سردُ الغربةِ وتمثّلاتُ الأنوثةِ قراءة ذرائعية في رواية " النسيم والهجير"
د. عبير خالد يحيي - ناقدة ذرائعية
ملخّص تحكيمي
تتناول هذه الدراسة
رواية "النسيم والهجير" للدكتور مصطفى عطية جمعة من منظور ذرائعي
تطبيقي، ساعيةً إلى الكشف عن البنية العميقة للنص من خلال تتبّع تفاعل مستوياته
السردية المختلفة. وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الرواية لا تشتغل على الحدث
بوصفه مركزًا دلاليًا، بل على التجربة النفسية والوجودية للمرأة في سياق الغربة والعمل،
ضمن ثنائية مكانية ورمزية (الإسكندرية/الكويت) تُؤطّر الصراع بين الألفة
والاختناق.
اعتمدت الدراسة على تحليل البؤرة الفكرية
والخلفية الأخلاقية، ثم تتبّعت تجلّيات المستوى الديناميكي، والنفسي، والبصري،
واللغوي والجمالي، مع إبراز الدور المركزي للمستوى الإيحائي التداولي في إنتاج
المعنى والأثر. كما خصّصت محورًا مستقلًا للقضية النسوية، بوصفها بنية نفسية
وسردية تتشكّل عبر الصمت، والحذر، والقلق، وتراكم الخبرة، لا عبر الخطاب المباشر
أو الشعارات الأيديولوجية.
وتخلص الدراسة إلى أن الرواية تقدّم نموذجًا
لسرد هادئ، واعٍ بإيقاعه وأدواته، يراهن على الإيحاء والتراكم بدل التصريح
والصدمة، ويُحوّل اليومي والاعتيادي إلى تجربة إنسانية قابلة للتأويل. وبذلك، تؤكد "النسيم والهجير" نضج التجربة الإبداعية للكاتب، وانسجامها مع الرؤية الذرائعية
التي تنظر إلى النص الأدبي بوصفه فعلًا تداوليًا يُنتج المعنى عبر الأثر في وعي
المتلقي.
كلمات مفتاحية:
الذرائعية، سرد الغربة، التمثلات النسوية،
المستوى النفسي، الإيحاء التداولي، المكان.
المقدمة :
تُعدّ رواية (النسيم
والهجير) للدكتور مصطفى عطية جمعة نموذجًا سرديًا لافتًا في اشتغاله على التفاصيل
اليومية والمناخات النفسية بوصفها بؤرًا دلالية فاعلة، تتجاوز الوظيفة الوصفية إلى
بناء معنى تداولي عميق. إذ لا تنشغل الرواية بالحدث الصاخب أو التحوّل الدرامي
المفاجئ، بقدر ما تركّز على تشكّل الوعي الإنساني في علاقته بالمكان والزمن
والذاكرة، ضمن إيقاع سردي هادئ يُراكم الأثر بدل أن يصرّح به.
ومن هذا المنطلق، تأتي هذه الدراسة لتقارب
الرواية وفق المنهج الذرائعي، الذي يُعنى بتحليل النص الأدبي من خلال استراتيجياته
التداولية، وما يُحدثه من أثر نفسي وجمالي ومعرفي في المتلقي، لا من خلال بنيته
الشكلية فحسب. فالذرائعية، بوصفها منهجًا نقديًا عربيًا معاصرًا، تشتغل على النص
باعتباره فعلًا تواصليًا واعيًا، يُنتج المعنى.
وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن التضاد
الدلالي الذي يحمله عنوان الرواية (النسيم / الهجير) لا يمثّل مجرّد عتبة لغوية
جمالية، بل يشكّل محورًا تداوليًا يحكم البنية النفسية والديناميكية للسرد، حيث
يتأرجح النص بين حالات الطمأنينة الهشّة والاحتراق الكامن، وبين الألفة والاغتراب،
في علاقة جدلية مع المكان بوصفه ذاكرة حيّة لا فضاءً محايدًا.
وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك المستويات
الذرائعية في الرواية، من خلال الوقوف عند البؤرة الفكرية، والخلفية الأخلاقية،
والمستوى اللغوي والجمالي، والمستوى النفسي، والديناميكي، والبصري، والإيحائي
التداولي، وصولًا إلى قراءة التجربة الإبداعية بوصفها وعيًا سرديًا متماسكًا يراهن
على العمق لا على الإثارة، وعلى الأثر البعيد وليس على الانفعال الآني.
· دلالة العنوان
يُشكّل عنوان رواية "النسيم
والهجير" عتبة دلالية كثيفة تقوم على التقابل الضدّي، وهو تقابل لا ينهض بوظيفة
جمالية فحسب، بل يؤسّس منذ الوهلة الأولى لمنظومة فكرية ونفسية وسردية تحكم مسار
الرواية بأكملها.
أولًا: البنية اللغوية للعنوان
يتكوّن العنوان من مفردتين اسميتين معرفتين:
النسيم: يحيل إلى اللطف، الاعتدال، الراحة،
التنفّس، الحياة الممكنة.
الهجير: يحيل إلى القسوة، الاحتراق، العطش،
الاختناق، الامتحان الوجودي.
هذا التركيب الاسمي الخالي من الفعل يمنح
العنوان طابعًا حاليًّا مستمرًا، وكأن الرواية تقيم في حالة توتر دائم بين قطبين
لا يُحسمان.
ثانيًا: الدلالة النفسية
على المستوى النفسي، يعكس العنوان الانقسام
الداخلي للبطلة:
النسيم بوصفه الذاكرة، الإسكندرية، البحر،
الألفة، الطفولة.
الهجير بوصفه الغربة، الكويت، العمل، الضغط
الاجتماعي والمهني.
وبذلك يتحول العنوان إلى خارطة نفسية، تُلخّص
صراع البطلة بين:
ما ترغب أن تكونه، وما تُجبر على أن تعيشه.
ثالثًا: الدلالة المكانية
يحمل العنوان دلالة مكانية واضحة:
النسيم = المدينة الساحلية، البحر، الاعتدال
المناخي (الإسكندرية).
الهجير = الصحراء، الحر، القسوة المناخية
والاجتماعية (الكويت).
لكن المكان هنا ليس جغرافيا فقط، بل قيمة شعورية
وأخلاقية، فالمناخ يتحول إلى استعارة عن طبيعة العيش وشروطه.
رابعًا: الدلالة الديناميكية السردية
ذرائعيًا، يعمل العنوان كـ محرك ديناميكي للسرد:
كل انتقال مكاني يعيد تفعيل ثنائية النسيم/الهجير.
كل موقف مهني أو اجتماعي يُقاس بمدى اقترابه من
أحد القطبين.
العنوان لا يسبق النص فقط، بل يستعاد داخله
بوصفه معيارًا ضمنيًا للحكم على التجربة.
خامسًا: الدلالة النسوية
نسويًا، يمكن قراءة العنوان بوصفه:
النسيم: المساحة التي تبحث فيها المرأة عن ذاتها،
حريتها، صوتها.
الهجير: البنى الذكورية الصارمة، شروط العمل،
الغربة، النظرة النمطية.
وهنا يتحول العنوان إلى مجاز عن الجسد الأنثوي
في فضاء قاسٍ، وعن صبر المرأة وقدرتها على التحمّل دون ادعاء بطولة صاخبة.
سادسًا: العنوان والاستراتيجية المفصلية (ذرائعيًا)
وفق المنهج الذرائعي، يُمثّل العنوان
الاستراتيجية المفصلية الكبرى في الرواية، ويعمل بوصفه ناظمًا تداوليًا يوحّد
التجربة السردية.
فالعنوان لا يُلخّص النص، وإنما يوجّهه ويضبط
أثره في وعي المتلقي.
· البؤرة الفكرية
تتأسّس البؤرة الفكرية في رواية "النسيم
والهجير" على جدلية الإنسان/المكان/الزمن النفسي، حيث لا يُقدَّم المكان
بوصفه إطارًا جغرافيًا محايدًا، بل باعتباره فاعلًا نفسيًا يشارك في تشكيل الوعي
والسلوك والانفعال. فالرواية لا تحكي حكاية أحداث بقدر ما تُنشئ حالة وجودية، يكون
فيها العيش فعل مقاومة صامتة لضجيج الظروف الحياتية، وللتحوّلات التي تُفرغ
الأمكنة من روحها.
منذ الصفحات الأولى، يتبدّى أن السرد ينحاز إلى
الطقوس اليومية البسيطة بوصفها مركزًا دلاليًا، حيث تتكرّر الأفعال الصغيرة
(الاستيقاظ، التأمل، النظر من النافذة، الإحساس بالبرد والضوء)، لتتحول إلى علامات
وعي لا مجرد تفاصيل عابرة:
"تلك هي طقوسها الصباحية المكرورة… يدفع الظلام والوحدة عنها،
ويجعلها تغوص في نومها بأنفاس عميقة" (ص 7)
هنا تتجلى البؤرة الفكرية في كون الرواية:
-
تشتغل على
الوعي الداخلي لا الحدث الخارجي
-
تجعل من الطقس
اليومي بديلًا عن الفعل الدرامي
-
وتعيد تعريف
البطولة بوصفها قدرة على الاحتمال والتأمل
كما تُظهر الرواية أن العلاقة بالمكان ليست
علاقة انتماء ثابت، بل علاقة تفاوض مستمر بين الألفة والاختناق. فالمدينة في
الشتاء تُستعاد بوصفها فضاءً حميميًا، بينما تتحول في مواسم أخرى إلى مكان طارد:
"
تتداعى في خاطرها مدينتها الاسكندرية ... ذاك كان عشقها للبحر، في الشتاء أكثر من
الصيف، تشعر أنه ملكها وحدها، بلا زحام أو ضجيج" (ص 9 )
وعليه، يمكن القول إن البؤرة الفكرية للرواية
تقوم على:
-
مساءلة تحوّل
المكان من ذاكرة إلى استهلاك
-
الدفاع عن الحق
في الإيقاع البطيء
-
والانحياز
للإنسان الفرد في مواجهة التشييء الاجتماعي.
· الخلفية الأخلاقية
الخلفية الأخلاقية في "النسيم والهجير"
غير مباشرة وغير خطابية، وهي منسجمة مع الطابع التأملي للنص. فلا نجد أحكامًا
جاهزة أو مواقف معلنة، بل تتشكّل الأخلاق عبر الاختيار السردي نفسه: اختيار الصمت،
التفاصيل، والابتعاد عن الإثارة.
أول ملامح هذه الخلفية يتمثّل في رفض القسوة
بوصفها نمط حياة، حيث تُقدَّم الهشاشة الإنسانية لا باعتبارها ضعفًا، وإنما كقيمة
أخلاقية عليا. فالشخصية الرئيسة لا تسعى إلى السيطرة أو المواجهة، بل إلى حماية
ذاتها من التآكل:
"....تسعد بظلمات دامسة تغلف الكون خارج غرفتها، فتسلّم جفونها
للنعاس ثانية" (ص 7)
هذا الاختيار السردي يؤسس لأخلاق تقوم على:
-
حق الفرد في
العزلة
-
شرعية الانسحاب
حين يصبح العالم طاردًا
-
والبحث عن
الطمأنينة كقيمة إنسانية لا ترفًا
كما تُدين الرواية، ضمنيًا، التحوّلات
الاجتماعية التي تفرغ الأمكنة من معناها، وتجعلها ضجيجًا موسميًا بلا ذاكرة، وهو
موقف أخلاقي واضح من الاستهلاك والسطحية:
" تلك مدينتي في الشتاء، سر لا يعرفه إلا أهلها، أما
المصطافون فيحيلون مدينتنا ضجيجًا، يمتزج بحرارة الصيف… مما يدفعنا – نحن أهلها –
لنلوذ بشواطئ الساحل الشمالي، بعيدًا عنها." (ص 25 )
وهنا تتقاطع الخلفية الأخلاقية مع البؤرة
الفكرية، لتؤكد أن:
الأخلاق في الرواية ليست وعظًا، بل موقفًا وجوديًا هادئًا ينحاز للإنسان، للذاكرة، وللأمكنة حين تكون
مأهولة بالروح.
والخلاصة :
تكشف قراءة البؤرة الفكرية والخلفية الأخلاقية
عن رواية:
-
تراهن على
الأثر البطيء
-
وتؤسس لأخلاق
الصمت والتأمل
-
وتمنح المكان دورًا
أخلاقيًا ونفسيًا فاعلًا
وهو ما يجعلها نصًا منسجمًا مع الرؤية الذرائعية
التي ترى الأدب فعلًا تداوليًا يُنتج المعنى عبر ما يُشعر به القارئ، لا عبر ما
يُقال له مباشرة.
· المستوى البصري: من المشهد إلى الأثر
في القراءة الذرائعية،
لا يُختزل المستوى البصري في كونه توصيفًا شكليًا للمكان أو المشهد، بل يُنظر إليه
بوصفه أداة تداولية لإنتاج المعنى، ووسيطًا حسيًا ينقل الحالة النفسية إلى المتلقي
دون تدخل خطابي مباشر.
وفي رواية "النسيم والهجير"، يحتلّ
البصر (المشهد، الضوء، اللون، الفراغ) موقعًا مركزيًا في تشكيل التجربة السردية،
بحيث يصبح ما يُرى معادلًا دقيقًا لما يُحسّ.
أولًا: هيمنة المشهد الهادئ وبناء الإيقاع البصري
تميل الرواية إلى مشاهد بصرية ساكنة:
غرف، نوافذ، شوارع، بحر، طقس (شتاء/حر).
هذا السكون البصري ليس حيادًا، بل اختيارًا
جماليًا واعيًا، ينسجم مع طبيعة البطلة النفسية، ويُنتج إيقاعًا سرديًا بطيئًا
يجعل القارئ: يتأمل بدل أن
يلهث، ويشاهد بدل أن يُفاجأ.
ذرائعيًا، يُستخدم المشهد البصري هنا لإبطاء
التلقي، وهو ما يضاعف الأثر.
"تستشعر ذاتها بين جدران غرفتها ذات الصبغ
الأبيض، الذي تعشقه، وتردد دائمًا أنه يدفع الظلام والوحدة عنها" (ص 7)
الدلالة البصرية:
الأبيض = تطهير/حماية
الغرفة = ملاذ بصري داخلي
المشهد ينقل الحالة النفسية عبر اللون لا عبر
التفسير
ثانيًا: الضوء والظلال – البصر بوصفه أداة نفسية:
يحضر الضوء في الرواية بوصفه عنصرًا بصريًا
دالًا:
الضوء الخافت، الظلمة الجزئية، انعكاس النور من النافذة.
هذه العناصر لا تُستخدم لتحديد الزمن فقط، بل
لتصوير حالة نفسية وسطى: لا ظلام كامل ولا انكشاف كامل، وهو ما يطابق حالة البطلة
بين الأمان والقلق.
الضوء هنا:
نفسيًا: علامة بحث عن طمأنينة.
تداوليًا: إيحاء بحياة مؤجلة، غير مكتملة
الوضوح.
"تفتح عينيها، فتتأمل النافذة، فتسعد ظلمات
دامسة تغلف الكون خارج غرفتها" (ص 7)
الدلالة البصرية:
الظلمة الجزئية لا الكاملة
الضوء الغائب = حياة مؤجلة
البصر هنا يعكس موقفًا وجوديًا
ثالثًا: النافذة – البصر المعلّق بين الداخل
والخارج
تُعدّ النافذة من أهم العلامات البصرية في الرواية،
بوصفها:
نقطة تماس بين الذات والعالم، وحدًّا بصريًا بين الداخل الآمن نسبيًا، والخارج
المربك.
النظر من النافذة ليس فعل فضول، وإنما فعل
وجودي:
تراقب البطلة العالم دون اندماج، وتشهد الحياة دون أن تُسلّم ذاتها لها.
ذرائعيًا، تعمل النافذة كـ علامة تداولية على
المسافة النفسية التي تفصل المرأة عن فضاء اجتماعي غير آمن.
"تتأمل النافذة… ثم تسلّم جفونها للنعاس
ثانية" (ص7)
الدلالة البصرية:
النافذة = مراقبة بلا اندماج
الرؤية دون مشاركة
علامة على المسافة النفسية والاجتماعية
رابعًا: ثنائية اللون والحرارة (النسيم / الهجير)
يتأسس المستوى البصري على تضاد واضح:
ألوان باردة، رطبة، شتوية (الإسكندرية) × أجواء حارة، جافة، قاسية (الكويت).
هذا التضاد لا يخدم الوصف فقط، بل يُجسّد: صراعًا نفسيًا، وازدواجية مكانية، وتوترًا نسويًا بين الألفة والاختناق. وهنا يتحول البصر إلى لغة ثانية تقول ما لا
يقوله السرد صراحة.
المشهد الخارجي – الشارع والسماء (بصري/مكاني)
"... مدينتها الاسكندرية.... شتاؤها ذو الغيوم القاتمة،
وشوارعها المغسولة بأمطار دومًا متراوحة بين الرذاذ والهطول،... " (ص9)
الدلالة البصرية:
صورة شتوية رمادية، غياب الضوء الساطع، المدينة تُبنى بصريًا كحالة شعورية.
البحر والمناخ – الصورة الحسية المركبة (بصري/ذاكروي)
"... تداعب الأمواج في تدفقاتها السرمدية على الرمال الناعمة،
وسرعان ما يزيل المطر رذاذ الموج المالح عن الوجه والأقدام" ( ص 9)
الدلالة البصرية:
امتزاج البصر بالحس
البحر = ذاكرة لا منظر
الصورة البصرية تستدعي الحنين
تحوّل المدينة بصريًا – الهدوء/الضجيج (بصري/ديناميكي)
" تلك مدينتي في الشتاء، سر لا يعرفه إلا
أهلها، أما المصطافون فيحيلون مدينتنا ضجيجًا، يمتزج بحرارة الصيف… مما يدفعنا –
نحن أهلها – لنلوذ بشواطئ الساحل الشمالي، بعيدًا عنها." (ص 25 )
الدلالة البصرية:
انقلاب المشهد من سكون إلى ازدحام
الصورة البصرية تكشف القهر الاجتماعي
المكان يُرى بوصفه قيمة متحوّلة
خامسًا: الفراغ البصري والعزلة
تحضر الفراغات (غرفة، شارع شبه خالٍ، لحظات صمت
بصري) بوصفها: امتدادًا
للعزلة النفسية، لا كفقر سردي.
الفراغ البصري:
نفسيًا: يعكس وحدة البطلة.
تداوليًا: يضع القارئ في تجربة الفراغ ذاتها. وبذلك، لا يصف النص الوحدة، وإنما يجعلها مرئية.
الفراغ والسكون (بصري/نفسي)
"تغوص في نومها بأنفاس عميقة، وإن تخللته انتباهات قلقة تفتح
فيها عينيها، فتتأمل النافذة..." (ص 7)
الدلالة البصرية:
غياب الحركة
سكون المشهد
الفراغ البصري = عزلة داخلية
سادسًا: الجسد في المشهد البصري
الجسد بوصفه نصًّا مراقَبًا
يُقدَّم الجسد الأنثوي في الرواية بوصفه سطحًا دلاليًا
مكشوفًا للقراءة الاجتماعية، لا بوصفه جسدًا بيولوجيًا فقط، بل باعتباره علامة
سلوكية وثقافية تُحمَّل أكثر مما تحتمل.
يتجلى ذلك بوضوح في المشهد الذي يصف فيه الكاتب
استعداد حنان للخروج صباحًا، حيث يتحول فعل اللباس من ممارسة يومية عادية إلى طقس
ضبط بصري:
"... ، متهيئة للخروج، ثيابها فخمة، ومكياجها خفيف، واخيرًا
انتقت حقيبة بنية اللون تناسب طقمها المؤلف من قطعتين: بلوزة صوفية خليط من البيج
والأصفر، على بنطال بني غامق واسع الأرجل. ألقت نظرة على حاجياتها المرتبة في
دولابها الكبير… وكان عليها أن تنظر ثانية إلى المرآة، ثم تبتسم في عبور. (ص 10)
دلالة المشهد بصريًا:
الملابس لا تُقدَّم بوصفها زينة، بل بوصفها لغة
تفاوض مع المجتمع.
المكياج الخفيف علامة على محاولة الموازنة بين
الحضور والاحتشام، بين المرئي والمسموح.
المرآة ليست أداة تأمل ذاتي، بل أداة فحص
اجتماعي داخلي؛ الذات تراجع نفسها قبل أن تُراجع من الآخرين.
الجسد بوصفه مساحة انضباط لا رغبة:
في هذا السياق، لا يُقدَّم الجسد الأنثوي كحيّز
للحرية أو اللذة، بل كـ مشروع مراقبة دائم، خصوصًا في فضاء الغربة.
فحنان لا تلبس ما تريد فقط، بل ما يصلح للتمثيل:
تمثيل المرأة العاملة
تمثيل المرأة العربية
تمثيل المرأة "المحترمة" في مجتمع
يراقب التفاصيل
وهنا يتقاطع المستوى البصري مع:
المستوى النفسي: القلق الداخلي، الحذر، الخوف من
التأويل.
المستوى الإيحائي التداولي: الجسد بوصفه رسالة
صامتة موجَّهة إلى الآخر.
خلاصة ذرائعية قصيرة:
في رواية النسيم والهجير، لا يظهر الجسد الأنثوي
بوصفه كيانًا حرًّا، بل بوصفه نصًّا بصريًا مفتوحًا للتأويل والمساءلة، تُعاد
كتابته كل صباح عبر الثياب، والمرآة، ونظرة العبور.
تكشف هذه الشواهد أن المستوى البصري في رواية
النسيم والهجير لا يعمل بوصفه وصفًا مكانيًا محايدًا، بل بوصفه:
أداة نفسية لنقل القلق والطمأنينة، وبنية إيحائية تداولية، ووسيطًا حسّيًا يجعل القارئ يرى الحالة بدل أن
تُشرح له. وهو ما يؤكد أن
الصورة في الرواية تؤدي وظيفة دلالية كاملة.
-
التكامل بين
البصري وبقية المستويات
يتكامل المستوى البصري مع:
النفسي: المشهد يعكس القلق والهدوء.
الديناميكي: السكون البصري يصنع حركة داخلية.
الإيحائي التداولي: الصورة تحلّ محلّ التصريح.
وبذلك، يصبح البصر أداة تواصُل غير لغوي بين
النص والمتلقي
خلاصة: يمكن القول إن رواية "النسيم
والهجير" توظّف المستوى البصري بوصفه:
عنصرًا بنائيًا، ومحرّكًا نفسيًا، وأداة تداولية لإنتاج المعنى.
فالصورة في الرواية لا تُرى فقط، وإنما تُحسّ،
وتعمل على: نقل التجربة
النسوية والاغترابية من مستوى الحكي إلى مستوى الأثر.
· المستوى اللغوي والجمالي
يُعدّ المستوى اللغوي
والجمالي في "النسيم والهجير" مستوىً بُنيويًا حاسمًا، إذ لا تُستخدم
اللغة كأداة سردية محايدة، بل بوصفها حاملًا نفسيًا وبصريًا وتداوليًا. فاللغة هنا
تُنتج الإحساس قبل المعنى، وتبني الجمال من الداخل لا من الزخرفة البلاغية.
أولًا: اللغة الوصفية الحسيّة (اللغة بوصفها
أداة إدراك)
"السيارات تمر على الإسفلت اللامع؛ بفعل قطرات الندى. الأجواء
رمادية، تبشر بأمطار ربما تكون رعدية، أو زخّات قليلة، يعقبها انبلاج الشمس
الدافئة، وستلمع الطرفات المبتلة بضيائها. " (ص 9)
الدلالة اللغوية والجمالية:
لغة تصويرية قائمة على التراكم الوصفي
الجمال نابع من اقتصاد الفعل لا من المبالغة
اللغة هنا تُرى بدل أن تُحكى.
ثانيًا: الانزياح اللغوي الهادئ (جمال بلا
افتعال)
"تغوص في نومها بأنفاس عميقة، وإن تخللته انتباهات قلقة" (ص 7)
الدلالة الجمالية:
استعارة هادئة: تغوص في نومها
مزج بين الجسدي والنفسي
انزياح غير صادم، يخدم الحالة لا البلاغة.
ثالثًا: الجملة الطويلة المتدفقة (الإيقاع
النفسي)
"تستشعر ذاتها بين جدران غرفتها ذات الصبغ الأبيض، الذي
تعشقه، وتردد دائمًا أنه يدفع الظلام والوحدة عنها" (ص 7)
الدلالة اللغوية: جملة ممتدة- إيقاع بطيء - التراكم يعكس التأمل الداخلي.
طول الجملة هنا وظيفة نفسية وليس ترهّل أسلوبي.
رابعًا: المفردة المناخية بوصفها قيمة جمالية:
الدلالة الجمالية:
مفردات حسّية: الندى –الرذاذ– الهطول- البرد
تكثيف دلالي - اللغة تستدعي الذاكرة عبر الحس.
خامسًا: اللغة النفسية غير المباشرة (الإيحاء
بدل التصريح):
"لا تحكي كي تستجلب عطفًا، وإنما لحقّها في
البوح" (ص73)
الدلالة اللغوية:
غياب الوصف الانفعالي المباشر- اللغة تنقل الشعور دون تسميته- جمال اللغة في التحفّظ لا الإفصاح.
سادسًا: التوازي اللغوي وبناء الإيقاع الداخلي
" وبعضهم قاسي أكثر، فمآسي الدنيا أشد" ( ص 73)
الدلالة الجمالية:
تكرار بنائي (أكثر… أشد…)
تصاعد إيقاعي
التوازي يعكس ضغط التجربة.
سابعًا: اللغة النسوية غير الخطابية
" وكان السؤال الذي هربت منه: هل هذا
المناسب لي بالفعل؟... فلم أتخيل نفسي مع رجل أنا أجرأ منه، وأوسع منه في علاقاتي
الاجتماعية..." ( ص 108)
الدلالة الجمالية:
جملة تقريرية ناعمة
موقف فكري بلغة هادئة
جمال النسوية هنا في الوعي لا الشعارات
ثامنًا: المقابلة اللغوية (النسيم / الهجير)
الدلالة الجمالية:
المفردة المناخية تحمل قيمة رمزية
اللغة تشتغل على التضاد دون تصريحه
خلاصة المستوى اللغوي والجمالي (ذرائعيًا)
تكشف هذه الشواهد أن لغة الرواية : لغة هادئة، حسّية، نفسية.
جماليتها قائمة على:
-
الانزياح
الخفيف
-
الإيقاع البطيء
-
الجملة
المتدفقة
-
والاقتصاد
التعبيري
وهو ما يجعل اللغة تُحَسّ أكثر مما تُحلَّل،
وتؤدي وظيفة ذرائعية واضحة في نقل التجربة النسوية والاغترابية إلى المتلقي دون
خطاب مباشر.
· المستوى الديناميكي :
أولًا - الحركة
السردية العامة
الديناميكية في الرواية تقوم على حركة مزدوجة:
حركة خارجية: سفر، عمل، تنقل، علاقات.
حركة داخلية: وعي، قلق، مراجعة ذات، حنين.
وهذا التداخل يمنح الرواية حيوية سردية حقيقية،
لا تأملية فقط.
ثانيًا- الحدث السردي
الأحداث ليست متفجرة، لكنها متتابعة وفاعلة:
-
قرار السفر.
-
الدخول في
العمل.
-
الاحتكاك
بالآخر (المجتمع، الرجل، المؤسسة).
-
التفاعل مع قصص
النساء الأخريات.
كل حدث خارجي يولّد أثرًا نفسيًا، وهو ما يهم
الذرائعية.
ثالثًا- الزمن السردي
زمن خطي نسبيًا (من الإسكندرية إلى الكويت).
يتخلله استرجاع (المدينة، الطفولة، العلاقات).
زمن نفسي يتمدد في لحظات الوحدة والحنين.
رابعًا- المكان كعنصر ديناميكي
المكان محرّك أساسي للحركة:
الكويت تفرض إيقاعًا صارمًا.
الإسكندرية تستعاد كملاذ شعوري.
المكان لا يُوصف فقط، بل يضغط، يدفع، ويشكّل
القرار.
خامسًا- الشخصية والحركة
البطلة شخصية: فاعلة لا منفعلة. تختار، تعمل، تصمد. لكنها في الوقت نفسه هشّة إنسانيًا. تطورها ليس تحوّلًا جذريًا، بل تراكم خبرة.
سادسًا – التشابك السردي:
الصراع في الرواية:
-
صراع أنثوي مع
شروط الغربة.
-
صراع بين الذات
ومتطلبات الواقع.
-
صراع بين الحلم
والضرورة.
-
وهو صراع مفتوح،
غير محسوم، ما يمنح الرواية صدقها.
سابعًا- الاستراتيجية المفصلية (ذرائعيًا)
تتمثل في: ثنائية النسيم/الهجير =
الذاكرة/الواقع، الأنثى/السلطة، الحلم/العمل
وهي التي تنظّم الحركة السردية كلها.
ثامنًا- لمضامين
:
تدور
رواية "النسيم والهجير" حول بطلة أنثوية مثقفة، تنتمي إلى فضاءٍ عربيٍّ
متوسطيٍّ (الإسكندرية)، تضطر إلى السفر والعمل في الخليج (الكويت)، لتأمين العلاج
لزوجها الذي أصيب بالسرطان، تاركة عند أمها طفلتها الرضيعة وطفل لا يتعدى عمره
أصابع اليد، في تجربة اغتراب مركّبة تجمع بين البُعد المكاني، والضغط المهني،
والتحولات النفسية والاجتماعية.
1. السفر والغربة
لا يُقدَّم السفر بوصفه مغامرة، بل كـ خيار
اضطراري تفرضه شروط الحياة والعمل. تنتقل البطلة من الإسكندرية – بوصفها مكان
الذاكرة والنسيم والبحر – إلى الكويت، التي تمثل فضاءً صحراويًا حارًا (الهجير)،
ليس فقط مناخيًا، بل نفسيًا واجتماعيًا.
هنا تتحول الغربة إلى اختبار للذات الأنثوية: اختبار الهوية، والقدرة على التكيّف، وحدود
الاحتمال.
2. العمل والفضاء المهني
يحتل العمل مساحة مركزية في حياة البطلة:
عمل جاد يتطلب الانضباط والالتزام.
علاقات مهنية تحكمها السلطة، والنظرة النمطية
للمرأة.
شعور دائم بضرورة إثبات الكفاءة.
العمل هنا ليس مجرد مصدر رزق، بل حقل صراع صامت،
تُختبر فيه:
-
قوة المرأة.
-
استقلاليتها.
-
وحدود طموحها
في مجتمع محافظ.
3. العلاقات الاجتماعية والصداقات النسوية
في الغربة، تنشأ شبكة من العلاقات النسوية:
-
صديقات يعشن
تجارب متقاربة (زواج، طلاق، وحدة، قهر اجتماعي).
-
قصص جانبية
لنساء مهاجرات يحملن أعباء الأسرة والعمل والذاكرة.
-
حوارات تكشف
المسكوت عنه في التجربة النسوية العربية.
الصديقات لا يُقدَّمن كزينة سردية، بل كـ مرايا
متقابلة تعكس احتمالات المصير الأنثوي.
4. العلاقة الأسرية
تحضر الأسرة بوصفها:
-
ذاكرة ضاغطة
أحيانًا.
-
ومصدر حنين في
أحيان أخرى.
-
سلطة أخلاقية
غير مباشرة تؤثر في قرارات البطلة.
العلاقة الأسرية تتسم بالمسافة:
-
مسافة المكان.
-
ومسافة الفهم.
-
ومسافة
الاختيارات الفردية.
5. ثنائية المكان: الإسكندرية / الكويت
الإسكندرية: البحر، النسيم، الطفولة، الحميمية، الذاكرة.
الكويت: الصحراء، الهجير، العمل، الانضباط، الغربة.
هذه الثنائية ليست جغرافية فقط، بل نفسية
وأخلاقية، وهي العمود الفقري للرواية.
6. القضايا النسوية:
تطرح الرواية، دون شعارات، قضايا:
-
استقلال
المرأة.
-
العمل
والكرامة.
-
الجسد والسلطة.
-
الزواج بوصفه
خيارًا لا قدرًا.
-
الوحدة النسوية
في مجتمع ذكوري.
وكل ذلك يُقدَّم عبر السرد لا التنظير.
بهذا المعنى، فإن "النسيم والهجير"
ليست رواية تأمل فقط، بل:
رواية غربة نسوية واعية، ورواية عمل وكرامة وهوية، ورواية مكانين يتصارعان داخل أنثى واحدة.
القضية النسوية في رواية "النسيم
والهجير": قراءة ذرائعية تطبيقية
لا تُطرح القضية النسوية في رواية "النسيم
والهجير" بوصفها خطابًا احتجاجيًا مباشرًا، ولا تتخذ شكل الشعارات أو التنظير
الأيديولوجي، بل تتجسّد عبر السرد اليومي، وتجربة الغربة،
والعمل، والعلاقات النسوية المتقاطعة. ومن ثمّ، فإن الرواية تقدّم نموذجًا لما
يمكن تسميته النسوية السردية الهادئة، التي تشتغل
على الأثر والتجربة لا على الإعلان.
أولًا: المرأة والعمل – الكفاءة في مواجهة
النظرة النمطية
يحتل العمل موقعًا محوريًا في تشكّل وعي البطلة
بذاتها، حيث لا يُقدَّم بوصفه إنجازًا فرديًا فقط، بل باعتباره ساحة اختبار
مزدوجة: اختبار الكفاءة المهنية، واختبار القدرة على الصمود كامرأة في فضاء محافظ.
الكفاءة بوصفها فعل مقاومة هادئة
هناك مقاطع سردية في الصفحة( 88) تمثّل لحظة
مفصلية في بناء شخصية حنان، إذ تنتقل من موقع "المرأة التي تُراقَب إلى موقع "المرأة
التي تُقيَّم على أساس الكفاءة". وهنا لا يتقدّم العمل بوصفه مهنة فقط، بل
بوصفه فضاء اختبار للذات والاعتراف الاجتماعي.
-
الأداء الصفي
بوصفه استراتيجية إثبات
يُظهر السرد وعي حنان المبكر بـ:
"أسرار الأداء الصفي: حزم وابتسامة، إخافة
وعقاب، جدية وأثابة" (ص 88)
وهي
صيغة لغوية تجمع المتناقضات، وتكشف أن النجاح المهني للمرأة لا يقوم على العفوية،
بل على إدارة دقيقة للصورة والسلوك.
ذرائعيًا، هذا الوعي: لا يقدَّم بوصفه موهبة فطرية، وإنما بوصفه
تعلّمًا قاسيًا فرضه الواقع المهني التنافسي.
-
من الشك إلى
الاعتراف المؤسسي
يتدرّج السرد من القلق إلى الطمأنينة:
" ... فبيئة العمل تحمل تنافسًا، غالبه
محمود وقليله منبوذ"
" .... ولذا، فقج نفرت قرون الاستشعار فيها،
ساعية إلى ابتكار، يعزّز وجودها، وهو ما تمّ سريعًا، في درس ريادي..."
ثم ينتقل إلى الاعتراف المؤسسي الواضح:
تصفيق الحضور، إعجاب المديرة، ورئيسة القسم، التفوق على زميلات أقدم.
" صفق لها كل من حضر، ... عانقتها المديرة
مهنئة،... وألقت لها رئيسة القسم قبلات في الهواء، فهي مستجدة فاقت السابقات
..."
هذا التدرّج لا يخدم الحبكة فقط، بل يرسّخ فكرة
أن كفاءة المرأة لا تُمنح، وإنما تُنتزع عبر الأداء المتكرر.
-
التعليم بوصفه
مساحة تفكيك للنمط
اختيار السرد لمشهد التعليم الابتدائي، والألعاب
التعليمية، والغناء، والحركة، ليس اختيارًا بريئًا. فالتعليم هنا: ليس مهنة تقليدية أنثوية كما يُصنَّف اجتماعيًا، بل فضاء للإبداع والابتكار والقيادة.
" ... كانت ألعابها غنائية وحركية وكتابية...."
وهنا تُقلب النظرة النمطية: المرأة ليست "حنونة فقط"، بل مبتكرة،
منظِّمة، وقائدة صفّية.
-
المنافسة
النسوية داخل فضاء العمل
لا يخفي النص أن بيئة العمل:
"بيئة العمل تحمل تنافسًا، غالبه محمود، وقليله مذموم"
وهذا التفصيل مهم، لأنه:
يحرّر السرد من مثالية زائفة، ويُظهر أن التحدّي لا يأتي من الرجل فقط، بل من نظام مهني كامل يفرض على المرأة مضاعفة
الجهد.
-
الدلالة
النفسية – الكفاءة كتعويض عن الهشاشة
نفسيًا، تتحول الكفاءة إلى:
مصدر أمان، وبديل عن الاستقرار المؤجَّل في الحياة الشخصية، وآلية دفاع أمام الشك المجتمعي.
لكن النص لا يقدّم هذا التعويض بوصفه اكتمالًا،
بل بوصفه نجاحًا مشروطًا بالاستمرار، ما يبقي القلق حاضرًا
-
الدلالة
الإيحائية التداولية
لا يصرّح النص بأن المرأة "تنتصر" على
النظرة النمطية، بل يترك:
الأفعال، ردود الفعل، والتقدير المؤسسي، لتقوم بهذه المهمة.
وهذا يمنح الخطاب النسوي في الرواية قوة إقناعية
هادئة، قائمة على الفعل لا على الادّعاء.
بالنتيجة، تؤسس هذه الشواهد لرؤية ترى أن عمل
المرأة في الرواية:
ليس خلفية سردية، بل مسار إثبات وجود، تُواجه فيه النظرة النمطية بالكفاءة، والشك بالابتكار، والهشاشة بالإنجاز المتراكم.
ومن منظور ذرائعي، يمثّل هذا المحور قاطرة
ديناميكية أساسية تفسّر:
استقلال البطلة، صلابتها الظاهرة، وقلقها الداخلي المستمر.
ثانيًا: الغربة بوصفها امتحانًا أنثويًا مضاعفًا
الغربة في الرواية ليست حيادًا مكانيًا، بل
ضغطًا نفسيًا واجتماعيًا يتضاعف على المرأة. فالانتقال من الإسكندرية إلى الكويت
لا يعني فقط تغيير المكان، بل الدخول في منظومة قيم صارمة تقيّد الحركة والاختيار.
" .... وكانت حنان من الصنف الأخير، زهدت
في الكلام، منصتة على عادتها مع الشخصيات الجديدة عليها.... معلمة للمرحلة
الابتدائية، ذكرت أن اختصاصها هو المرحلة الإعدادية في مصر، ... لم يجب عن سؤالها
عن سبيل الاعتراض أو الالتماس...." (ص 76).
تُقدّم هذه المقاطع الغربة لا بوصفها انتقالًا
جغرافيًا أو تجربة عمل فحسب، بل بوصفها امتحانًا أنثويًا مركّبًا، تُوضَع فيه
المرأة تحت مراقبة مزدوجة: مراقبة المجتمع المضيف، ومراقبة الجماعة التي تنتمي
إليها رمزيًا.
-
الغربة كمساحة
انكشاف لا حياد فيها
تكشف الرواية أن حنان، في فضاء الغربة، لا تتحرك
بوصفها فردًا حرًّا، بل بوصفها:
امرأة، عربية، عاملة، وواجهة غير معلنة لـ"صورة
النساء".
من هنا تتكثف حساسية السلوك، ويغدو كل تصرّف
قابلًا للتأويل والتعميم، لا على حنان وحدها، بل على جنسها وثقافتها.
-
ضبط الجسد وضبط
اللغة
في مشاهد التفاعل اليومي (السيارة، السوق،
الحوار العابر)، نلاحظ:
اقتصادًا حادًا في الكلام، تحكمًا صارمًا
بالإيماءة، ووعيًا لحظيًا بمكان الجسد وحدوده.
حين ترفض حنان الانهيار أو الاندفاع، فهي لا
تمارس برودًا، بل استراتيجية بقاء.
ذرائعيًا، هذا السلوك لا يُقرأ نفسيًا فقط، بل
تداوليًا، بوصفه:
رد فعل واعٍ على بنية اجتماعية لا تمنح المرأة
حق الخطأ.
-
عبء التمثيل
الأنثوي
يتجلّى الامتحان المضاعف في كون أي "هفوة"
محتملة:
لا تُسجَّل كخطأ فردي، وإنما كدليل على "طبيعة
النساء"، أو "طبيعة القادمات من هناك".
ولهذا تدرك حنان أن عليها:
أن تحمي نفسها، وأن تحمي صورة غيرها في آن.
وهنا
تتحول الغربة من تجربة شخصية إلى تكليف رمزي قاسٍ.
-
الغربة مقابل
الخصوصية
تكشف الرواية أن الغربة لا تسرق الأمان فقط، بل
تنتهك الخصوصية.
فالعين الخارجية حاضرة دائمًا: تراقب، تقيّم، وتصنّف.
لهذا تتجنّب حنان الصدام، لا ضعفًا، وإنما إدراكًا
أن المعركة غير متكافئة، وأن أي مواجهة قد تُقرأ خارج سياقها.
-
البعد النفسي –
القلق كحالة يقظة دائمة
نفسيًا، لا يظهر القلق في شكل خوف صريح، بل في:
الاستعداد المسبق،ىالحسابات الدقيقة، والحرص على
إنهاء المواقف بسرعة.
المرأة في الغربة لا تملك رفاهية التلقائية؛
إنها تعيش في حالة تيقّظ مستمر، يجعل التعب مضاعفًا حتى في التفاصيل اليومية
الصغيرة.
-
الدلالة
الإيحائية التداولية
لا تقول الرواية صراحة إن الغربة قاسية على
المرأة أكثر من الرجل، لكنها:
تراكِم المواقف، وتكرّر الإشارات الدقيقة، وتترك
للقارئ أن يستنتج أن العبء غير متساوٍ.
وهنا تتجلّى الذرائعية في أعلى مستوياتها:
المعنى يُبنى بالأثر، لا بالتصريح.
وبالنتيجة تؤسس هذه الرواية لرؤية ترى الغربة:
امتحانًا للقدرة على التماسك، ومساحة تتضاعف
فيها الأحمال على المرأة، حيث تُطالَب بأن تكون كفؤة، متزنة، مهذبة، وممثلة مثالية
في آن واحد.
ومن منظور ذرائعي، فإن الغربة في الرواية ليست ظرفًا
خارجيًا، بل قوة ضغط داخلية تُعيد تشكيل الوعي الأنثوي، وتفسّر حذر البطلة،
وصلابتها الهادئة، وامتناعها عن الانفجار.
أن هذاالمستوى الديناميكي يتقاطع مع المستوى
النفسي (قلق، ضبط ذات، استبطان الرقابة)، لكن دون نقله من مكانه؛ يبقى محوره
ديناميكيًا لأنه معنيّ بالفعل وردّ الفعل لا بالحالة الداخلية فقط.
ثالثًا: الصداقات النسوية – السرد الجماعي
للمعاناة
تُفرد الرواية مساحة واضحة لقصص الصديقات في
الغربة، حيث تتحول هذه الشخصيات الثانوية إلى حوامل دلالية لتجارب نسوية متنوّعة:
الزواج الفاشل، الوحدة، القهر الاجتماعي، الخوف من المستقبل.
هذه الصداقات:لا تُستخدم كحشو سردي، بل تُشكّل سردًا نسويًا جمعيًا يوسّع أفق
التجربة الفردية للبطلة.
دلالة الشاهد في سياق الصداقات النسوية والسرد
الجماعي للمعاناة
هناك الكثير من المقاطع الدالة على هذا السرد،
نختار منها مقطعًا في (الصفحة 85). يمثّل
هذا المقطع واحدًا من أكثر المقاطع ثراءً دلاليًا وجماليًا في الرواية، لأنه ينقل
التجربة النسوية من حيز الفرد إلى حيز الجماعة المتشاركة في الهمّ، دون أن يفقدها
خصوصيتها.
-
من الصداقة
الفردية إلى الجماعة النسوية
ينطلق الشاهد من عبارة:
"بلاد العرب أوطاني، وكل العرب إخواني، وبنات العرب أخواتي…"
( ص 85)
وهي عبارة ذات حمولة أيديولوجية معروفة، لكن
السرد يعيد توظيفها نسويًا وإنسانيًا، لا قوميًا خطابيًا. فالصداقة هنا:
لا تقوم على الانتماء الوطني الضيق، بل على تشابه التجربة النسوية في الغربة والعمل.
وبذلك تتحول الصديقات إلى: نساء متجاورات في الألم، لا في الجغرافيا فقط.
-
السرد الجماعي
بوصفه تفكيكًا لوهم العزلة
يكشف الشاهد أن البطلة، عبر تعدد الصديقات من
جنسيات عربية مختلفة، تكتشف أن:
الهموم تتغير شكليًا، لكن جوهر المعاناة واحد.
" ... تعددت صديقاتها من جنسيات عربية
مختلفة، كل منهن تحمل أملًا وألمًا، وإن اختلفت الهموم لاختلاف الأعمار، وتنوّع
التبعات" ( ص 85)
هذا الإدراك ينقل الشخصية من:
الشعور بالعزلة الفردية، إلى الوعي بأن ما تعيشه ظاهرة نسوية مشتركة.
ذرائعيًا، هذه النقلة تُعدّ حركة ديناميكية داخل
السرد، لأنها تعيد تشكيل وعي البطلة بذاتها وبمأساتها.
-
المائدة بوصفها
استعارة سردية جامعة
تفصيل المائدة الطويلة، وتعداد الأطباق من مطابخ
عربية مختلفة، لا يؤدي وظيفة وصفية فقط، بل يُنتج استعارة بالغة الدلالة:
المائدة = فضاء اعتراف، الطعام = ذاكرة وهوية، التعدد = وحدة المعاناة.
هنا يصبح الطعام لغة سردية تحكي ما تعجز الكلمات
عن قوله.
-
الصداقة
النسوية كآلية مقاومة نفسية
نفسيًا، يمثّل هذا التجمع النسوي:
متنفسًا من ضغط الغربة، ومساحة آمنة للكلام غير المحسوب، وتعويضًا عن غياب العائلة.
لكن اللافت أن النص لا يقدّم هذه الصداقة بوصفها
خلاصًا رومانسيًا، بل استراحة مؤقتة في سياق معاناة مستمرة، ما يمنحها صدقًا
سرديًا.
-
الدلالة
الإيحائية التداولية
لا يعلن النص صراحة أن النساء العربيات يعانين
المعاناة ذاته، بل يترك: تكرار
التفاصيل، وتشابه القصص، وتعدد الأطباق، ليُنتج هذا المعنى إيحائيًا، ويجعل القارئ
يستنتجه دون تلقين.
وهنا تتجلّى الذرائعية في أعلى مستوياتها: المعنى يُبنى بالتشارك، لا بالإعلان.
-
وظيفة الشاهد
داخل المستوى الديناميكي
ديناميكيًا، لا يمكن اعتبار هذا المشهد
استطرادًا؛ بل هو:
يبطئ الإيقاع
السردي مؤقتًا، لكنه يوسّع أفق التجربة، ويمنح البطلة قوة نفسية جماعية تفسّر قدرتها على
الاستمرار لاحقًا.
إذ إن السرد لا يتحرك فقط بالأحداث، بل أيضًا بـ
تبدّل أشكال الدعم والوعي.
بالنتيجة: يؤسس هذا
الشاهد لمفهوم السرد الجماعي للمعاناة النسوية، حيث:
تتحول الصداقة إلى بنية سردية، ويتحوّل اليومي (الطعام، الجلسة، الكلام) إلى
فعل مقاومة ناعمة، وتخرج المعاناة
من الفرد إلى الجماعة، دون أن تفقد بعدها الإنساني الحميم.
وبهذا، يُعدّ الشاهد عنصرًا محوريًا في كشف أن
الغربة النسوية ليست تجربة معزولة، بل تجربة مشتركة تُروى جماعيًا بصوت واحد متعدد
الوجوه.
رابعًا: العلاقة الأسرية وسلطة التوقعات
تحضر الأسرة في الرواية بوصفها سلطة معنوية غير
مباشرة، تُلقي بظلالها على قرارات البطلة، خصوصًا ما يتعلق بالاستقرار والزواج
والعمل.
تكشف الرواية عن بنية أسرية لا تمارس سلطتها عبر
القهر الصريح، بل عبر منطق التطمين المشروط وإدارة القلق باسم الخبرة، وهو ما يجعل
السلطة أكثر فاعلية وأشدّ تعقيدًا.
-
السلطة الأبوية
بوصفها (حكمة مطمئنة)
يظهر الأب ( والد حنان) بوصفه: خبيرًا بالحياة والناس، متريّثًا، واثقًا من سلامة اختياره.
"فأبي عميق الخبرة بالحياة والناس… فعادت الطمأنينة لقلبي"
( ص 109)
ذرائعيًا، لا تُمارَس السلطة هنا بالأمر، بل عبر
إنتاج الطمأنينة، ما يجعل البطلة: تطمئن، ثم تُسَلِّم، ثم تتراجع عن أسئلتها. وهذا أخطر أشكال السلطة الأسرية، لأنها: لا تُواجَه، بل تُستبطَن.
-
تسريع الزواج
كاستجابة لضغط التوقّعات لا للرغبة:
القرار بعدم التأخير في إتمام العقد والزفاف:
"إذن، لا مجال للتأخر في إتمام العقد والزفاف في ليلة واحدة"
( ص 110)
يبدو ظاهريًا قرارًا عمليًا (المصاريف،
الاستقرار، الوظيفة)، لكنه ديناميكيًا:
يُغلق مساحة التردّد، ويمنع تراكم المعرفة الحقيقية بالطرف الآخر، ويُقصي الزمن بوصفه أداة كشف.
هنا يتحوّل الزمن من حق معرفي للمرأة إلى ترف
غير مسموح به.
-
الأم والأسرة
بوصفهما جهاز توافق اجتماعي
موافقة العائلة، التي لم تنعقد منذ زمن طويل،
تُقدَّم بوصفها: حدثًا
استثنائيًا، إنجازًا
اجتماعيًا، دلالة اكتمال
الشروط.
"كما نال موافقة مجلس العائلة…" ( ص 110)
نفسيًا، هذا يُحمِّل البطلة عبئًا مضاعفًا: كيف ترفض ما اجتمع عليه الجميع؟ وكيف تُصغي لقلقها الخاص أمام إجماع عاطفي؟
رابعًا: سلطة التوقّعات بوصفها محركًا سرديًا
هذه الشواهد لا تشرح العلاقة الأسرية، بل تحرّك
السرد:
تُسرّع الأحداث، تُقلّص مساحة الاختيار، وتدفع البطلة إلى القبول المرحلي.
وبهذا المعنى، فإن العلاقة الأسرية ليست خلفية،
بل:
قوة ديناميكية تنظّم الإيقاع السردي وتضغط
قرارات الشخصية.
الدلالة النسوية العميقة
تكشف الرواية أن الأسرة لا تُنكر حق المرأة في
الاختيار لفظيًا، لكنها تُعيد
تعريف هذا الحق ضمن شروط جاهزة: العريس مناسب، العائلة موافقة، الظرف ملائم، التأخير غير مرغوب.
وبذلك يتحول الاختيار إلى: اختيار مُدار لا اختيار حر.
بالنتيجة، أن سلطة الأسرة في الرواية: سلطة ناعمة، مطمئنة، قائمة على الخبرة والحب لا على القسر،
لكنها في العمق: تُسرّع القرار، وتُقصي الزمن، وتُضعف صوت القلق الأنثوي.
ومن منظور ذرائعي، فإن هذه السلطة تُشكّل محركًا
ديناميكيًا أساسيًا في الرواية، يفسّر لاحقًا:
التردّد، القلق، والخوف من الحياة غير المختارة.
خامسًا: الزواج والاختيار
"اكتشفت في كل هذه المعمعة كم المظاهر التي
تهم الكبار، وأنهم يعيشون حالة من الانفصام:فهم متعلمون وخريجو جامعات، ومن جيل
عبد الحليم وفيروز ومحرم فؤاد، وحقبة رومانسيات الخمسينات والستينات، وحقوق المرأة
وأهمية اختيار شريك حياتها، وفي الوقت ذاته، فإنهم يفكرون تقريبًا بعقلية آبائهم
وأجدادهم:الأصل والمركز والمصاهرات" (ص 110)
لا يرد هذا الاكتشاف بوصفه رأيًا ثقافيًا
عابرًا، بل بوصفه لحظة ديناميكية تُعيد ترتيب موقف البطلة من الزواج والاختيار،
وتُفسّر حذرها اللاحق من أي قرار لا ينبع من قناعة ذاتية كاملة.
يُعدّ هذا الشاهد من أكثر الشواهد كثافة فكرية
ونفسية في الرواية، لأنه لا يكتفي بتوصيف موقف اجتماعي، بل يكشف عن بنية ذهنية
مأزومة تحكم مفهوم الزواج والاختيار في الوعي الجمعي.
-
دلالة الانفصام
القيمي:
يكشف الشاهد عن انفصام بين الخطاب والممارسة:
خطاب حداثي ظاهري: تعليم، جامعات، جيل الطرب الرومانسي، الحديث عن
حقوق المرأة وحرية الاختيار.
ممارسة تقليدية عميقة: الأصل، المركز، العائلة، المصاهرة، إعادة إنتاج
منطق الآباء والأجداد.
ذرائعيًا، لا يهاجم النص التقاليد مباشرة، بل
يفضح ازدواجية الوعي التي تتبنّى الحداثة بوصفها مظهرًا ثقافيًا، لا منظومة قيم
فاعلة.
-
الزواج بوصفه
مؤسسة ضبط لا خيارًا حرًا:
في هذا الشاهد، يُنزَع عن الزواج بعده العاطفي
والرومانسي، ليُعاد تعريفه ضمنيًا بوصفه: أداة لإعادة إنتاج البنية الاجتماعية، وآلية لضبط المرأة داخل شبكة النسب والمكانة.
وهنا تتبدّى مفارقة مؤلمة: جيل غنّى للحب لكنه مارس الزواج بوصفه ترتيبًا اجتماعيًا.
-
الدلالة
النفسية النسوية
نفسيًا، يكشف الشاهد عن وعي البطلة بكونها
محاصَرة بـ:
خطاب يُظهر تفهّمًا لحقها في الاختيار، وسلوك فعلي يُفرغ هذا الحق من مضمونه.
وهذا يولّد لدى المرأة:
ارتيابًا في نوايا "التقدميين"، وقلقًا من أن يكون الاختيار وهمًا لغويًا لا
واقعًا فعليًا.
-
الدلالة
الإيحائية التداولية
لا يستخدم الشاهد لغة انفعالية أو اتهامية، بل
لغة اكتشاف هادئ: "اكتشفت…"
وهذا الفعل السردي ينقل القارئ من موقع التلقي
إلى موقع المشاركة في الاكتشاف، فيتحول النص إلى:
فعل تداولي يُنتج وعيًا نقديًا، لا بيانًا أيديولوجيًا مباشرًا.
-
دلالة الشاهد
ضمن البنية العامة للرواية
يُعدّ هذا الشاهد نقطة مفصلية في:
تفكيك وهم "الزواج الحداثي"، وربط قضية الاختيار بالقضية النسوية الأوسع، وتفسير خوف البطلة من الحياة غير المختارة.
فرفضها أو اعتراضها على الزواج المفروض لا ينبع من رفض المؤسسة
ذاتها، بل من رفض الانفصام الأخلاقي الذي يحكمها.
وبالتالي، يؤسس هذا الشاهد لرؤية نقدية ترى أن:
المشكلة ليست في التقاليد وحدها، بل في تبنّي الحداثة بوصفها زينة ثقافية، بينما تظل القرارات المصيرية، وعلى رأسها
الزواج، خاضعة لمنطق الأصل والمركز.
وبذلك، يتحول الشاهد إلى إدانة هادئة لزواج بلا
اختيار حقيقي، وإلى تأكيد ذرائعي على أن الحرية لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما
يُمارَس فعليًا.
خلاصة ذرائعية للمحور النسوي
تقدّم رواية "النسيم والهجير" قضية
المرأة عبر:
تجربة العمل، الغربة، العلاقات النسوية، والاختيار الشخصي، دون خطاب نسوي مباشر، بل عبر سرد إنساني تراكمي
يُنتج أثره في وعي القارئ ببطء وعمق. وبهذا، تنجح الرواية في تقديم نسوية سردية
واعية، منسجمة مع المنهج الذرائعي الذي يقرأ النص بوصفه فعلًا تداوليًا مؤثرًا، لا
بيانًا أيديولوجيًا.
خلاصة ذرائعية
يتكامل المستوى الديناميكي بالمستوى النفسي
والمستوى الإيحائي التداولي في الرواية عبر
علاقة سببية دقيقة:
الحالة النفسية تولّد الإيحاء، والإيحاء يصنع الأثر التداولي في وعي المتلقي.
وبذلك، لا تكتفي الرواية بعرض نفس أنثوية قلقة،
بل تجعل القارئ:
يشعر بالقلق، ويتواطأ مع الصمت، ويستنتج القهر دون أن يُملى عليه.
وهنا تتجلّى قوة النص ذرائعيًا، بوصفه نصًا: يُقنع عبر الإحساس، لا عبر الخطاب.
· التجربة الإبداعية في الرواية (مقاربة ذرائعية):
تُقارب الذرائعية التجربة الإبداعية لا بوصفها
سيرة ذاتية للكاتب، ولا باعتبارها ظرفًا خارجيًا محضًا، بل باعتبارها وعيًا سرديًا
متشكّلًا داخل النص، يتجلّى في اختياراته الجمالية، وإيقاعه، وبنيته النفسية،
وطريقة إنتاجه للأثر.
ومن هذا المنظور، تكشف رواية "النسيم
والهجير" عن تجربة إبداعية ناضجة، واعية بأدواتها، ومقصودة في هدوئها،
ومنحازة إلى العمق وليس إلى الإثارة.
أولًا: وعي الكاتب بالإيقاع البطيء بوصفه خيارًا
جماليًا:
لا تُبنى الرواية على حبكة متسارعة أو أحداث
صادمة، بل على إيقاع بطيء متعمّد، يقوم على:
التراكم الشعوري، الطقوس اليومية، والمشاهد المتكررة.
هذا الإيقاع ليس عجزًا عن التصعيد، بل اختيار
إبداعي واعٍ، ينسجم مع طبيعة التجربة (غربة، عمل، قلق نسوي)، ويجعل القارئ شريكًا
في اختبار الزمن النفسي للشخصية.
ذرائعيًا، ينجح هذا الخيار في: إبطاء التلقي، وتعميق الأثر، ومنح النص قدرة على الإقامة في الذاكرة.
ثانيًا: التجربة بوصفها خبرة معيشة مُعاد بناؤها
فنيًا:
تعكس الرواية تجربة غربة وعمل واحتكاك ثقافي،
لكنّها لا تُقدَّم بوصفها تسجيلًا واقعيًا مباشرًا، بل كـ خبرة مُصفّاة فنيًا.
فالمكان (الإسكندرية/الكويت)، والعمل،
والعلاقات، لا تُروى كما حدثت، بل كما أثّرت نفسيًا.
وهنا تتجلّى حرفية التجربة الإبداعية في:
تحويل اليومي إلى دلالة، والاعتيادي إلى سؤال وجودي، والتفصيل الصغير إلى حامل معنى.
ثالثًا: انحياز التجربة إلى النسوية الهادئة
تنبني التجربة الإبداعية في الرواية على نسوية
غير خطابية، لا تصرخ ولا تُنظّر، بل:
تُراكم القلق، وتُظهر الحذر، وتُبرز ثمن الاستقلال.
هذا الانحياز النسوي لا يتجلّى في الشعارات، بل
في:
اختيار زاوية الرؤية، بناء الشخصية الأنثوية الفاعلة، وإعطاء الأولوية للتجربة النفسية للمرأة في
الغربة والعمل.
وهو ما يمنح النص صدقًا إبداعيًا، ويُجنّبه
المباشرة الأيديولوجية.
رابعًا: التكامل بين المستويات بوصفه علامة نضج
إبداعي
تكشف الرواية عن تكامل واضح بين المستويات:
البصري يخدم النفسي، اللغوي يخدم الإيحائي، والديناميكي يخدم الفكرة.
هذا التكامل لا يبدو عفويًا، وإنما يدلّ على:
وعي الكاتب بأثر الصورة، وتحكّمه بالإيقاع اللغوي، وقدرته على ضبط المسافة بين القول والإيحاء.
وهو ما يجعل التجربة الإبداعية متماسكة، غير مفككة.
خامسًا: الأثر بوصفه غاية التجربة
وفق المنهج الذرائعي، تُقاس التجربة الإبداعية
بقدرتها على إنتاج الأثر. وفي "النسيم
والهجير"، يتمثّل هذا الأثر في:
إحساس القارئ بالاختناق دون أن يُقال له ذلك، شعوره بالغربة دون خطاب عنها، وتماهٍ نفسي مع البطلة دون استدرار عاطفي فجّ.
وهذا يدلّ على أن الكاتب:
يثق بقارئه، ويُراهن على ذكائه التأويلي، ولا يفرض عليه موقفًا جاهزًا.
خلاصة ذرائعية للتجربة الإبداعية
يمكن القول إن التجربة الإبداعية في رواية "النسيم
والهجير" هي تجربة:
ناضجة فنيًا، واعية نفسيًا، ومنضبطة جماليًا.
تجربة لا تسعى إلى الإدهاش اللحظي،وإنما إلى الأثر التراكمي، ولا تكتب الغربة بوصفها
حدثًا، وإنما بوصفها حالة وجودية نسوية تُرى وتُحسّ وتُستبطَن.
وبهذا، تنجح الرواية في تقديم نموذج سردي ينسجم
بعمق مع الرؤية الذرائعية التي ترى الإبداع:
فعلًا تداوليًا يُنتج المعنى عبر الإحساس، والإيحاء،
وليس عبر التصريح.
في الختام:
تكشف الدراسة عن نصٍّ
سرديٍّ واعٍ بأدواته، يشتغل على التجربة النسوية في الغربة بوصفها حالة نفسية
ووجودية، وليست حدثًا عابرًا. فقد تضافرت المستويات الفكريّة، والنفسية، والبصرية،
واللغوية، والإيحائية التداولية لتنتج أثرًا سرديًا هادئًا وعميقًا، يقوم على
الإيحاء لا التصريح، وعلى التراكم لا الصدمة. وبذلك تؤسس الرواية لنسق جمالي يراهن
على الأثر البعيد، ويؤكد نضج التجربة الإبداعية وقدرتها على تحويل اليومي إلى معنى
إنساني قابل للتأويل المستمر.
#دعبيرخالديحيي مرسين- تركيا 21 يناير 2026
المراجع
أولًا: مرجع النص المدروس
جمعة، مصطفى عطية. (2023). النسيم والهجير.
القاهرة: دار المثقف للنشر والتوزيع.
ثانيًا: مراجع المنهج الذرائعي
الغالبي، عبد الرزاق عودة. (2019). الذرائعية في
التطبيق (ط. مزيدة ومنقحة). طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.
الغالبي، عبد الرزاق عودة. (2021). الذرائعية
والعقل. بغداد: منشورات اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين.
يحيي، عبير خالد. (2020). أدب الرحلات المعاصرة بمنظور
ذرائعي. القاهرة: دار الحكمة.
يحيي، عبير خالد. (2022). الأدب النسوي العربي
المعاصر بمنظور ذرائعي. القاهرة: دار المفكر العربي.
ثالثًا: مراجع نفسية وثقافية
فرويد، سيغموند. (1985). الأنا والهو (ترجمة
محمد عثمان نجاتي). القاهرة: دار الشروق.
يونغ، كارل غوستاف. (2005). الإنسان ورموزه
(ترجمة فراس السواح). دمشق: دار علاء الدين.
إريك فروم. (1993). الخوف من الحرية (ترجمة عادل
زعيتر). القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.
رابعًا : مراجع النقد النسوي والسرد النسوي
الغذامي، عبد الله. (2000). المرأة واللغة.
الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
سعيد، إدوارد. (2006). الثقافة والإمبريالية
(ترجمة كمال أبو ديب). بيروت: دار الآداب.
خامسًا: مراجع المكان والهوية والاغتراب
باشلار، غاستون. (1984). جماليات المكان (ترجمة
غالب هلسا). بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
إدوارد، سعيد. (2004). تأملات حول المنفى (ترجمة
ثائر ديب). دمشق: دار الآداب.
تعليقات
إرسال تعليق