قسد بعد اتفاق آذار: اختبار الشرعية في زمن سقوط الأقنعة
لم يكن القصف الذي طال، يوم أمس، مناطق مأهولة بالسكان في مدينة حلب حدثًا عسكريًا معزولًا، ولا مجرّد خطأ ميداني في سياق اشتباك مفتوح. فقد جاء في توقيت سياسي بالغ الحساسية، متزامنًا مع اقتراب انتهاء اتفاق آذار الذي شكّل خلال الأشهر الماضية مظلّة تهدئة مؤقتة، أكثر منه حلًا جذريًا أو تسوية سياسية مستدامة.
حين تُقصف الأحياء السكنية، ينتقل الحدث فورًا من خانة "التكتيك" إلى خانة السؤال الأخلاقي والسياسي: أيّ مستقبل يمكن أن يُبنى حين يصبح المدني ورقة ضغط؟ وأيّ شرعية تبقى لقوة تدّعي الحماية بينما تُقوّض أسسها؟
اتفاق آذار: إدارة صراع لا مشروع حل
لم يكن اتفاق آذار سوى هدنة زمنية هدفت إلى تجميد خطوط التماس، ومنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب مواقعها بانتظار متغيرات إقليمية ودولية. لم يؤسّس الاتفاق لمسار سياسي واضح، ولم يقدّم أجوبة عن شكل الدولة، ولا عن مصير السلاح، ولا عن طبيعة الكيانات القائمة على الأرض.
ومع اقتراب انتهاء مدته، تتعرّى حقيقة هذه الصيغة المؤقتة:
فالاتفاقات التي لا تُستكمل برؤية وطنية شاملة، لا تُنهي الصراع، بل تؤجّله إلى لحظة أكثر حدّة.
قسد ومأزق التحوّل
تجد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) نفسها اليوم أمام لحظة مفصلية. فمنذ نشأتها كقوة أمر واقع بدعم خارجي، نجحت في تثبيت حضورها العسكري، لكنها أخفقت في تحويل هذا الحضور إلى مشروع سياسي وطني جامع يحظى بتوافق سوري واسع.
القصف الأخير يعيد طرح السؤال الجوهري:
هل ما زالت قسد تراهن على منطق القوة، أم أنها مستعدة للانتقال إلى منطق السياسة؟
ماذا بعد انتهاء الاتفاق؟
بانتهاء اتفاق آذار، تُفتح ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
_تصعيد محدود محسوب
بغرض تحسين شروط التفاوض أو _إرسال رسائل ضغط، وهو خيار محفوف بالمخاطر في ظل هشاشة الغطاء الدولي.
_محاولة فرض أمر واقع جديد
عبر إعادة الانتشار أو استثمار خطاب “الفراغ الأمني”، وهو رهان يصطدم باتجاه عام نحو إعادة مركزية الدولة.
_الانخراط في مسار وطني شامل
وهو الخيار الأصعب لكنه الوحيد القابل للحياة، ويقتضي التخلي عن منطق الكيانات المسلحة لصالح منطق الدولة.
على ماذا تراهن قسد؟
تتوزع رهانات قسد اليوم بين:
_عامل الوقت
_الدعم الخارجي المتقلّب
_خطاب الحماية والاستقرار
_وفرضية غياب البدائل
غير أنّ هذه الرهانات تتآكل سريعًا عندما يفقد الخطاب الأخلاقي صدقيته، وحين يصبح المدني هو الخاسر الأول.
مع انتهاء اتفاق آذار، لا تدخل سوريا مرحلة فراغ، حسب ما يرى الكثيرون ممن يجهلون الواقع السوري، وإنما تدخل مرحلة كشف حساب سياسي.
فالأقنعة الزمنية تسقط، والرهانات المؤجلة تُستدعى دفعة واحدة.
لم يعد ممكنًا لأي قوة أن تتحدّث باسم الأمن وهي تقوّضه، أو ترفع شعار الحماية بينما تضع المدنيين في مرمى النار. إنّ ما تراهن عليه قسد اليوم _من الوقت، والدعم الخارجي، وخطاب الضرورة_ هو رهان هشّ أمام واقع يتجه، مهما تعثّر، نحو إعادة تعريف السيادة ووحدة القرار. المستقبل السوري لن يُبنى بمنطق المناطق الرمادية، ولا بالاتفاقات المؤقتة، بل بتوافق وطني صريح يضع الإنسان قبل السلاح، والدولة قبل الكيانات، والسياسة قبل القذائف.
وما بعد آذار ليس امتدادًا لما قبله، بل لحظة فاصلة: إمّا انتقال مسؤول إلى مشروع وطني جامع، أو خروج تدريجي من معادلة المستقبل.
ففي السياسة كما في التاريخ، لا تُكافَأ القوة على بقائها، بل على قدرتها على التحوّل وفق مقتضى الحال.
#دعبيرخالديحيي
تعليقات
إرسال تعليق