الغرائبية الحِجاجية في سورة الكهف : مقاربة ذرائعية تداولية في البنية والوظيفة والتأثير
الملخص
تتناول هذه الدراسة
سورة الكهف بوصفها خطابًا يقوم على الغرائبية الحِجاجية، حيث يُوظَّف العجيب ضمن
استراتيجية تداولية لإعادة تشكيل الإدراك في سياق مكي جدلي. تنطلق الدراسة من
المنهج الذرائعي، مع الإفادة من تحليل الحِجاج والبنية السردية، للكشف عن تكامل
الغرائبية والتكرار البنيوي والمستوى البلاغي في إنتاج الأثر الإقناعي.
وتُظهر النتائج أن تعليق الزمن، وانقلاب
المعرفة، وتحول القيم، واتساع الجغرافيا ليست عناصر سردية معزولة، بل مكونات في
نسق حِجاجي متدرج يحوّل الصدمة إلى وعيٍ منظم.
وتخلص الدراسة إلى أن السورة تمثل نموذجًا
للخطاب القرآني العلاجي الذي يعيد بناء الإدراك عبر الدهشة المنظمة.
الكلمات المفتاحية: سورة الكهف، الغرائبية،
الحِجاج، الذرائعية، التكرار البنيوي، الخطاب العلاجي.
Abstract
This study
examines Surat al-Kahf as a discourse structured around argumentative
fantasticality, where extraordinary elements function as pragmatic strategies
within a Makkan polemical context. Adopting the Dhara’i (functional-pragmatic)
approach, the analysis highlights the integration of fantastical motifs,
structural repetition, and rhetorical techniques in producing persuasive impact.
The findings
demonstrate that temporal suspension, epistemic reversal, existential inversion,
and spatial expansion operate not as isolated narrative devices but as
components of a progressive argumentative system that transforms narrative
shock into structured awareness.
The study
concludes that Surat al-Kahf exemplifies a therapeutic Qur’anic discourse in
which organized astonishment reconstructs perception and reinforces cognitive
discipline.
Keywords: Surat
al-Kahf, fantasticality, argumentation, Dhara’i approach, structural
repetition, therapeutic discourse.
إشكالية البحث
تنطلق هذه الدراسة من
ملاحظة أن سورة الكهف تُقرأ غالبًا بوصفها تجميعًا لقصص متفرقة ذات طابع عجائبي،
دون الالتفات الكافي إلى البنية الحِجاجية التي تنظّم هذا العجيب وتمنحه وظيفة
تداولية مقصودة. فهل الغرائبية في السورة مجرد عنصر سردي جمالي؟ أم أنها
استراتيجية خطابية تُسهم في إعادة تشكيل إدراك المتلقي ضمن سياق جدلي تاريخي؟
وتتحدد الإشكالية في السؤال المركزي الآتي:
كيف تتكامل الغرائبية مع التكرار البنيوي
والمستوى البلاغي في سورة الكهف لتشكيل خطاب حِجاجي ذي وظيفة علاجية تداولية؟
أسئلة البحث
ينبثق عن الإشكالية
الرئيسة الأسئلة الآتية:
ما طبيعة الغرائبية في سورة الكهف؟ وهل هي
غرائبية زمنية أم معرفية أم قيمية أم جغرافية؟
كيف يُسهم التكرار البنيوي في تنظيم هذه
الغرائبية وتحويلها من صدمة سردية إلى وعيٍ مستقر؟
ما دور المستوى البلاغي (الاستعارة، الالتفات،
الإيجاز، الإيقاع) في تكثيف الأثر الحِجاجي؟
كيف يتجلى البعد التداولي في السورة من خلال
الصيغ الجدلية مثل: ﴿أم حسبت﴾ و﴿ويسألونك﴾؟
هل يمكن اعتبار سورة الكهف نموذجًا للخطاب
العلاجي الذي يعالج اضطراب الإدراك عبر الدهشة المنظمة؟
أهداف البحث
يسعى هذا البحث إلى
تحقيق الأهداف الآتية:
الكشف عن البنية الحِجاجية المنظمة للغرائبية في
سورة الكهف، بيان وظيفة التكرار البنيوي في تثبيت المعنى وتدرّج الإقناع، تحليل
المستوى البلاغي بوصفه عنصرًا فاعلًا في إنتاج الأثر التداولي، إبراز التكامل بين
المنهج الذرائعي وتحليل الخطاب القرآني، تأصيل قراءة عربية معاصرة للغرائبية
القرآنية بعيدًا عن الإسقاطات الغربية الحرفية.
منهجية البحث
تعتمد الدراسة المنهج
الذرائعي بوصفه إطارًا نظريًا يربط بين البنية النصية والوظيفة التأثيرية، فالغرض
من تحليل الغرائبية ليس وصف الظاهرة، بل الكشف عن وظيفتها التأثيرية في إعادة بناء
وعي المتلقي، وهو ما ينسجم مع الرؤية الذرائعية التي تربط البنية بالغاية
(الغالبـي، 2019). وتنفتح في الوقت نفسه على أدوات تحليل الخطاب والتداولية ونظرية
أفعال الكلام (Austin, 1962;
Searle, 1969)، ومفهوم الغرائبية السردية (Todorov, 1970)، دون إخضاع النص لإسقاط مفاهيمي قسري.
وتقوم المنهجية على الخطوات الآتية:
التحليل البنيوي: دراسة تنظيم القصص الأربع ضمن
محور الفتنة.
التحليل الحِجاجي: رصد الصيغ الجدلية وآليات
الإقناع.
التحليل البلاغي التفصيلي: دراسة الاستعارة،
الالتفات، الإيقاع، الحذف.
التحليل التداولي: الكشف عن الأثر المقصود في
المتلقي.
القراءة السياقية: ربط الخطاب بسياق النزول
والرهان الجدلي في المرحلة المكية.
وبذلك تتأسس الدراسة على رؤية تكاملية ترى في
سورة الكهف نصًا يُعيد بناء الإدراك عبر الغرائبية المنظمة، ويحوّل الدهشة إلى
تربية معرفية، والتكرار إلى تثبيت، والبلاغة إلى أداة تأثير واعٍ.
أولًا: الإطار النظري
تنطلق هذه
الدراسة من المنهج الذرائعي بوصفه مقاربة عربية تربط بين البنية اللغوية والوظيفة
التداولية للنص، بحيث يُفهم الخطاب باعتباره فعلًا موجَّهًا لإحداث أثر في
المتلقي، لا مجرد بنية شكلية (الغالبـي، 2019). فالذرائعية لا تكتفي بتحليل البناء
الداخلي، بل تبحث في الغاية التأثيرية التي يُنتجها النص في سياقه.
وفي مقاربة الغرائبية، تستفيد الدراسة من
المفهوم النقدي الذي صاغه تودوروف، حيث تقوم الغرائبية على لحظة تردّد بين
تفسيرين: طبيعي وماورائي (Todorov, 1970). غير أن النص القرآني
يحسم هذا التردد بإحالته إلى القدرة الإلهية، مما يحوّل الغرابة من مساحة التباس
إلى أداة حِجاجية.
كما يستند التحليل إلى نظرية أفعال الكلام، التي
ترى أن اللغة ليست وصفًا للواقع فحسب، بل فعلًا يُنجز أثرًا (Austin, 1962)،
ويتعزّز ذلك بمفهوم القصدية الإنجازية في الخطاب (Searle, 1969).
ومن زاوية أوسع، يمكن فهم الخطاب القرآني ضمن إطار الفعل التواصلي الذي يسعى إلى
إعادة بناء الفهم المشترك (Habermas, 1981).
وفي المستوى البلاغي، تستفيد الدراسة من التحليل
البياني الذي أبرزته البلاغة العربية الحديثة، خاصة في الكشف عن التوازن الأسلوبي
والانسجام النصي (دراز، 2008؛ السامرائي، 2006؛ بنت الشاطئ، 1962).
أما في تحليل البنية الحِجاجية، فتستند الدراسة
إلى مفهوم الحجاج في القرآن بوصفه نسقًا إقناعيًا يتكامل فيه السرد والجدل (صولة،
2007)، مع الإفادة من القراءة المقاصدية السياقية في تفسير السورة (ابن عاشور،
1984).
ثانيًا: الغرائبية
بوصفها بنية حِجاجية
غرائبية الزمن – أصحاب الكهف
في قصة
أصحاب الكهف، يتجلّى تعليق الزمن بوصفه خرقًا لنسق الطبيعة، غير أن الغاية ليست في
توصيف المعجزة، بل في محاكاة إمكان البعث عبر تجربة محسوسة. فالنوم الممتد
ثلاثمائة وتسع سنين ليس حدثًا عجيبًا لذاته، بل أداة لإعادة تشكيل مفهوم الزمن في
ذهن المتلقي.
يتجسد تعليق الزمن في قوله تعالى:
﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾
(الكهف: 11)
ثم يُكشف امتداد الزمن: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ
سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ (الكهف: 25)
غير أن الغرائبية تُحسم معرفيًا: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ (الكهف:
26)
كما يُضفى على المشهد بُعد تصويري: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ
عَن كَهْفِهِمْ﴾ (الكهف: 17)
فالزمن هنا يُعلَّق لا لإثارة العجب، بل لإعادة
بناء مفهوم البعث والقدرة.
غرائبية المعرفة – موسى والعبد الصالح
وفي قصة موسى والعبد الصالح، لا تتمثل الغرائبية
في خرق الطبيعة بقدر ما تتمثل في خرق منطق السببية الظاهرة. تتكرر الاعتراضات،
ويؤجَّل التفسير
يتكرر الاعتراض بوصفه لحظة اضطراب إدراكي:
﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ (الكهف: 71)
﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ (الكهف: 74)
ويُمهَّد لذلك بقاعدة الصبر:
﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: 67)
ثم يأتي الكشف النهائي:
﴿ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ (الكهف:
82)
فتتحول المفارقة إلى أداة تعليم معرفي، ويُعاد
ترتيب العلاقة بين الظاهر والباطن.
غرائبية المال – صاحب الجنتين
أما قصة صاحب الجنتين فتقدم غرائبية التحوّل
المفاجئ؛ إذ ينهار ما بدا راسخًا في لحظة واحدة. إنها صدمة أخلاقية تزعزع وهم
الدوام.
يتجلى الغرور في قوله: ﴿مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَدًا﴾
(الكهف: 35)
ثم يحدث الانقلاب المفاجئ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ
كَفَّيْهِ﴾ (الكهف: 42)
هذا التحول السريع يخلق صدمة قيمية؛ إذ يتحول
الاطمئنان إلى حسرة، ويتكشّف وهم الدوام.
غرائبية السلطة – ذو القرنين
وفي قصة ذي القرنين، تتسع الجغرافيا إلى حدود
غير مألوفة، لكن الاتساع المكاني لا يُنتج استعلاءً، بل يقود إلى تأكيد العدالة
والمسؤولية.
يتسع الفضاء السردي:
﴿حَتَّىٰ إِذَا
بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾ (الكهف: 86) ﴿حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾
(الكهف: 90)
ويظهر البناء الحضاري: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ (الكهف: 96)
لكن التمكين يُقيَّد أخلاقيًا: ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾
(الكهف: 87)
ثم يُختتم بالتواضع: ﴿هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ (الكهف: 98)
فالسلطة لا تنفصل عن الرحمة ولا عن الفناء.
ثالثًا: البنية الحِجاجية والتكرار البنيوي
لا يكتمل فهم الغرائبية
في سورة الكهف دون إدراك دور التكرار البنيوي في إحكامها. فالسورة تعتمد نسقًا
تكراريًا منظمًا يرسّخ محور الفتنة ويصعّد الأثر الإدراكي. يتكرر النمط السردي في
كل قصة: حدث صادم، تفاعل أو اعتراض، ثم كشف يعيد التوازن. هذا التكرار لا يُنتج مللًا،
بل يبني وعيًا متدرجًا؛ إذ يصبح المتلقي أكثر استعدادًا لتقبّل المفارقة في كل
مرة.
إن تكرار الصيغ الجدلية الاستهلالية
والاستفهامية، مثل:
﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ (الكهف: 9)، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ
عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ (الكهف: 83)، لا يمثل إعادة لفظية، بل آلية حجاجية تُعيد
تشكيل الإدراك ( صولة، 2007)
وتتكرر الخواتيم التأويلية التي تحسم المعنى،
فيتحول التأجيل إلى استراتيجية إقناع. كذلك يتكرر محور الفتنة عبر تنويعاته الأربع:
الدين، المال، العلم، السلطة، بحيث تُعاد الفكرة المركزية في كل سياق بدرجة أعمق.
كما يتكرر محور الصبر: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ (الكهف: 28)
ويتكرر التصريف الحِجاجي: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا الْقُرْآنِ
لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ (الكهف: 54)
هذا التصريح يكشف وعيًا ذاتيًا بوظيفة التكرار؛
إذ يُحوّل الصدمة إلى تثبيت إدراكي متدرج.
ومن الناحية البلاغية، يسهم تكرار أفعال الحركة
(بلغ، وجد، انطلق) والبناء الشرطي في تعزيز وحدة السورة وإيقاعها الداخلي.
إن
التكرار هنا ليس زخرفًا صوتيًا، بل آلية تنظيم حِجاجي تُحوّل الدهشة إلى وعي
مستقر. فالغرائبية تُحدث الصدمة، أما التكرار فيحوّلها إلى إدراكٍ منظم.
رابعًا: المستوى البلاغي التفصيلي
يشكّل المستوى البلاغي
في سورة الكهف العمود الجمالي الذي يحمل الغرائبية الحِجاجية ويُحكم أثرها النفسي.
فالعجيب في السورة لا يُبنى بالحدث وحده، بل بطريقة عرضه، وإيقاع جمله، وانتقال
ضمائره، وكثافة صوره.
1.
الاستعارة
والتصوير الحسي
تعتمد السورة على تصويرٍ حسّي يجعل الحدث
الغرائبي ملموسًا، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿فَضَرَبْنَا عَلَىٰ آذَانِهِمْ﴾ (الكهف: 11)
وهذا التصوير يكشف عن كثافة بيانية تجعل المجرّد
محسوسًا ( بنت الشاطئ، 1962)
فالضرب هنا استعارة حسية للنوم العميق، إذ
يُجسّد النوم فعلًا إلهيًا مباشرًا، فيتحول المجرد إلى حركة محسوسة. وهذه
الاستعارة تعمّق الإحساس بالقدرة الإلهية.
وفي مشهد الشمس:
﴿تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ﴾ (الكهف: 17) الفعل يوحي بحركة مقصودة،
وكأن الطبيعة ذاتها تُسهم في حفظهم. هنا يتجاوز الوصف الطبيعة الجامدة ليضفي عليها
طابعًا شبه إرادي، ما يعزّز الإحساس بالعناية الإلهية.
أما في قصة صاحب الجنتين:
﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ (الكهف: 42) فالفعل المبني للمجهول يحمل
شحنة فجائية، ويُحدث صدمة دلالية؛ إذ يختصر الانهيار في لفظة واحدة تحيط بالمعنى
كما أحيط بالثمر.
2.
الالتفات
وتحويل الضمائر
يتكرر الالتفات بين ضمائر الغائب والمتكلم
والخطاب، مما يُحدث حركة داخل النص ويكسر الرتابة السردية، بوصفه تقنية تحريك
للمتلقي داخل النص ( السامرائي، 2006).
ففي مطلع السورة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي
أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (الكهف: 1)
ثم ينتقل إلى الخطاب المباشر: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾
(الكهف: 9)
هذا الانتقال يُدخل المتلقي في قلب الحدث، فلا
يبقى متفرجًا على قصة، بل يصبح مخاطبًا بها.
كما يظهر الالتفات في ختام السورة: ﴿قُلْ
إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ (الكهف: 110)
بعد عرض مشاهد غرائبية واسعة، يعود النص فجأة
إلى بساطة البشرية، فيخلق توازنًا بلاغيًا بين العجيب والواقعي.
3.
الإيقاع
والتوازن الصوتي
تتميّز سورة الكهف
بإيقاعٍ متوازن يقوم على الفواصل المتقاربة، مثل: ﴿مِّن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾
﴿وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ (الكهف: 27)
تكرار الجملة ذاتها تقريبًا يخلق تثبيتًا
إيقاعيًا ودلاليًا في آنٍ واحد. كما أن تكرار بنية الشرط:
﴿إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (الكهف: 39) يعزز
النغمة الحوارية ويمنح النص بعدًا تداوليًا مباشرًا.
4.
الحذف والإيجاز
يظهر الإيجاز في مواضع
كثيرة، حيث يُحذف ما يُفهم من السياق، مما يمنح السرد كثافة. ففي قصة ذي القرنين: ﴿قَالَ
هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ (الكهف: 98) لا يشرح النص تفاصيل شعوره أو خطبته
المطوّلة، بل يختزل المعنى في جملة موجزة تُبرز تواضعه أمام التمكين.
وكذلك في قصة موسى: ﴿فَانطَلَقَا﴾ (الكهف: 71،
74، 77)
يتكرر الفعل دون وصف تفصيلي للمسافة أو الزمن،
مما يمنح السرد سرعة إيقاعية، ويجعل التركيز على الحدث الحِجاجي لا على الوصف
الزائد.
5.
المفارقة
البلاغية
تبلغ البلاغة ذروتها في
المفارقة بين الظاهر والباطن في قصة موسى:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (الكهف: 79)
يُعاد تفسير الفعل الذي بدا تخريبًا ليظهر
حماية. هذه المفارقة البلاغية تُجسد الغرائبية المعرفية، وتحوّل الصدمة إلى إدراك
جديد.
سادسًا: التكرار البلاغي بوصفه تثبيتًا
يتكرر في السورة محور الصبر: ﴿وَاصْبِرْ
نَفْسَكَ﴾ (الكهف: 28)، ﴿إِنَّكَ لَن
تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ (الكهف: 67)
التكرار هنا ليس لفظيًا فقط، بل موضوعي، إذ
يتحول الصبر إلى شرط لفهم الغرائبية. وبهذا تتكامل البلاغة مع الوظيفة الحِجاجية.
يكشف
التحليل البلاغي أن سورة الكهف لا تعتمد الغرائبية كحدث سردي فحسب، بل تبنيها عبر:
استعارات حسية تُجسّد القدرة، التفات يُشرك
المتلقي في الخطاب، إيقاع متوازن يُثبّت المعنى، إيجاز يمنح السرد كثافة، مفارقة
تُعيد ترتيب الإدراك.
وهكذا تتكامل البلاغة مع الحِجاج، ويغدو الأسلوب
جزءًا من الوظيفة العلاجية للسورة، حيث تتحول الصورة إلى وعي، والإيقاع إلى تثبيت،
والمفارقة إلى تربية إدراكية.
خامسَا: الأثر النفسي والتداولي
تمرّ التجربة الخطابية
في سورة الكهف بثلاث مراحل نفسية: الدهشة، الاضطراب، إعادة البناء. في كل قصة
يُصدم المتلقي بحدث يتجاوز المألوف، ثم يُترك في حالة تعليق إدراكي، قبل أن يُمنح
تفسيرًا يعيد ترتيب رؤيته للعالم. هذا المسار يُنتج أثرًا علاجيًا، قائمًا على
تدريب الذات على الصبر، وتقبّل حدود المعرفة، والتواضع أمام الغيب.
إن السورة، بهذا المعنى، لا تعالج أزمة فرد
بعينه، كما في سورة يوسف، بل تعالج بنية وعيٍ جماعي يواجه الفتنة في أشكالها
المختلفة. إنها خطاب يعيد تشكيل الإدراك عبر الدهشة المنظمة.
سادسًا: التجربة الخطابية في سياقها التاريخي:
1-
سياق النزول:
ترتبط سورة الكهف
بسياق مكي جدلي، حيث وُجِّهت إلى النبي ﷺ أسئلة امتحانية تتعلق بأصحاب الكهف وذي
القرنين، في محاولة لاختبار صدق الرسالة، كما أشار إلى ذلك عدد من المفسرين (ابن
كثير، 1999؛ القرطبي، 2006).
تعلن السورة خلفيتها الامتحانية منذ البدء:
﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا
لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (الكهف: 7)
فالزينة هنا ليست غاية، بل أداة ابتلاء. ويتكرر
البعد الامتحاني في موضع آخر:
﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (إحالة دلالية إلى
معنى الفتنة في سياق عام قرآني)
وفي ختام قصة ذي القرنين:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ (الكهف: 98) يتأكد أن كل تمكين مؤقت، وأن الفتنة بنية جامعة
للسورة.
وهذا السياق يكشف أن السورة لم تكن سردًا
معزولًا، بل خطابًا استجابيًا في مواجهة رهانات معرفية وعقدية؛ مما يفسر الطبيعة
الحجاجية المكثفة في بنيتها، وبذلك يتجلى الانسجام الموضوعي من خلال تكرار محور أو
مركزية الفتنة ضمن تنويعات سردية مختلفة ممّا يعزز وحدة البناء الداخلي ( دراز،
2008).
2. البيئة الثقافية:
في البيئة المكية، حيث
كانت السلطة القبلية والمال والتقاليد تمثل ركائز النظام الاجتماعي، جاءت القصص
الأربع لتفكك هذه الركائز عبر صدمة غرائبية. ففتية ينسحبون من سلطة الجماعة حفاظًا
على عقيدتهم، ورجل يفقد جنّتيه رغم يقينه بخلودهما،وبذلك يٌفكَّك وهم الثروة، والنبي
موسى عليه السلام يتعلّم حدود المعرفة، وذو القرنين ملكٌ ممكَّن يربط سلطته بالعدل
لا بالاستعلاء. إن الغرائبية هنا استجابة جدلية تُعيد توزيع السلطة المعرفية من
الإنسان إلى الله، وتعيد بناء وعي الجماعة في سياق تاريخي مأزوم.
الخاتمة التركيبية النهائية
تكشف سورة الكهف عن
هندسة خطابية تتكامل فيها الغرائبية، والتكرار البنيوي، والبلاغة التصويرية، ضمن
منظومة حِجاجية متدرجة. فالزمن يُعلَّق في قصة الفتية ليُستعاد الإيمان بالبعث،
والمال ينهار في قصة الجنتين ليتكشّف وهم الدوام، والمعرفة تُقلب في لقاء موسى ليترسخ
التواضع الإدراكي، والسلطة تتسع مع ذي القرنين لتُقاس بالعدل لا بالهيمنة.
غير أن هذه العناصر لا تعمل منفصلة؛ فالغرائبية
تُحدث الدهشة، والتكرار يُحوّلها إلى تثبيت، والبلاغة تمنحها جسدًا لغويًا حيًا،
ثم تأتي الخاتمة الجامعة: ﴿قُلْ إِنَّمَا
أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ (الكهف: 110)
لتعيد الخطاب من اتساع العجيب إلى بساطة
الرسالة.
تكشف الدراسة أن الغرائبية في سورة الكهف عنصر
بنيوي حِجاجي مرتبط بسياق جدلي تاريخي. وأن التكرار البنيوي يشكّل الإطار المنظم
للأثر الإقناعي، حيث يُحوّل الصدمة إلى وعي متدرج. كما أن التجربة الخطابية في
السورة تعيد توزيع السلطة المعرفية، وتدرّب المتلقي على الصبر الإدراكي، وتربط
التمكين بالمسؤولية.
إن سورة الكهف، بهذا التكامل، لا تروي العجيب
لذاته، بل تبني وعيًا يتعلم كيف يرى وراء الظاهر، وكيف يصبر أمام الغموض، وكيف يزن
المال والسلطة بميزان الفناء. وهكذا تتحول الفتنة إلى تربية، والدهشة إلى إدراك،
والتكرار إلى يقين.
#دعبيرخالديحيي مرسين – تركيا 26 فبراير 2026
المراجع
1.
الغالبـي، عبد
الرزاق عودة. (2019). الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي. طنطا: دار النابغة
للنشر والتوزيع.
2.
دراز، محمد عبد
الله. (2008). النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن. القاهرة: دار القلم.
3.
السامرائي،
فاضل صالح. (2006). لمسات بيانية في نصوص من التنزيل. عمّان: دار عمار.
4.
صولة، عبد
الله. (2007). الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية. تونس: منشورات كلية
الآداب.
5.
ابن عاشور،
محمد الطاهر. (1984). التحرير والتنوير. تونس: الدار التونسية للنشر.
6.
بنت الشاطئ،
عائشة عبد الرحمن. (1962). التفسير البياني للقرآن الكريم. القاهرة: دار المعارف.
Austin, J. L.
(1962). How to do things with words. Oxford University Press.7
Habermas, J.
(1981). The theory of communicative action. Beacon Press.8
Searle, J. R.
(1969). Speech acts. Cambridge University Press.9
Todorov, T.
(1970). Introduction à la littérature fantastique. Seuil.10
تعليقات
إرسال تعليق