من الجغرافيا إلى الخطاب: كيف يتكلم الاتفاق حين تنهزم اللغة المسلحة؟ قراءة أدبية تداولية في اتفاق اليوم بين الدولة السورية وقسد
لم يكن اتفاق اليوم بين الجمهورية العربية السورية وقوات سوريا الديمقراطية حدثًا سياسيًا معزولًا، بقدر ما كان تحوّلًا لغويًا فرضته الجغرافيا.
فحين تنكمش المساحة، تتبدل المفردات، وحين تفقد القوة امتدادها، تبدأ اللغة بالبحث عن مخارج أقل صخبًا وأكثر قابلية للبقاء.
قبل أسابيع فقط، كانت قسد تتكلم من علٍ:
لغة "الإدارة"، "النفوذ"،
"الربع السوري"، "الكيان القائم".
اليوم، وبعد انحسار السيطرة من خمسين ألف كيلومتر إلى بقع متفرقة لا تتجاوز بمجملها الألف كيلومتر مربع، لم تعد اللغة قادرة على حمل هذا التعالي. الخطاب نفسه اضطر إلى النزول عن المنصة.
الجغرافيا بوصفها مُنتِجًا للخطاب:
في التحليل التداولي، لا تُفهم اللغة بمعزل عن سياق القوة.
وما جرى اليوم يؤكد قاعدة أساسية:
من يملك الأرض يملك صيغة الكلام عنها.
حين كانت قسد تمتد على مساحات واسعة، كانت لغتها لغـة تقريرية:
نحن نُدير
نحن نُقرر
نحن نمثل
لكن تقلص السيطرة حوّل الخطاب إلى لغة تبريرية تفاوضية:
نندمج
ننسّق
نعيد التموضع
هذا التحول ليس سياسيًا فقط، بل تحول في أفعال الكلام نفسها:
من أفعال إنجازية آمرة إلى أفعال التماس وضبط خسارة.
الاتفاق كفعل كلام اضطراري:
الاتفاق هنا لا يُقرأ بوصفه "تسوية"، بل بوصفه فعل كلام اضطراري (Speech Act under Pressure).
قسد لم توقّع لأنها اختارت، بل لأنها فقدت القدرة على الاستمرار بنفس اللغة القديمة.
في التداولية، نميز بين:
القول من موقع الفعل
والقول من موقع النجاة
وهذا الاتفاق ينتمي بوضوح إلى الصنف الثاني.
لغة البنود (الدمج، الانسحاب، إعادة الانتشار، تثبيت الموظفين)
هي لغة تقليص الخسائر، لا لغة شراكة متكافئة.
الدولة واستعادة اللغة السيادية:
في المقابل، يظهر خطاب الدولة السورية اليوم هادئًا، أقل انفعالًا، وأكثر تقريرية.
وهذا بحد ذاته علامة قوة تداولية.
الدولة لا تحتاج إلى المبالغة،
ولا إلى الشتم،
ولا إلى نفي الآخر لغويًا،
لأنها استعادت ما هو أهم:
حق التسمية وحق التنظيم وحق الإطار.
في التداولية السياسية، من يملك "الإطار" لا يحتاج إلى رفع الصوت.
تفكك خطاب الانفصال:
الأهم في هذا الاتفاق ليس ما كُتب، بل ما سقط من اللغة ولم يُكتب:
سقطت مفردات "الفيدرالية الواقعية"
سقط خطاب "الخصوصية الخارجة عن الدولة"
سقط ادعاء "التمثيل الحصري"
هذا السقوط ليس قرارًا، بل نتيجة عجز لغوي عن الاستمرار حين لم تعد الجغرافيا تدعمه.
الخطاب الانفصالي، في جوهره، خطاب توسّع.
وحين ينكمش المجال، يتحوّل إلى خطاب دفاعي ثمّ إلى صمت تفاوضي.
التداولية الأخلاقية للاتفاق:
من منظور تداولي أخلاقي،
الاتفاق لا يُقاس بالشعارات، بل بـ وظيفته التواصلية:
خفّض منسوب العنف
أعاد الصراع إلى لغة الدولة
أنهى منطق "الكيانات المؤقتة" دون حرب شاملة
وهنا تكمن قوته:
ليس لأنه انتصار لغوي صاخب،
بل لأنه أنهى لغة السلاح وأعاد الجميع إلى لغة الإطار العام.
خاتمة:
حين تتكلم الهزيمة بصيغة تفاهم
ما جرى اليوم ليس مجرد اتفاق،
بل درس تداولي في السياسة:
حين تنهزم اللغة المسلحة،
لا تختفي…
هي فقط تغيّر نبرتها.
قسد لم تُهزم فقط عسكريًا،
بل تخلّت قسرًا عن خطابها السابق،
وهذا هو التحول الأعمق.
أما الدولة السورية،
فلم تنتصر بالصوت العالي،
بل باستعادة القدرة على تعريف المكان والهوية والسلطة داخل جملة واحدة اسمها: الدولة.
#دعبيرخالديحيي
تعليقات
إرسال تعليق