"حين انحنى الضوء" قراءة ذرائعية في البنية النفسية والرمزية لقصة د. سوزان إسماعيل بقلم الناقدة د. عبير خالد يحيي
تنتمي قصة " حين انحنى الضوء" للقاصة
السورية الدكتورة سوزان اسماعيل إلى الأدب النفسي–الوجودي، حيث يتجلّى المرض
كاستعارة كبرى لحياة كاملة عاشت في الظل. النص ينجح في تحويل المعاناة الفردية إلى
تجربة إنسانية عامة، تمس القارئ في هشاشته الخاصة.
· البؤرة الفكرية والخلفية الأخلاقية:
القصة تطرح جدلية المرض/الوجود/العزلة بوصفها
مأزقًا وجوديًا.
البؤرة الفكرية تقوم على رؤية الإنسان لذاته حين
يتعرض لاختبار وجودي (المرض)، وكيف يتكشف ذلك عن حياة من الظلال والمرايا
والانكسارات، أكثر من كونه مسارًا بيولوجيًا.
الخلفية الأخلاقية هنا ليست وعظية، بل وجودية –
تنبّه القارئ إلى أن المرض يكشف هشاشة العلاقات الإنسانية، وخيانة اللحظة، وضيق
المساحة بين الحياة والعدم. النص يحفر في أخلاقية "الخذلان"
و"التقوقع" أكثر مما يبحث عن خلاص خارجي.
· المستوى البصري
حضور المرايا كرمز بصري مركزي: "ممرّ لم
يكن فيه أبواب، فقط مرايا تكرر ملامحي حتى تختفي" – صورة قوية تترجم فقدان
الهوية في دوامة المرض.
الأضواء في القاعة، المرأة كنافذة مضيئة، واليد
المعلقة في الفراغ – كلها صور بصرية ذات طابع تشكيلي تقيم توازنًا بين الضوء
والظل.
المرض يُجسّد عبر صور ميتافورية: "هبوط في
بئر لا نعرف قاعه" مقابل "صعود على سلم لا نرى نهايته".
· المستوى اللغوي
اللغة شاعرية، مكثفة، تميل إلى الإيحاء أكثر من
السرد الخطي.
استخدام تقابلات لغوية: (الصعود/الهبوط –
الأبواب/المرايا – الحضور/الغياب – الصوت/الصمت).
ضمير المتكلم يعمّق الطابع الاعترافي والبوح
الذاتي.
الإيقاع يتوزع بين جمل طويلة مترادفة وأخرى
قصيرة حادة لإحداث التوتر.
· المستوى الديناميكي (الحبكة)
الحبكة ليست تقليدية، بل داخلية/نفسية، أقرب إلى
التداعي الذهني.
تبدأ من الطفولة الهامشية (ظلّ يسير على أطراف
أصابعه)، تمر بعزلة المدرسة والجامعة، ثم الانعطاف عند اللقاء بالمرأة، وأخيرًا
السقوط في المرض.
الذروة: لحظة الطبيب والورقة.
الانحدار: قرار العزلة النهائية (إغلاق الباب
وعدم فتحه للعمل ولا للصلاة).
إذن المسار الدرامي يقوم على حركة "التفتح
ثم الانطواء" أو "نافذة تُفتح ثم تُغلق إلى الأبد".
· المستوى النفسي
البطل مصاب منذ الطفولة بـ شخصية انسحابية/انطوائية
(الظل، الابتسامة الباهتة، مراقبة النهر).
المرأة تمثل الآخر/الأمل/الكسر المفاجئ للعزلة،
لكنها تنسحب بدورها، فتضاعف الجرح النفسي.
المرض يصبح تجسيدًا نفسيًا وبيولوجيًا لانكسار
الذات: ليس مجرد عارض جسدي، بل هو ذروة لمسار طويل من العزلة والتصدع العاطفي.
حالة "الانفصال عن العالم" تتضح في:
"أغلقت الباب على صوته، ولم أفتحه للعمل، ولم أفتحه للصلاة"، وهو قرار
رمزي بالانسحاب التام من الحياة.
· التجربة الإبداعية
القاصة تنطلق من خبرة داخلية بالهامش الإنساني
والانسحاب الاجتماعي. النص يشي بتأمل طويل في المرض والعزلة أكثر من كونه استدعاءً
لسيرة ذاتية.
الكتابة هنا ليست لتوثيق "قصة مرض"،
بل لطرح ميتا–مرض: أي انعكاس المرض على الهوية والذات والذاكرة.
التجربة الإبداعية تتسم بالتماهي مع الحس
الشعري، وبناء مشاهد بصرية–رمزية قادرة على إحداث صدمة وجدانية في القارئ.
قوة النص تكمن في اللغة الإيحائية والرموز
البصرية (المرايا، الضوء، النافذة).
الحبكة غير تقليدية، لكنها متماسكة داخليًا عبر
خط تصاعدي–انحداري.
النص يحتاج ربما إلى نهاية أكثر انفتاحًا، بدلًا
من الانغلاق الكلي (إغلاق الباب)، ليترك للقارئ احتمالًا ما.
العنوان "حين انحنى الضوء" موفق جدًا،
إذ يلخص التوتر بين الأمل والانكسار.
القصة:
"حين انحنى الضوء"
يقولون: المرض طريقان… إما صعود على سُلّم لا
نرى نهايته، أو هبوط في بئر لا نعرف قاعه.
أما أنا، فقد وجدت نفسي في ممرّ ثالث، ممرّ لم
يكن فيه أبواب، فقط مرايا تكرر ملامحي حتى تختفي.في طفولتي، كنت ظلًّا يسير على
أطراف أصابعه، يترك اللعبة لمن ينتزعها، ويستعيض عن الصرخة بابتسامة باهتة. في
المدرسة، كان وجهي صفحة بيضاء تمر عليها الأيدي دون أن تترك خطًا. وفي الجامعة،
اتخذت من الزوايا مقعدًا، أراقب الجموع كما يراقب حجرٌ ماء النهر، لا يقترب ولا
يبتعد.
ثم جاءت… أو ربما لم تأتِ.
امرأةٌ تشبه نافذةً أُضيئت فجأة في منتصف الليل.
كانت العيون تدور حولها، لكنها مالت نحوي كما يميل غصن نحو ظلّه. وجدت نفسي إلى جوارها
في بيتٍ سقفه منخفض بما يكفي ليجعلنا نهمس.
في تلك الأمسية التي دعانا إليها مدير الشركة،
والتي سالت فيها الأضواء فوق أرض القاعة، ارتدت ثوبًا لم يمرّ على أهداب خزانتنا.
كان هناك، يحدّق بها كما لو يقرأ كتابًا من
جسدها، فردّت بابتسامة من زمنٍ لم أرها. شعرت أن الهواء صار أثقل، حاولت رفع يدي
لأزيحه، لكن يدي علقت في الفراغ. أكملوا الرقص، وأكملتُ الصمت.
بعدها، بدأت كلماتها تنبت شوكًا، تتحدث عن حياة
أكبر من الغرف، وأحلام لا تسعها الجدران. غابت، ثم عادت، ثم غابت… وغابت.
جاء الطبيب، يحمل بين أصابعه ورقة عليها اسمي
واسم مرض لم أسمعه من قبل. قال شيئًا عن الدم، وعن رحلة طويلة، وعن احتمالات تمشي
على حبال واهية.
أغلقت الباب على صوته، ولم أفتحه للعمل، ولم
أفتحه للصلاة.
سوزان اسماعيل
#دعبيرخالديحيي الاسكندرية- مصر 25/ 8/ 2025
تعليقات
إرسال تعليق