الشبابيك بوصفها وعيًا مؤجّلًا: قراءة ذرائعية في رواية «من خلف شبابيك طرطوس» للكاتبة السورية فيحاء نابلسي بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي
مقدمة:
«نطلّ
من الشبابيك لنرى العالم… ولا ندرك أننا نؤجّل رؤيته.»
د. عبير خالد يحيي
ليست هذه العبارة مدخلًا بلاغيًا فحسب، بل
مفتاحًا تأويليًا يختزل البنية الإدراكية التي تقوم عليها رواية «من خلف شبابيك
طرطوس » للكاتبة فيحاء نابلسي، حيث لا تتجلى الأزمة في الحدث ذاته، بل في كيفية
تمثّله داخل الوعي، وفي المسافة الفاصلة بين ما يُرى وما يُدرك. فالرواية لا تقدّم
الواقع بوصفه معطى جاهزًا، بل تكشف انزياحه داخل الذات، وتؤسّس لعلاقة ملتبسة بين
الرؤية والمعرفة، حيث يغدو النظر فعلًا ناقصًا، ويتحوّل الإدراك إلى حالة مؤجّلة.
ضمن هذا الأفق، لا تعود «الشبابيك» عنصرًا
مكانيًا محايدًا، بل تتحوّل إلى وسيط إدراكي يعيد تشكيل العالم عبر تأطيره، فلا
يُرى إلا من خلاله، ولا يُفهم إلا بحدوده. إنها المسافة التي تفصل الداخل عن
الخارج، لكنها في الوقت ذاته المسافة التي تفصل الوعي عن اكتماله، حيث تعيش
الشخصيات داخل الحدث، دون أن تمتلك القدرة على إدراكه في لحظته، لتتشكّل المعرفة
لاحقًا، بوصفها أثرًا نفسيًا وليس وعيًا آنيًّا.
ومن هنا، تكتسب هذه الدراسة مشروعيتها من سعيها
إلى تفكيك هذه البنية الإدراكية، عبر مقاربة ذرائعية تنظر إلى النص بوصفه فعلًا
تداوليًّا يتجاوز تمثيل الواقع إلى إعادة إنتاجه داخل الوعي (الغـالبي، 2017،
يحيي، 2019). فلا تنطلق القراءة من سؤال الحدث، بل من سؤال الإدراك: كيف يُبنى
الوعي داخل النص؟ وكيف تتشكّل دلالاته عبر الحجب، والتأجيل، والانزياح؟
وبالاستناد إلى هذا التصوّر، تسعى الدراسة إلى
تتبّع مستويات النص المتعدّدة، بدءًا من البؤرة الفكرية والخلفية الأخلاقية،
مرورًا بالبنية البصرية واللغوية والديناميكية، وصولًا إلى المستوى النفسي والإيحائي،
مع التركيز على التجربة الإبداعية بوصفها فعلًا يعيد تشكيل الواقع لا يعكسه؛ إذ لا
تكمن أهمية الرواية في ما تقوله، بل في الطريقة التي تجعلنا نرى— أو نؤجّل رؤيتنا—
من خلالها.
البؤرة الفكرية:
في
رواية «من خلف شبابيك طرطوس» لـ فيحاء نابلسي لا يتقدّم الحدث السياسي بوصفه مركز
السرد، بل تتقدّم إشكالية الرؤية: كيف عاش الناس داخل المشهد السوري سنواتٍ طويلة
وهم يرون كل شيء دون أن يرَوا حقًا؟ منذ العتبة الأولى، تُعلن الكاتبة أن طرطوس
«لم تُقصف ولم تُنهب»، لكنها في الوقت ذاته تكشف أن ما كان يحدث خلف الشبابيك ظلّ
محجوبًا عن الوعي الجمعي، لتتحوّل المدينة الآمنة ظاهريًا إلى فضاء مُعتم
إدراكيًا. حيث عملت الكاتبة على تحويل الإدراك إلى عملية مؤجّلة تتكشف داخل
التجربة الشعورية للشخصيات ( نابلسي، 2026). تقول: « لم تُقصف طرطوس بالبراميل… لكن كثيرون
لم يعرفوا ما كان يدور خلف الشبابيك المغلقة». وتظهر هذه البنية بوضوح في الإشارة
إلى أن المدينة التي بدت آمنة ظاهريًّا كانت تخفي خلف واجهتها واقعًا مغايرًا. هكذا تتحدد البؤرة الفكرية: ليست سؤال ما جرى في البلاد، بل سؤال لماذا لم نرَ ما كان يجري ونحن داخله.
الخلفية الأخلاقية:
ولا
تنفصل هذه البؤرة عن الخلفية الأخلاقية التي يكشفها النص عبر التناقض بين الخطاب
والسلوك، حيث يتجلّى التعاطف بوصفه شعورًا عابرًا غير قادر على إنتاج فعل حقيقي،
وهو ما ينسجم مع الرؤية الذرائعية التي تقرأ النص بوصفه ممارسة تداولية تتجاوز
بنيته الجمالية إلى وظيفته في كشف السلوك الإنساني ( الغالبي، 2017، يحيي، 2019). يتعمّق هذا المنظور حين تنتقل الرواية من توصيف
المشهد العام إلى مساءلة الضمير اليومي. الخلفية الأخلاقية لا تُطرح خطابيًا، بل
تتسرّب عبر تفاصيل معيشية صغيرة تكشف التناقض بين التعاطف اللفظي والرفاه الفعلي.
يظهر ذلك بجلاء في قولها: «التعاطف مع اللاجئين… غصّة تصاحب كل لقمة… دون أن يغير
ذلك التعاطف شيئًا من نمط حياتنا».
الأخلاق هنا ليست مواعظ، بل امتحانًا يوميًا فشلت فيه الشخصيات دون اعتراف صريح، فتغدو السلوكيات اليومية أدلة إدانة أبلغ من أي تصريح.
أما على المستوى
البصري:
فتتأسّس الرؤية السردية على تموضع دائم خلف
وسيط إدراكي ( النافذة/ الشرفة)، بحيث لا يُرى العالم مباشرة بل عبر حواجز شفافة،
وهو ما ينسجم مع ما طرحه جينيت حول تأطير السردية ( 1980، Genette).
لذلك نجد أن الرواية تُبنى على مفردات ثابتة: النافذة، الشرفة،
الجدار، الصور، الشبابيك. الشخصية لا تواجه العالم مباشرة، بل تراه عبر حواجز
شفافة. « من خلف النافذة تلمح رجلًا يطلي الجدار ليُخفي عبارة ارحل»، و« على الجدار المقابل لباب الشرفة تتراصّ الصور ويتدفّق منها شلال
من الذكريات». الرؤية دائمًا مُؤطَّرة، والبصر مُعاق، ما ينسجم عميقًا مع دلالة العنوان: الشبابيك ليست مكانًا، وإنما
طريقة تعزّز فكرة الرؤية الناقصة
أو المؤجلة.
العتبة العنوانية (قراءة في العنوان كعتبة
دلالية بصرية):
لا
يقدّم عنوان رواية «من خلف شبابيك طرطوس» نفسه بوصفه تسمية مكانية أو توصيفًا
مشهديًا، بل بوصفه بنية دلالية مركبة تؤسّس منذ البدء لعلاقة ملتبسة بين الرؤية
والواقع. فالجملة تشتغل على ثلاثة محاور متداخلة: الموقع (من خلف)، الوسيط
(الشبابيك)، والمجال (طرطوس)، لتنتج فضاءً إدراكيًا لا يُرى فيه العالم مباشرة، بل
عبر حجاب.
إن عبارة «من خلف» لا تشير فقط إلى تموضع مكاني،
بل إلى مسافة إدراكية تفصل الذات عن موضوعها، حيث تصبح الرؤية مشروطة بزاوية نظر
محدودة، لا تتيح الإحاطة الكاملة بما يحدث. أما «الشبابيك» فليست عناصر معمارية
محايدة، بل تتحول إلى وسائط إدراكية تؤطر العالم وتعيد تشكيله، فهي تفتح على
الخارج بقدر ما تحجبه، وتمنح إمكانية الرؤية بقدر ما تفرض حدودها.
وفي هذا السياق، تغدو «طرطوس» في العنوان مجالًا
دلاليًا يُعاد إنتاجه عبر هذه الوساطة، بحيث لا يُقدَّم كحقيقة مباشرة، بل كصورة
مُشاهدة من خلف حاجز، وليست مجرد مكان جغرافي. ومن هنا، يتشكّل العنوان بوصفه إعلانًا مبكرًا
عن طبيعة السرد، الذي لا ينقل الواقع كما هو، بل يعرضه من خلال رؤية جزئية،
مشروطة، ومؤجلة.
وبذلك، يختزن العنوان في بنيته الإيجازية فكرة
مركزية ستتوسع داخل النص، مفادها أن ما يُرى ليس هو ما يُدرك بالضرورة، وأن الوعي
لا يتشكّل في لحظة النظر، بل في المسافة التي تفصل بين الرؤية وفهمها. ومن هذا
المنطلق، يمكن قراءة العنوان بوصفه عتبة تؤسس لمفهوم «الوعي المؤجل»، الذي سيغدو
المحور العميق الذي تنتظم حوله تجربة الرواية.
على المستوى
اللغوي:
لغويًا، يتقدّم السرد
بنبرة شعرية هادئة تتكثّف في عبارات خاطفة تكشف عمق التجربة الشعورية: «لمزيج
الرعب والأمل مذاق غريب»، حيث تتحوّل التجربة إلى
طعم يُتذوّق، و«البطنة التي تذهب الفطنة وتخمد ألسنة اللهب في عقلي». اللغة لا تكتفي بالوصف، وإنما
تتعداه إلى تُذوّق الواقع وتحوّله إلى إحساس حسيّ مباشر، فتغدو الجملة مساحة تذوّق نفسي وليس
تقريرًا سرديًا. وهذا ما يمنح
النص بعدًا جماليًّا يتكامل مع وظيفته النفسية.
على المستوى الديناميكي:
ديناميكيًا، لا تعتمد
الحركة السردية على الأحداث الكبرى، بل على تفاصيل يومية: الخشاف، القهوة،
النرجيلة، التراويح، الفيسبوك. هذه التفاصيل لا تبقى عادية؛ تتحول إلى حوامل
للكارثة، كما في مشهد «مائدة رمضان… الفتوش… الشوربة… ثم الشكوى من كثرة الوقوف في
المطبخ». المفارقة بين عادية الطقس اليومي
وفداحة التاريخ في الخارج، تصنع إيقاع الرواية الداخلي. وهذا ما يعكس
قدرة النص على إنتاج الدلالة من الداخل اليومي وليس من خارجه.
على المستوى النفسي:
تتشكّل الشخصية
الرئيسة من ثلاث طبقات نفسية متداخلة: وحدة مع الأم، عزلة رقمية عبر الفيسبوك،
وعلاقة افتراضية مع أحمد حميد، وتقرّ: «لم أكن أفكر في عدد التعليقات… بقدر ما كنت أترقّب تعليق أحمد
حميد». تنكشف الشخصية بوصفها ذاتًا مأزومة
تعيد تشكيل واقعها عبر بدائل رمزية، حيث تصبح القصة القصيرة جدًا نافذة لتفريغ
المشاعر. تقول: «القصّة القصيرة جدًا كانت النافذة الوحيدة التي تتدفّق منها
مشاعري»
الكتابة المقتضبة والعلاقة الرقمية الهشة تتحوّلان إلى تعويض نفسي عن فراغ وجودي عميق، فتغدو «النافذة» مرة أخرى استعارة مركزية للنجاة. كما يتحوّل
الترقب العاطفي إلى محور داخلي يعيد تنظيم التجربة الشعورية، ويتقاطع ذلك مع رؤية
ريكور للسرد بوصفه إعادة تشكيل للتجربة الزمنية ( (Ricoeur, 1984
على المستوى
الإيحائي :
إيحائيًا،
يتكرّس حضور الخوف بوصفه حالة وجودية ومتوارثة: «الخوف كان رفيقنا من أول العمر…
لا ظهر لي، لا ركن، لا سند». الخوف ليس حدثًا عابرًا، بل بنية نفسية ممتدة، ما يجعل الرواية شهادة نفسية بقدر ما هي شهادة زمن.
التجربة الإبداعية:
ومن
خلال هذه البنية المتشابكة، تتجلّى التجربة الإبداعية للكاتبة في تحويل اليومي إلى
رمزي، والتفصيل إلى دلالة، والشرفة إلى مرآة وطن، والفيسبوك إلى مساحة اعتراف،
والطعام إلى مخدّر نفسي، والنافذة إلى مفهوم رؤيوي. هكذا يتضح أن عنوان الرواية لا
يحيل إلى مكان، بل إلى زاوية نظر؛ ومن خلف هذه الزاوية تتكشف حقيقة موجعة: الكارثة
لم تكن فقط في ما حدث في سوريا، بل في كيفية عيش السوريين للكارثة دون وعي كامل
بها.
في الختام:
تكشف
هذه القراءة أن رواية «من خلف شبابيك طرطوس» لا تُبنى على الحدث بوصفه محورًا
سرديًا، بل على المسافة الفاصلة بين الحدث وإدراكه، وهي المسافة التي تتكثف في رمز
«الشبابيك» بوصفها وسيطًا إدراكيًا يعيد تشكيل العلاقة بين الذات والعالم. فالنص
لا يقدّم واقعًا جاهزًا، بل يعرّي آليات تمثّله داخل الوعي، حيث يتحول النظر إلى
فعل ملتبس، والرؤية إلى حالة مؤجلة، واليقين إلى احتمال هشّ يتشكّل تحت ضغط الخوف
والاعتياد.
وعلى مستوى البؤرة الفكرية، تبيّن أن الرواية
تُعيد طرح سؤال الوعي بوصفه عملية متأخرة تتشكل عبر التراكم والانكشاف التدريجي. وليس
بوصفه معرفة آنية. أما الخلفية الأخلاقية، فقد تجلّت في كشف التناقض الصامت بين
التعاطف والسلوك، حيث تُدان الشخصيات عبر تفاصيلها اليومية أكثر مما تُدان عبر
مواقفها المعلنة. وفي المستوى البصري، اتضح أن البنية المشهدية للنص تقوم على رؤية
مؤطَّرة، تجعل العالم دائمًا خلف حاجز، بما يعزّز دلالة الحجب والتأجيل.
أما لغويًا، فقد أسهمت اللغة الشعرية المكثفة في
نقل التجربة من مستوى الوصف إلى مستوى التذوّق، في حين حافظت الديناميكية السردية
على توترها من خلال المفارقة بين عادية اليومي وثقل التاريخ. وعلى المستوى النفسي،
كشفت الرواية عن ذات مأزومة تعيد تشكيل واقعها عبر الكتابة والعلاقات الافتراضية،
بينما رسّخ البعد الإيحائي حضور الخوف بوصفه بنية وجودية ممتدة، لا مجرد حالة
طارئة.
وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن القيمة
الذرائعية للنص تكمن في قدرته على تحويل التجربة الفردية إلى نموذج إدراكي قابل
للتعميم، حيث لا يعود النص مجرّد حكاية عن مكان محدّد، بل يصبح مساءلة مفتوحة
لطبيعة الوعي الإنساني في لحظات الاختبار القصوى. فالشبابيك في النهاية ليست
حدودًا مادية، بل هي حدود الوعي ذاته، وكل ما يحدث خلفها ليس غائبًا، وإنما مؤجّل
الإدراك.
وبهذا، تنجح الرواية في الانتقال من تمثيل
الواقع إلى تفكيكه، ومن نقله إلى مساءلته، لتضع القارئ أمام حقيقة إشكالية مفادها
أن أخطر ما في الكارثة ليس وقوعها، وإنما إمكانية العيش داخلها دون وعي كامل بها.
#دعبيرخالديحيي مرسين- تركيا 20/ 2/ 2026
المراجع
1.
نابلسي، فيحاء.
(2026). من خلف شبابيك طرطوس. دمشق: دار العراب.
2.
الغـالبي، عبد
الرزاق عودة. (2017). الذرائعية في التطبيق (آلية نقدية عربية). القاهرة: دار شعلة
الإبداع.
3.
الغـالبي، عبد
الرزاق عودة. (2019). الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي. طنطا: دار النابغة.
4.
الغـالبي، عبد
الرزاق عودة. (2021). الذرائعية والعقل. منشورات اتحاد الكتاب العراقيين.
5.
يحيي، عبير
خالد. (2022). الأدب النسوي العربي المعاصر بمنظور ذرائعي. القاهرة: دار المفكر
العربي.
6.
Genette, G.
(1980). Narrative discourse. Cornell University Press.
7.
Bakhtin, M.
(1981). The dialogic imagination. University of Texas Press.
8.
Todorov, T.
(1977). The poetics of prose. Cornell University Press.
9.
Freud, S.
(1930). Civilization and its discontents.
10.
Ricoeur, P.
(1984). Time and narrative. University of Chicago Press.
11.
تعليقات
إرسال تعليق