(نكون أو لا نكون): قراءة ذرائعية تداولية في مفارقة الشعار والرمز:
حين يُرفَع في مظاهرةٍ ما علم إسرائيل، وتُحمل صور بنيامين نتنياهو إلى جانب صور حكمت الهجري وموفّق طريف، ثم يُسمّى الحدث بشعار وجودي ثقيل مثل: (نكون أو لا نكون)، فإن السؤال لا يعود سياسيًا فحسب، ولكن يصبح سؤالًا تداوليًا أخلاقيًا:
كيف يمكن للشعار أن يقول شيئًا، بينما الرمز يقول نقيضه؟
من منظور ذرائعي تداولي، لا تُقرأ المظاهرة من نوايا منظّميها فقط، بل من الأثر الذي تُنتجه علاماتها في الوعي الجمعي.
أولًا: انفصال الشعار عن الرمز
شعار (نكون أو لا نكون) ينتمي لغويًا إلى حقل الوجود والكرامة والمصير.
إنه شعار يستدعي:
الدفاع عن الهوية
التمسك بالأرض
رفض الإلغاء
لكن رفع علم دولة تُعرِّف نفسها تاريخيًا بأنها دولة احتلال في الوعي العربي الجمعي، يحوّل الشعار من:
سؤال وجودي عن الكرامة
إلى
سؤال وجودي عن الارتهان
ذرائعيًا: الرمز أقوى من الشعار.
فالناس لا تتلقى الكلمات، بل تفكّ شيفرة الصور.
ثانيًا: التداولية البصرية أقوى من الخطاب:
في التحليل التداولي، الصورة ليست مرافقة للحدث، بل هي الحدث نفسه.
الصورة التي تُلتقط لمتظاهر يرفع علم إسرائيل لا تحتاج إلى تفسير لغوي.
هي رسالة مكتملة تقول:
"الحماية تُطلب من الخارج، لا من الداخل"
وهنا يقع التحول الأخلاقي الأخطر: من مواطِن يطالب بحقوقه إلى جماعة تستدعي قوة خارجية ضد نسيجها الوطني.
ثالثًا: الكرامة بين المفهوم والممارسة:
الكرامة في السياق السوري والعربي ليست فكرة نظرية، بل مرتبطة بثلاثية:
الأرض
السيادة
الاستقلال
وعندما يُستبدل طلب الكرامة بطلب الحماية من جهة تُعدّ في المخيال الجمعي خصمًا تاريخيًا، فإن الكرامة تتحول تداوليًا إلى:
استقواء لا استقواء به
أي أن الفعل الذي يُفترض أن يحمي الكرامة، يُنتج صورتها المنقوصة.
رابعًا: المفارقة الذرائعية:
الذرائعية تسأل دائمًا: ما النتيجة التي يُنتجها الفعل؟
النتيجة هنا ليست:
التعاطف مع المظلومية، وإنما
إعادة تعريف الحراك كله بوصفه ارتهانًا خارجيًا، وبذلك ينتقل الحدث من كونه:
مطالبة سياسية داخلية
إلى
إشارة سياسية خارجية
خامسًا: من "نكون" إلى "بمن نكون؟":
الشعار الوجودي يفترض سؤالًا داخليًا:
كيف نكون داخل وطننا؟
لكن الرمز المرفوع يطرح سؤالًا مختلفًا:
بمن نكون؟
وهذا التحول هو جوهر الأزمة التداولية.
خاتمة: أين الكرامة؟:
الكرامة لا تُقاس بما يُقال في الشعارات، وإنما بما تُفصح عنه الرموز دون كلام.
وعندما تتناقض الرموز مع الشعارات،
يفقد الشعار صدقيته الأخلاقية،
ويتحول إلى غطاءٍ لغويٍّ لفعلٍ بصريٍّ يهدم معناه.
في القراءة الذرائعية التداولية، الكرامة هنا لا تُسأل في الكلمات،
بل تُسأل في الصور.
والصورة — في هذا الحدث — قالت شيئًا مختلفًا تمامًا عمّا أراد الشعار قوله.
#دعبيرخالديحيي
تعليقات
إرسال تعليق