من الخوف إلى التفويض: قراءة ذرائعية في أمومة السلام في النص المفتوح / نجا هلّي فماذا عنكِ؟/ للشاعرة السورية عائشة بريكات بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

 

 

نجا هلّي فماذا عنكِ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فيروزُ يا أيقونةً علمتْنا أنَّ الصباحَ لا يأتي إلا إذا مرَّ خفيفاً بحنجرتِكِ

يا منْ غنّيتِ للثلجِ

فصارَ أقلَّ برودةً وللحبِّ فصارَ أكثرَ احتمالاً للحدوثِ.

 

لكنّي اليومَ لا آتيكِ كمستمعةٍ

ولا كجمهورٍ

آتيكِ من جهةٍ أخرى

من المكانِ الذي تعرفُهُ الأمهاتُ وحدهنّ

حين يسقطُ اللحنُ و تنهضُ الأمومةُ

 

يا فيروزُ

قولي لي:

هل ترتاحُ الغريزةُ حين تضعُ الأمُّ أثقلَ أبنائِها في يدِ الله؟

أمْ أنّها فقط تغيّرُ موضعَ القلقِ

من سريرٍ إلى سماءٍ؟

 

هل اطمأنَّ ظهرُكِ

وقد أسندتِهِ أخيراً

بعد عمرٍ وأنتِ تحرسين نومَهُ

وتحسبين أعوامَكِ

بمقدارِ ما احتملَ جسدُهُ الصغيرُ من هذا العالمِ

 

قولي

حين نبتَتْ له أجنحةٌ وصار ملاكاً يلعبُ في حدائقِ العرشِ

هل شعرتِ أنّه أخيراً أصبحَ مفهوماً

أم أنَّ هناكَ لا حاجةَ للشرحِ؟

 

يا فيروزُ

يا امرأةً خبّأتِ ابنَها

في خاصرةِ الدُّعاءِ

كأنَّهُ وديعةٌ في زمنٍ لا يُؤتمَنُ.

 

هل نمتِ الآنَ يا صابرةُ؟

وأنتِ تَرَينَهُ يرفلُ بالجنةِ

بلا أدويةٍ و لا وجعٍ

يتحدّثُ ويُغني وربما يكونُ قد وَرِثَ منك عذوبةَ صوتِكِ

بلا خوفٍ من يدٍ قاسيةٍ تنهرُهُ بعدَكِ

ولا ارتجافةِ قلبِكِ كلّما تأخرتِ عن سماعِ أنفاسِهِ الضعيفةِ

 

قولي لي

هل يغفرُ اللهُ للأمِّ

حين تسألُ:

مَنْ سيُحبُّه بعدي كأنا؟

مَنْ سيحمي ضعفَهُ؟

أم أنّ اللهَ

حين يأخذُ أبناءَنا المختلفين

إنَّما يُجيبُ عن سؤالِنا قبلَ أن ننطقَهُ

ويقول:ُ

اطمئنّي

الآنَ… لن يُساءَ إليهِ أبداً

 

اليومَ

حينَ صارَ ابنُكِ في جهةِ الرَّبِّ

أأباركُ لكِ نجاتَهُ؟

أم أُعزّيكِ في روحٍ

كُتِبَ لشوقِها ألّا يُشفى بعدَ الآنَ.

 

قولي يا صامتةُ

حين مرَّ بهِ الموتُ

هل كان خفيفاً

كأنَّما يهمسُ لكِ:

(سلامٌ عليكِ بما صبرْتِ

قد أخذناهُ كي لا يكسرَهُ أحدٌ)

أم تركَ في صدرِكِ

فراغاً يُشبهُ الكهفَ

بعد خروجِ نبيٍّ خائفٍ؟

 

قولي

هل ارتاحَ قلبُكِ الليلةَ

حين صارَ ابنُكِ

في كنفٍ مَنْ لا يحتاجُ لوصايةٍ

ولا شرحٍ

ولا حراسةٍ؟

 

أم أنَّك حين تنظرينَ حولَكِ

ولا تجدين مَنْ تخافين عليهِ

تخافين من نفسِكِ لا عليها؟

 

يا فيروزُ

قولي

هل شعرتِ أنّه

عادَ إلى المكانِ

الذي لا يحتاجُ أن يكونَ طبيعيّاً

ليكونَ محبوباً؟

قولي

هل حينَ أُغلقتِ عينيهِ

انفتحَ لكِ بابٌ آخرُ

أقلُّ قسوةً

وأشدُّ وحدةً؟

 

نحنُ

أمهاتُ الذين يُشبهون الملائكةَ

في هشاشتِهم

حين صارَ ابنُكِ في جهةِ النُّورِ

أسألُكِ:

هل ارتاحَتِ الأمومةُ

أم فقدتْ معناها؟

 

يا فيروزُ

لم يسبقْكِ ابنُكِ إلى الموتِ

سبقَكِ إلى السَّلامِ

وتركَ لكِ الحياةَ

امتحاناً أخيراً للشَّوقِ

بلا دورٍ

وبلا شفاعةٍ

رحلَ هلّي يا فيروزتَنا

فارتاحَ من العالمِ

وبقيتِ أنتِ

تتعلّمين العيشَ

دونَ أن يكونَ الخوفُ

ابنَكِ الثاني.

العائشة أم الملاك

عائشة بريكات

      لا يقترب هذا النص من الموت بوصفه نهاية، ولا من الأمومة بوصفها تضحية مكتملة المعنى، بل يقف في المنطقة الأخطر بينهما: المنطقة التي تفقد فيها الأم وظيفتها دون أن تفقد حبها.

كما لا يدخل من باب الرثاء، ولا يقيم عند تخوم العزاء، بل يختار منطقة أشدّ هشاشة: ما بعد الخوف، حيث تُنزَع من الأمّ مهمتها الأشدّ قسوة… الحراسة.

في هذا النص تكتب عائشة بريكات من حافة السؤال، لا تطلب جوابًا، وإنما تمنح السؤال شرعيته الأخلاقية والإنسانية. فالأم هنا لا تُختَبَر في صبرها فقط، بل في قدرتها على إعادة تعريف الأمومة حين يُنزَع منها الخوف فجأة، ويُسلَّم الابن إلى جهةٍ لا تحتاج إلى وصاية.

تنطلق هذه القراءة الذرائعية من تتبّع البؤرة الفكرية التي تشكّل النص، حيث تتحوّل النجاة إلى امتحان، والسلام إلى قلقٍ مؤجَّل، وتغدو الأسئلة فعلًا وجوديًا لا يقل قداسة عن التسليم. ومن خلال مستوياته النفسية والتداولية والجمالية، يكشف النص عن خطاب أمومي عميق، يتجاوز الرثاء والعزاء، ليؤسّس لكتابة تُنقذ الألم من الصمت، دون أن تدّعي شفاؤه.

الخطاب موجَّه ظاهريًا إلى فيروز، لكنه في عمقه موجَّه إلى كل أمّ عرفت معنى إنجاب المختلف، وحملت هشاشته كقدر، ثم وجدت نفسها فجأة أمام سؤال لم تتدرّب عليه:

ماذا أفعل حين يصبح ابني في أمانٍ لا أستطيع الوصول إليه؟

 

·      البؤرة الفكرية: حين تصبح النجاة امتحانًا

تتشكّل البؤرة الفكرية للنص حول مفارقة صادمة:

الابن نجا… فماذا عن الأم؟

النجاة هنا لا تُقرأ بوصفها خلاصًا نهائيًا، وإنما بوصفها نقلًا للعبء؛ عبء الخوف لا يزول، بل يغيّر موضعه:

من الجسد إلى السماء، ومن السرير إلى الغيب.

"هل ترتاحُ الغريزةُ حين تضعُ الأمُّ أثقلَ أبنائِها في يدِ الله؟

أمْ أنّها فقط تغيّرُ موضعَ القلقِ من سريرٍ إلى سماءٍ؟"

الأمومة في هذا النص لا تُختَبَر في لحظة الفقد، بل في لحظة التسليم. فحين يوضع الابن "في يد الله"، لا تُغلق دائرة القلق، بل تتبدّل هندستها، لتصبح الأمومة وعيًا موجعًا بأن الحب لا يُلغى حين تزول الحاجة، لكنه يفقد شكله القديم.

 

·      الخلفية الأخلاقية: شرعية السؤال

يؤسس النص أخلاقيته على تطهير السؤال من الذنب.

الأم لا تُدان حين تسأل:

"من سيحبّه بعدي أنا؟ من سيحمي ضعفه؟"

بل تُمنَح حقّ السؤال بوصفه امتدادًا للأمومة، لا خيانة لها.

الذرائعية الأخلاقية هنا لا تهدف إلى تهدئة الأم، بل إلى مرافقتها في قلقها دون إسكات، وكأن النص يقول بوضوح إن الإيمان ليس نقيض السؤال، بل نقيض القسوة.

"اطمئنّي الآنَ… لن يُساءَ إليهِ أبداً"

 

·      المستوى النفسي: أمومة الهشاشة بين الخوف المزمن وقلق الفراغ

ينبني المستوى النفسي في هذا النص على حدث واقعي شديد الخصوصية: وفاة ( هلّي) ابن فيروز، وهو من ذوي الهمم. لا يحضر هذا الحدث بوصفه مادة خبرية أو سيرة شخصية، بل يتحوّل إلى محفّز نفسي عميق فجّر طبقات كامنة من الوعي الأمومي، وفتح باب الكتابة أمام تجربة مشتركة بين الشاعرة والمخاطَبة.

فالشاعرة، بوصفها أمًّا لابن من ذوي الهمم أيضًا، لا تقف خارج التجربة، ولا تكتب من موقع التعاطف، بل من موقع التماهي الوجودي. ومن هنا تتشكّل البنية النفسية للنص على أساس مزدوج:

أمٍّ فقدت ابنها وانتقل من الحماية القسرية إلى السلام المطلق،

وأمٍّ ما تزال تعيش داخل دائرة الخوف، وتراقب المستقبل بعينٍ مرتجفة.

في أمومة ذوي الهمم، لا يكون الخوف طارئًا، بل حالة نفسية دائمة: خوف من المرض، من الإهمال، من القسوة الاجتماعية، ومن العالم بعد رحيل الأم. لذلك، حين يسأل النص:

"هل ترتاح الغريزة حين تضع الأم أثقل أبنائها في يد الله؟"

فهو لا يسأل عن الموت، بل عن نهاية الخوف المزمن. وهنا تكمن المفارقة القاسية: الموت، الذي يُفترض أن يكون ذروة الألم، يتحوّل في وعي الأم إلى إيقاف قسري لآلة القلق التي لم تهدأ يومًا.

يرصد النص انتقالًا نفسيًا بالغ الدقة:

قبل الوفاة: قلق الحراسة

بعد الوفاة: قلق الفراغ

"حين لا تجدين من تخافين عليه

تخافين من نفسك لا عليها"

فالأم لا تفقد الابن فقط، بل تفقد الدور الذي نظّم حياتها النفسية. الخوف كان وظيفة، ومع زواله يتشكّل فراغ يشبه الانهيار الصامت.

ويحضر في عمق هذا المستوى ما يمكن تسميته الذنب المؤجَّل:

هل يحقّ للأم أن تشعر بالراحة لأن ابنها لن يُساء إليه بعد الآن؟

هل يُغفر لها هذا الشعور؟

هنا لا يُقدَّم الله بوصفه تعزية لاهوتية، بل بوصفه بديلًا عن الأم، وضامنًا لحماية لم يعد العالم قادرًا عليها. فالخوف الأكبر في تجربة أمومة الهشاشة ليس الموت، وإنما العالم نفسه.

 

·      المستوى التداولي: المخاطَب بوصفه مرآة

فيروز في النص ليست مطربة ولا أيقونة فنية، بل أمٌّ مُتخيَّلة تُستعار كي يُقال ما لا يُحتمل قوله مباشرة.

الخطاب الموجَّه إليها هو خطاب التفاف ذكي، تُخاطَب فيه أمٌّ بعينها، ليُقال باسمها ما يخصّ جماعة كاملة:

أمهات الذين يشبهون الملائكة في هشاشتهم.

النص لا ينتظر جوابًا من المخاطَبة، هو يبحث عن شاهد أمومي قادر على تحمّل هذا الاعتراف.

"لكنّي اليومَ لا آتيكِ كمستمعةٍ ولا كجمهورٍ

آتيكِ من جهةٍ أخرى..من المكانِ الذي تعرفُهُ الأمهاتُ وحدهنّ حين يسقطُ اللحنُ و تنهضُ الأمومةُ"

 

 

·      المستوى اللغوي والجمالي: لغة بلا زينة

اللغة هنا لا تتأنّق، بل تتعرّى بكرامة.

الأسئلة المتلاحقة ليست حشوًا بل إيقاعًا داخليًا، يشبه لهاث الأم وهي تحاول فهم ما لا يُفهم.

الاستعارة تؤدي وظيفة نفسية واضحة:

خاصرة الدعاء

نقل القلق من سرير إلى سماء

الخوف ابنك الثاني

إنها صور تقول الألم دون ابتذاله، وتُبقي النص في منطقة الصدق لا البلاغة الفائضة.

 

·      المستوى الديناميكي: حركة داخل السكون

رغم غياب الحدث الخارجي، يتحرّك النص بقوة على مستوى الداخل:

من السؤال إلى التسليم، ومن الاحتجاج الصامت إلى القبول غير المكتمل.

النص لا يبلغ طمأنينة نهائية، لأنه يدرك أن الطمأنينة الكاملة خيانة لتجربة الأمومة.

 

لا ينتهي هذا النص عند السلام، بل عند تعلّم العيش دونه كغاية.

الابن لم يسبق الأم إلى الموت، بل إلى جهةٍ لا يُساء فيها إلى الهشّين.

أما الأم، فبقيت في العالم، تتدرّب على شكل جديد من الحياة:

بلا دور أمومي، وبلا وظيفة حراسة، وبلا خوفٍ مُلزِم.

إن هذا النصّ المفتوح هو نص أمومي نادر، لا يكتب عن الفقد، بل عن إعادة تعريف الأمومة بعد أن تفقد وظيفتها دون أن تفقد معناها.

نصّ لا يعزّي، وإنما يضع اليد على الجرح، ويقول بهدوء جارح:

النجاة ليست دائمًا نهاية الألم، لكنها أحيانًا… بدايته الأصدق.

 

                       #دعبيرخالديحيي                    مرسين – تركيا                      10 يناير 2026

تعليقات