخصيات
وصراعاتها.
من خلال المزج
بين الأسلوب الجمالي والتحليل السوسيولوجي، عالجت الرواية قضايا مثل الطبقيّة
والهويّة، واستخدمت تقنيات سردية مبتكرة كالرمزية، السخرية، والمفارقة. هذا المزج
جعل الرواية ليست فقط شهادة أدبية عن الحرب السورية، بل دراسة إنسانية عالمية
تتجاوز الحدود الجغرافية، ما يعزّز مكانتها كعمل أدبي استثنائي في أدب الحرب.
الخلاصة
والخاتمة:
تعدّ رواية "الفناء الخلفي"
نموذجًا أدبيًا معاصرًا يُبرز العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، مع التركيز على
الأبعاد الاجتماعية، النفسية، والنسوية. باستخدام المنهج الذرائعي، يمكن استكشاف
مستوياتها المتعددة لفهم تأثير الحرب على المجتمع والأفراد، ممّا يجعلها مرجعًا
هامًا لدراسة أدب الحرب وتحليل الأزمات الإنسانية.
المراجع
والمصادر
1. الزين، لميس. رواية الفناء الخلفي.
رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2022
2. ريكور، بول. الهوية والسرد، تر حاتم
الورفلي، دار التنوير للطباعة والنشر، 2009
3. الغالبي، عبد الرزاق عوده، الذرائعية بين
المفهوم الفلسفي واللغوي، دار النابغة للنشر والتوزيع- طنطا ط1- 2019
4. الغالبي، عبد الرزاق عوده، الذرائعية في التطبيق - دارالناابغة للنشر
والتوزيع، طنطا، ط1، 2019م
5. الغالبي، عبد الرزاق عوده، الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية - دارالناابغة للنشر والتوزيع، طنطا، ط1،
2019م
6. بوتول،
جاستون. الحرب والمجتمع، تر عباس الشربيني –القاهرة ، دار المعرفة الجامعية، ط1،
1983
7. نجم، عبد الله، مقالات في النقد
الأدبي والظاهرة الأدبية، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2010
8. عباس، حسان، الجسد في رواية الحرب
السورية، منشورات المهعد الفرنسي للشرق الأدنى، 2021
9. الزاهي، فريد، النص والجسد والتأويل،
الدار البيضاء، دار إفريقيا الشرق، 2003
10. يحيي،عبير خالد، أدب الرحلات المعاصر بمنظور
ذرائعي، دار الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع- القاهرة – مدينة نصر –ط1-2021
11. غزواني، أحمد. الهجرة وقضايا
الاندماج: الاتجاهات والنماذج الكبرى للاندماج- مقاربة سوسيولوجية- maarifcenter.ma 2023/ 02/ 01
12. الشقيران، فهد سليمان. المهاجرون في
أوروبا: تحدّيات الاندماج وعائق الهوية- مركز المسبار للدراسات والبحوث 2018 / 10/ 10
13. الدين والهجرة : تحدّيات ورهانات،
مركز نهوض للدراسات والبحوث، nohoudh-center.com إبريل 13/ 2020
14. الغالبي، عبد الرزاق عوده، الذرائعية
والعقل، إصدار الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق -بغداد- ط1 عام 2021
15. مجاهد، رباب أحمد أحمد ، البعد
الاجتماعي في أدب الحرب مجلة كلية الآداب جامعة بور سعيد، العدد السادس والعشرون (
أكتوبر 2023م) الجزء الثاني
16. نجم، عبد الله، مقالات في النقد
الأدبي والظاهرة الأدبية، عالم الكتب الحديث، الأردن، ط1، 2010
17. ليلة، علي، تأثير التحولات الاجتماعية
والاقتصادية على بناء الأسرة ووظائفها، جامعة عين شمس، 2004
18. الباردي،محمد،
الرواية العربية الحديثة، ط1، اللاذقية، دار الحوار،1993م
19. الجابري،
محمد عابد. قراءة في إشكاليات التغيير الثقافي والاجتماعي. مركز دراسات الوحدة
العربية، بيروت، 2005
20.
هالبفاكس، موريس. الذاكرة الجمعية، تر نسرين الزهر، بيت المواطن للنشر
والتوزيع، دمشق/ بيروت، 2016
[1] - الغالبي، عبد الرزاق
عوده، الذرائعية
بين المفهوم الفلسفي واللغوي، دار النابغة للنشر والتوزيع- طنطا ط1- 2019
[2] - الزين، لميس. رواية الفناء الخلفي. رياض الريس للكتب والنشر،
بيروت، لبنان، ط1، 2022
[3] - بوتول
جاستون، الحرب والمجتمع، تر عباس الشربيني –القاهرة ، دار المعرفة الجامعية، ط1، ص
113، 1983
[4] - نجم، عبد الله، مقالات في النقد الأدبي والظاهرة الأدبية، عالم الكتب
الحديث، الأردن، ط1، 2010
[5] - ريكور، بول. الهوية والسرد، تر حاتم الورفلي، دار التنوير للطباعة
والنشر، 2009
[6] - الغالبي، عبد الرزاق
عوده، الذرائعية في التطبيق - دارالناابغة للنشر والتوزيع،
طنطا، ط1، 2019م
[7]- الزين، لميس، رواية الفناء الخلفي،رياض الريس
للكتب والنشر، بيروت، لبنان، ط1، 2022 ص 22
[8] - ص162-163
[9] - الفناء الخلفي ص 227
[10] - الفناء الخلفي ص 21
[11] - ص 21
[12] - ص 21
[13] - ص 233
[14] - الفناء الخلفي ص 32
[15] - الفناء الخلفي ص 32
[16] - الفناء الخلفي ص 196
[17]-
ص
193-194
[18] - الفناء الخافي ص 193
[19] - ص 193
[20] - ص 193
[21] - الفناء الخافي ص193
[22] - الفناء الخافي ص 203
[23] - ص 33
[24] - الفناء الخافي ص228
[25] - الفناء الخافي ص 108
[26] - ص 167
[27] - ص 195
[28] - الفناء الخافي ص112
[29] - ص 7
[30] - ص 81
[31] - ص 82
[32] -ص 83
[33] - ص 85
[34] - ص 85
[35] - الفناء الخافي ص 11
[36] - ص 13
[37] - ص 26
[38] - الفناء الخافي ص 56
[39] - الفناء الخلفي ص 123
[40] - ص 41
[41] - الفناء الخلفي ص 23
[42] - ص 24
[43] - ص28
[44] - ص 33
[45] - ص 33
[46] - ص 204
[47] - ص 139
[48] - ص 139
[49] - ص 136
[50] -عبّاس، حسّان. الجسد في رواية الحرب السورية،
منشورات المهعد الفرنسي للشرق الأدنى ، 2021
[51] - الزاهي، فريد. النص والجسد والتأويل، الدار
البيضاء، دار إفريقيا الشرق، 2003، ص25
[52] - ص 46
[53] - ص 210
[54] - ص 145
[55] - ص 188- 189
[56] - ص 189
[57]-ص 99
[58] - ص100
[59]- ص 101
[60]- ليلة،
علي، تأثير التحولات الاجتماعية والاقتصادية على بناء الأسرة ووظائفها، جامعة عين
شمس، 2004
[61] - ص 177
[62] - 173ص -174
[63] - ص 174
[64] - ص180
[65] - ص 116
[66] - ص 209
[67] - ص 232
[68] - ص 232
[69] - يحيي، عبيرخالد. أدب الرحلات المعاصر من منظور ذرائعي، دار
الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع، مدينة نصر، ط1، 2021
[70] - غزواني، أحمد. الهجرة وقضايا الاندماج:
الاتجاهات والنماذج الكبرى للاندماج- مقاربة سوسيولوجية- maarifcenter.ma 2023/ 02/ 01
[71] - الشقيران، فهد سليمان. المهاجرون في أوروبا: تحدّيات الاندماج
وعائق الهوية- مركز مسبار للدراسات والبحوث 2018/ 10/ 10
[72] - الدين والهجرة : تحدّيات ورهانات، مركز نهوض للدراسات والبحوث، nohoudh-center.com إبريل
13/ 2020
[73] - ص 24
[74] - ص 112
[75] - ص 113
[76] - ص 114
[77] - ص 157
[78] - ص 157
[79] - هالبفاكس، موريس. الذاكرة الجمعية، تر نسرين
الزهر، بيت المواطن للنشر والتوزيع، دمشق/ بيروت، 2016
[80] - ص 231
[81] - ص 217
[82] - الغالبي، عبد الرزاق عوده، الذرائعية والعقل،
إصدار الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق -بغداد- ط1 عام 2021
[83] - ص 216
[84] - ص 217
تعليقات
إرسال تعليق