بلاغة الرحيل: قراءة ذرائعية في النص المفتوح «من أعماق الرحيل» للكاتب المغربي مجد الدين سعودي بقلم د. عبير خالد يحيي
قراءة نقدية تتناول نص «من أعماق الرحيل» بوصفه فعلًا لغويًا ينجز قرار الفراق، ويحوّل البوح من حالة وجدانية إلى موقف معرفي وأخلاقي.
ينفتح نص «من أعماق الرحيل» لمجدالدين سعودي بوصفه فعلًا لغويًا مقصودًا أكثر من كونه تفريغًا عاطفيًا، إذ تتحرك الكتابة منذ الاستهلال باعتبارها ممارسة ذرائعية تسعى إلى إنجاز غاية محددة، هي تهيئة الذات لقرار الرحيل عبر الاعتراف والبوح ثم التفويض النهائي. فالرحيل لا يُقدَّم كحدث طارئ، بل كمسار فكري ونفسي متدرّج، تبدأ ملامحه منذ الجملة الأولى التي تساوي بين الرحيل والموت، وبين الوصول والولادة، بما يجعل النص مشدودًا إلى منطق الأثر لا إلى منطق الحكاية.
يُعاد تشكيل الحنين داخل النص لا كحالة وجدانية رومانسية، بل كأداة وعي وآلية استدعاء تُستخدم لتفكيك العلاقة لا لإحيائها. فالحنين هنا لا يعمل لصالح الاستمرار، بل لصالح الكشف، كشف هشاشة الرابط واستحالة العودة إلى «جنة غابرة». لذلك تتكثف الإحالات الشعرية بوظيفتها التداولية، حيث يتحول الاقتباس إلى شاهد ثقافي يشرعن الفقد ويمنحه معنى، لا إلى زينة لغوية.
وحين ينتقل النص إلى إعلان الحب، لا يفعل ذلك بوصفه ذروة عاطفية، بل باعتباره آخر ما يمكن قوله قبل الانهيار. فـ«أحبك» هنا ليست وعدًا، بل ختمًا، أشبه بتوقيع أخير على وثيقة فشل مؤجل. من هذه النقطة يبدأ التحول الذرائعي الأهم، حيث يتخلى الخطاب عن البحث عن مذنب، ويعلن الفشل المشترك بوضوح صادم، قاطعًا الطريق على أي محاولة للتماهي مع دور الضحية أو الجلاد، ومعيدًا توزيع المسؤولية أخلاقيًا بين الطرفين.
يتعمق هذا التفكيك حين تتحول الذات إلى «اللا أنا»، ويتحوّل الآخر إلى «اللا أنت»، في إشارة إلى انهيار الهوية العاطفية المشتركة، لا إلى غياب الحب فقط. هنا يتبدّى المنظور الذرائعي بوضوح، إذ تُقرأ العلاقة بوصفها مشروعًا فقد وظيفته الوجودية، ولم يعد قادرًا على إنتاج معنى أو استقرار، فغدا الانفصال نتيجة منطقية لا صدمة مفاجئة.
يتحوّل الرحيل لاحقًا إلى خيار واعٍ، لا إلى رد فعل انكساري. فالسفر إلى المجهول يُعرَّف صراحة بوصفه إيمانًا بالفشل، أي اعترافًا نهائيًا بعدم جدوى الاستمرار. وبهذا المعنى لا يمجّد النص الرحيل، بل يبرّره ذرائعيًا باعتباره الإجراء الوحيد الممكن بعد استنفاد البدائل، حيث تتحول الذاكرة الغنائية إلى أرشيف خيبة لا إلى ملاذ حنين.
في مقطع «الموت الرحيم»، يبلغ النص ذروته الرمزية، إذ يتحول القلب إلى مركز قرار لا إلى ضحية فقط. وتعمل استعارة الصعود والهبوط بوصفها تفسيرًا لدورة الاستنزاف الطويلة، حيث لا يكون الفشل لحظة واحدة، بل مسارًا تراكميًا من المحاولة وسوء التقدير، ما يجعل الانهيار نتيجة طبيعية لا حدثًا مفاجئًا.
تدخل الرؤيا بوصفها مساحة تفسيرية موازية، لا خروجًا عن مسار النص، حيث يعاد تعريف الموت بوصفه رحمة، ويُمنح الفناء معنى تحرريًا يحرر الذات من الدوران العبثي. الرؤيا هنا لا تتنبأ، بل تُقنع، وتعمل على تهيئة الوعي لقبول النهاية دون مقاومة إضافية.
في المقاطع الأخيرة يهدأ الإيقاع، وتُستعاد البدايات لا بوصفها فقدًا، بل طهارة مكتملة زمنها، فيما تُقبل النهايات باعتبارها ضرورة تطهيرية. ويُطرح النسيان لا كخيانة، بل كتمرين على العيش، وكآلية بقاء بعد استنزاف المعنى.
بهذا المعنى، ينجز نص «من أعماق الرحيل» فعلًا أكثر مما يصف حالة. إنه كتابة تتخذ من اللغة وسيلة لاتخاذ قرار، ومن البوح أداة إغلاق، ومن الرحيل موقفًا معرفيًا وأخلاقيًا، لا مجرد انكسار عاطفي. نص لا يطلب التعاطف بقدر ما يسعى إلى الإقناع، ولا يحتفي بالألم بقدر ما يعمل على احتوائه، ليجعل من الخسارة تجربة قابلة للفهم لا جرحًا مفتوحًا.
النص:
مجدالدين سعودي: (من أعماق الرحيل)
استهلال
سيدتي الأبية...
الرحيل سفر: قد يكون نحو المجهول، قد يكون نحو الموت،قد يكون حدسا، رؤيا، رؤية، إحساسا داخليا، ف (كل رحيل هو نوع من الموت، وكل وصول هو نوع من الولادة). 1
سأشتاق لك، وسأكتب: (الحنين هو مسامرة الغائب للغائب، والتفات البعيد إلى البعيد) 2
والحنين هو حب ثابت، لا متغير ولا مثيل له...
1 حنين وشوق
سيدتي الأنيقة...
لا أعرف كيف أخاطبك؟ لا أعرف كيف أجاملك؟ ولا أعرف كيف أسايرك؟
ومع هذا ليس سرا ان قلت لك: أحن اليك دوما... و(تحن الكرام لأوطانها حنين الطيور لأوكارها) 3
هل أجتر أمامك سنفونية الشوق والحنين والذكريات الجميلة وكل المشاكسات والمشاحنات وتنافر الآراء وتباعدها...
صدقيني: (لولا الحنين إلى جنة غابرة لما كان شعرُ ولا ذاكرة ولما كان للأبدية معنى العزاء) 2
وبكل حنين وشوق، أعلن: (أحبك)...
2 في الفشل معا
سيدتي الجميلة...
لا أحمل لك في قلبي الا الحب ومزيدا من الحب...في بوحي قوة وتجرد من الأنا...
لقد كنت قاسيا معك عدة مرات... في تلك القسوة نخوة وحنية معا..
قد أكون (أنا، أنت) ... وقد تكونين (أنت، أنا) ...
ومع هذا سأعلنها صراحة: فشلنا فشلا ذريعا...
قد لا نملك الشجاعة ذات رحيل بعيد، وقد لا نملك شجاعة الفرسان لنعلن معا: (فشلنا... فشلنا.. فشلنا...)
ولعملة الفشل هذه وجهان: وجهي أنا (اللا أنا) ووجهك أنت (اللا أنت) ...
في الفشل نحن متساويان... لقد خسرنا المعركة معا: فلا أحد انتصر في معركة الفشل هذه...
وأتذكر حليم وهو يغني بألم وحزن:
(وسترجع يومًا يا ولدي *** * مهزومًا مكسورَ الوجدان
وستعرف بعد رحيل العمر *** بأنك كنت تطارد خيط دخان
فحبيبة قلبك ليس لها *** أرضٌ أو وطنٌ أو عنوان
ما أصعب أن تهوى امرأةً *** يا ولدي ليس لها عنوان) 4
سيدتي السامقة..
سأسقط وسأقاوم السقوط...
سأهزم وسأقاوم الهزيمة..
سأموت وسأقاوم موتي...
لكن (من يخسر كل مصادر سعادته، لا يهمه في أي هُوَّة سقط) 5
3 سفر نحو المجهول
سيدتي الغالية...
أعرف أنني سأسافر الى وجهة مجهولة، ليس هروبا، بل ايمانا بالفشل...
سأذهب بعيدا بدون رفيقة... سأطوي الصفحات وأغلق كتاب العشق الى الأبد..
فلم يعد هناك متسع للأحلام الجميلة، لم يعد هناك أمل في رؤية بصيص نور...
لم تعد هناك رؤية ورؤيا... فالظلام يعم الكون..
ألم تغني لنا أم كلثوم:
(يا فُؤَادِي لا تسلْ أين الهَوَى كَانَ صَرْحًا مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى
اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى
كَيْفَ ذاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَرًا وَحَدِيْثًا مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَى) 6
فهوت الأحلام، وهوى الهوى...
وكانت الهاوية تنتظرنا...
آه وأنا أردد:
(في الرَّحيل أُحبُّك أُكْثَرْ
أفْرغُ الرّوح منْ آخِر الْكلمات: أُحبُّك أَكْثَر
في الرحيل تَقودُ الفراشات أَرْواحَنا، في الرَّحيلْ
نتذكَّرُ زر الْقميص الَّذي ضاع منّا، ونَنْسى
تاجَ أَيّامن....) 2
4 في الموت الرحيم
سيدتي السامقة...
سأترك قلبي ينزف حد الموت، وأقول له: توقف عن النبض، فان كنت (قلب الحياة النابض ونبراس الحب) و(طريق السعادة)، فلم يعد بعد اليوم وجود أمل أو تفاؤل أو سعادة...
فمت أيها القلب التعيس والبئيس وارحل الى كوكب آخر جد بعيد، حتى ولو كان الموت حلا نهائيا...
ومع سكرات الموت، لا بد من الاعتراف لهذا القلب المتعب:
أيها القلب الميت: (وفي موت القلب نهاية الحياة) ...
أتأسف، لأننا لم نستطع الاندماج... وهل يندمج القمر والشمس في الفلك؟
أتأسف، لأننا لم نستطع الاتحاد، وهل يتحد القرب والبعد معا؟
أتأسف، لأننا بقينا ندور في دائرة مغلقة، فلم نتقدم خطوات الى الأمام، بل كنا نتراجع خطوات الى الوراء، وكنا كسيزيف نصعد نحو قمة الجبل حاملين صخرة (الفشل وسوء التفاهم وبئس التقدير ...)، وكلما تعبنا، وضعنا الصخرة جانبا، فتتدحرج الصخرة، ونعود لنقطة البداية (نقطة النهاية) ...
ولهذا تحمل القلب المتعب صخرة (الصعود والهبوط) حتى استنزفت قواه..
وتعب القلب وآمن بأن: ((الفراق، هو الموت الصغير) 7
ومات القلب ومات سيزيف معه بعد أن تحطمت الصخرة على رأسه...
5 رؤيا
سيدتي الشامخة...
ورأيت فيما يرى النائم:
تشتت الصخرة، تصدع الجبل، نفير وصفير، كفن أبيض، قبري في صحراء قاحلة...
أصبحت السماء حمراء...
تعالت أصوات الملائكة: أيها القلب المتعب، مت واقفا كما (تموت الأشجار واقفة)..
الموت رحمة...
الموت حياة...
6 روعة البدايات والنهايات
سيدتي الرائعة..
ستذكرين ذات (حداد) روعة البدايات...
ستذكرين - ورب العزة - طهارة البدايات...
وأكيد ستذكرين كذلك روعة النهايات...
وستومنين بأن الموت تطهير وخلاص: ف (الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء…) 2
خاتمة
سيدتي الكريمة...
قريبا سأكون بعيدا وسيكون الغياب هذه المرة طويلا... ولعلك تتذكرين (واحساسك كان صادقا وحارقا وصادما): (أجمل قصص الحب تنتهي حزينة) ...
كل ما أستطيع قوله سيدتي الرائعة:(شاق هو الفراق الأبدي ومع ذلك علينا أن نتدرب على النسيان لنستطيع العيش) 8
وأجمل ما أختم به:
(أأقـول أحبك يا قمـري؟)
آهٍ لـو كـان بإمكـاني
فأنـا إنسـانٌ مفقـودٌ
لا أعرف في الأرض مكاني
ضيعـني دربي.. ضيعـني
إسمي.. ضيعـني عنـواني
تاريخـي! ما لي تاريـخٌ
إنـي نسيـان النسيـان
إنـي مرسـاةٌ لا ترسـو
جـرحٌ بملامـح إنسـان) 2
مجدالدين سعودي. المغرب
احالات
1 الممثل الأمريكي ترنر ويليس
2 محمود درويش
3 محيي الدين الخطيب
4 نزار قباني
5 الفنان والكاتب والشاعر بايرون
6 إبراهيم ناجي
7 عبد الرحمن منيف
تعليقات
إرسال تعليق