أخلاق المطر

 


عتبة

ليس المطرُ بريئًا كما يبدو،

ولا قاسيًا كما نتّهمه.

إنه اختبارٌ صامت

لِما تحت أقدامنا،

لِما نحمله من أسقفٍ هشّة

وأرضٍ غير متساوية.

هذه القصيدة

لا تنظر إلى السماء،

بل تُنصتُ إلى أثرها

حين يصل.

إلى الفرق الخفيّ

بين بركةٍ

تتّسع،

ووحلٍ

لا يجدُ مخرجًا.

ما يُكتب هنا

ليس عن المطر،

بل عنّا

حين نُبتلّ

بالهطل ذاته،

ونختلف

في الاحتمال.


أخلاق المطر

في مخيِّلةِ زمنٍ آتٍ

مطر

مطر

مطر


المطرُ

هطلٌ متأرجحٌ

بين الاستقامةِ والانكسار،

ينحدرُ من ارتجافةِ الغيم

إلى قاعِ المعنى.


قانونٌ سائل

يمحو السقف

ويُربك الخرائط.


نمشي تحته

والقلوبُ هاربةٌ

من أقفاصِ التسميات،

تخلعُ الأرواحُ

جلودَها المتراكمة،

وتتقدّمُ

عاريةً

إلا من الرعشة.


مطر

مطر

مطر

نرقصُ في مجراه،

خطوةً

تسحبُ خطوة،

نحو الفطرةِ الأولى؛

حيث الصرخةُ قبل اللغة،

والعينُ قبل الاسم،

والجسدُ

يعرف طريقه

من غير ذاكرة.


لا عازفين،

لا شهود،

الطريقُ وحده

يعدُّ نبضنا.


هناك

تفتحُ الحقولُ

دفاترَ المواسم،

يوقّعُ الطينُ

عقودَ الخصب،

ويصعدُ الأخضر

من صدورٍ

كانت تنتظر

إشارةً

لا غير.


مطر

مطر

مطر

وفي الجهة الأخرى

ينزلُ بلا هوادة،

يقتلعُ الليلَ

من أوتاده،

تغرقُ الخيامُ

في فمِ الطين،

ويفقدُ النومُ

هويّتَه.



على صفيحِ الفقراء

يغدو الصوتُ

سلطةً قاسية،

تُعيدُ قسمةَ الخوف

على البطانيات،

الأجسادُ

تتلاصق

كي لا تتبدّد.



مطر

مطر

مطر

السماءُ واحدة،

والهطلُ واحد،

غير أنّ الأرض

تقرأُ المطر

بألسنةٍ متباينة.


هنا

نعمةٌ

تتعلّم النموّ،

وهناك

كارثةٌ

تعتزمُ البقاء.


الآن

لا غدًا

يميدُ بنا الوقت،

تُغلَقُ غاباتُ الربيع

في الوجوه،

نغرزُ في حوارنا

صمتًا

لا يقبلُ الإصلاح،

كلماتٍ

خارجَ دورةِ التدوير.


فابقَ هناك

خلفَ سياجِ الضوء،

ولوّحْ

من مسافةٍ

لا تجرحُ النجاة،

وسأبقى هنا

أمشي تحت المطر

وأرسمك

أثرًا

لا يشيخ

ولا يهرم.


مطر

مطر

مطر


يمرّ…

ولا يَعِد.

تعليقات