اللغة العربية: من الذاكرة المقدّسة إلى أفق الذكاء الاصطناعي

 


في اليوم العالمي للغة العربية، لا يليق بنا أن نقف عند حدود التهنئة الرمزية، بل أن نعيد التفكير في اللغة بوصفها قضية وعي ومعرفة ومصير ثقافي. فاللغة العربية ليست حروفًا تُتداول، ولا تراثًا يُستعاد على هيئة نوستالجيا، بل بنية فكرية عميقة شكّلت رؤية الإنسان العربي للعالم، وما تزال قادرة على إعادة تشكيل هذه الرؤية إذا أُحسن التعامل معها في سياق العصر.

العربية، في جوهرها، ليست أداة تعبير فحسب، بل نظام تفكير وتداول للمعنى، وذاكرة جمعية راكمت القيم والتجارب والمعرفة عبر قرون. بها تشكّلت مفاهيم الوجود، والعدل، والجمال، وبها تبلورت علاقة الإنسان العربي بالزمن، حيث لا ينفصل الماضي عن الحاضر، ولا يُلغى الحاضر لصالح المستقبل، بل يتداخل الجميع في سيرورة دلالية واحدة.

وقد حظيت العربية بتكريمٍ استثنائي حين اختيرت من رب العالمين لغةً للقرآن الكريم، وهو تكريم لا يُقرأ قراءة لغوية محايدة، بل قراءة معرفية عميقة. فالقرآن لم يُنزَل بالعربية لكونها لغة قوم، بل لما تمتلكه من طاقة بيانية، ومرونة دلالية، وقدرة على حمل المعنى المركّب دون اختزاله. بهذا المعنى، لم تُكرَّم العربية فحسب، بل أُنيط بها دور حضاري: أن تكون لغة المعنى، لا لغة النقل الآلي.

ومن هذا المنطلق، كانت العربية في عصور ازدهارها لغة معرفة كونية، كُتبت بها أمهات الكتب، في الفقه، والفلسفة، والطب، والفلك، والرياضيات، والمنطق، ولم تكن آنذاك لغة هوية مغلقة، بل لغة انفتاح، استوعبت الثقافات، وترجمت الآخر، وتُرجِمت للآخر، وأعادت إنتاجه ضمن أفقها الخاص.

غير أن هذا الدور لم يكن في مأمن من التحديات. فقد تعرّضت اللغة العربية لمحاولات متكررة للتهميش أو التفريغ من بعدها المعرفي، تحت شعارات التحديث أو بدعوى مواكبة العصر. وهي محاولات لا تنفصل عن تاريخ أطول من الهيمنة الثقافية، حيث تُستهدف اللغة بوصفها بوابة الوعي، لا بوصفها مجرد أداة تواصل. ومع ذلك، فشلت هذه المحاولات، لأن العربية لغة حيّة، تمتلك قدرة داخلية على التكيّف دون الذوبان، وعلى التجدّد دون فقدان جوهرها.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي والعولمة الرقمية، تدخل اللغة العربية اختبارًا جديدًا، أكثر تعقيدًا وخطورة. فلم تعد اللغة تُقاس بحضورها في الخطاب الثقافي أو التعليمي فحسب، بل بفاعليتها داخل النظم الذكية، وقدرتها على أن تكون لغةً للبيانات، والتحليل الدلالي، وصناعة المعرفة الرقمية. وهنا يتجلّى الخطر الحقيقي: أن تُختزل العربية في واجهات استعمالية سطحية، بينما تُقصى عن البنى العميقة التي تُنتج المعرفة والخوارزميات.

 

ومن منظور الذرائعية، بوصفها نظرية تداولية عربية تربط اللغة بالفعل، والمعنى بالوظيفة، والمعرفة بالأثر، لا يمكن التعامل مع العربية في عصر الذكاء الاصطناعي بوصفها كيانًا رمزيًا محنّطًا، ولا بوصفها لغة ماضٍ مكتمل. فاللغة، ذرائعيًا، تُقاس بقدرتها على الإنجاز، وعلى إنتاج المعنى الفاعل في سياقه. وعليه، فإن السؤال الجوهري ليس: هل العربية صالحة لعصر الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف نُدرج العربية داخل هذا العصر بوصفها لغة تفكير وإنتاج، لا لغة استهلاك رقمي؟

إن الذكاء الاصطناعي، رغم ما يطرحه من مخاطر تتعلّق بإعادة إنتاج التبعية اللغوية، يفتح في الوقت نفسه أفقًا جديدًا للعربية، إذا أُحسن توظيفه. فثراء العربية الصرفي، وقدرتها على الاشتقاق والتوليد، وبنيتها الدلالية العميقة، تجعلها مؤهلة لأن تكون لغة فاعلة في النماذج الذكية، شرط أن تُدرَّس وتُدرَّب وتُبنى بياناتها من داخل منطقها الخاص، لا بوصفها نسخة ناقصة من لغات مهيمنة.

ومن هنا، يصبح الدفاع عن العربية في زمن الذكاء الاصطناعي فعلًا معرفيًا لا شعاريًا؛ دفاعًا يقوم على امتلاك التقنية لا رفضها، وعلى إعادة التفاوض مع العولمة من موقع الوعي، لا من موقع الخوف. فاللغة التي لا تدخل العصر بوظيفتها الكاملة، تتحوّل إلى أثر، مهما كان تاريخها عريقًا.

في اليوم العالمي للغة العربية، نؤكد أن الوفاء الحقيقي لهذه اللغة لا يكون بتقديسها لفظيًا، بل بإعادة تفعيلها بوصفها لغة تفكير، وبحث، وإبداع، قادرة على أن تكون لغة الحاضر والمستقبل، كما كانت لغة الحضارة. فهي لغتنا: هويتنا، وتراثنا، ومسؤوليتنا المعرفية في آنٍ واحد.

 

                 #دعبيرخالديحيي                          مرسين – تركيا                         18 ديسمبر 2025


تعليقات