حين تتكلم الجغرافيا: قراءة ذرائعية تداولية في خطاب الرئيس أحمد الشرع


لم يكن حديث #الرئيس_أحمد_الشرع 
#رئيس_الجمهورية_العربية_السورية عن الطرق الثلجية وطبيعة البلاد الروسية توصيفًا عابرًا لعائق جغرافي، بل فعلًا تداوليًا مكتمل الأركان، اشتغل على اللغة بوصفها أداة سياسة، وعلى التاريخ بوصفه ذاكرة حية وليس أرشيفًا مغلقًا. فالجملة التي قيلت على بساطها الأحمدي، حملت في عمقها رسالة موجهة، لا تخطئ وجهتها، إلى #الرئيس_الروسي_فلاديمير_بوتين وإلى #العقل_الإمبراطوري الذي ما زال يرى الخرائط بوصفها مساحات قابلة للعبور، وليس كيانات قادرة على الرفض.

من #منظور_ذرائعي_تداولي، لا تُقرأ العبارة بما تقوله ظاهرًا، بل بما تفعله في سياقها. 
فالخطاب السياسي لا يعمل على مستوى الإخبار، بل على مستوى إعادة ترتيب المواقع: 
من المتكلِّم، من المخاطَب، ومن يُعاد تعريفه دون أن يُسمّى.

الطبيعة بوصفها فاعلًا سياسيًا:
حين يُسند فعل المنع إلى الطبيعة، لا إلى الجيوش أو التحالفات، تنتقل القوة من الإنسان إلى المكان.
 تصبح الجغرافيا ذاتها فاعلًا أخلاقيًا وسياديًا، وليس مسرحًا محايدًا للصراع.
 في هذا الإسناد، تُسحب الشرعية من الغزو، دون الدخول في خطاب الاتهام المباشر. 
فالغزاة، في منطق العبارة، لم يتراجعوا لأنهم احترموا سيادة البلاد، وإنما لأن البلاد نفسها لم تخضع.
هذا التحويل الذكي يُفرغ القوة العسكرية من معناها الرمزي، ويُعيد تعريفها بوصفها قوة ظرفية، مشروطة، عاجزة عن اختراق البنية العميقة للأرض والتاريخ.

تفكيك سردية (المنقذ):
الخطاب هنا لا يهاجم روسيا بوصفها دولة، وإنما يُسقط عنها #سردية_المنقذ. 
فحين يُدرج التدخل العسكري ضمن سياق الغزوات التي تعثّرت بالطبيعة، يُعاد تصنيف الوجود الروسي، على أيام النظام السابق في سورية، من تحالف إلى محاولة عبور فاشلة.
 وبهذا، تُلغى بأثر رجعي كل اللغة التي حاولت تقديم التدخّل على أنه ضرورة تاريخية أو استجابة لطلب سيادي.

إنها ذرائعية الإزاحة: لا مواجهة، بل إعادة ترتيب للسردية بحيث تسقط وحدها.

#الأرض_المباركة… من الوصف إلى الحكم:
وصف الأرض بالمباركة لا يعمل هنا كاستدعاء ديني مباشر، بل كحكم قيَمي شامل. البركة في هذا السياق تعني:
شرعية الدفاع
قداسة المعاناة
حصانة الذاكرة
ومن يدخل أرضًا موصوفة بهذا المعنى لا يعود فاعلًا سياسيًا محايدًا، بل طرفًا في اختبار أخلاقي.
 وهنا تتحول السياسة إلى سؤال وجودي: من يحق له العبور؟ ومن يُلفَظ مهما طال مقامه؟

الرسالة غير المنطوقة:
في التداولية السياسية، ما لا يُقال غالبًا أهم مما يُقال. والرسالة التي وصلت إلى موسكو يمكن تلخيصها في منطق واحد:
هذه البلاد (سوريا)  لا تُدار بالقوة، ولا تُحتوى بالتحالفات، ولا تُختصر في نظام سقط.
إنه إعلان سيادة بلغة غير صدامية، لكنه حازم. سيادة لا تُرفع كشعار، بل تُزرع في الجملة نفسها، في طريقة إسناد الأفعال، وفي اختيار المفردات.

بين السياسة والأدب:
ما يمنح هذا الخطاب قوته ليس مضمونه السياسي فقط، وإنما بنيته الأدبية؛ فاستدعاء الطبيعة، والثلج، والطرق، يحوّل الخطاب من بيان إلى صورة، ومن موقف إلى مشهد. وهنا يلتقي السياسي بالأدبي: حيث تصبح الجملة ساحة مقاومة ناعمة، ويغدو المعنى أداة ردع.

خلاصة:
في هذا الخطاب، لم يقل الرئيس الشرع إن الغزاة فشلوا، وإنما قال إن الأرض نجت. 
والفرق بين العبارتين هو الفرق بين منطق القوة ومنطق المعنى. فالقوة تُهزم أو تنتصر، أما المعنى فيبقى، يعيد تشكيل نفسه، ويُسقط الغزاة واحدًا تلو الآخر… بصمت الجغرافيا.

#دعبيرخالديحيي

تعليقات