من خطاب الفيدرالية إلى لغة الخصوصيةقراءة: تداولية تطبيقية في تحوّل خطاب قسد بعد اجتماع أربيل

لم يكن اجتماع أربيل الذي جمع وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو مع مظلوم عبدي وقيادات قوات سوريا الديمقراطية حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولكن شكّل لحظة لغوية وسياسية كاشفة لانتهاء مرحلة كاملة من الخطاب، وبداية أخرى مغايرة في الجوهر والدلالة. فالتحوّل الذي طرأ على لغة قسد بعد الاجتماع لا يمكن قراءته بوصفه خفضًا تقنيًا في سقف المطالب فحسب، بل بوصفه إعادة تعريف شاملة للموقع التخاطبي، وللدور الذي باتت تتحدث منه وإليه.
في الخطابات السابقة، كانت قسد تُنتج لغتها من موقع الفاعل السياسي الساعي إلى إعادة تشكيل بنية الدولة، مستخدمة معجمًا يحيل إلى السلطة والإدارة والشرعية الدستورية، حيث شكّلت مفردات مثل (الفيدرالية والحكم الذاتي والإدارة اللامركزية) نواة الخطاب السياسي، ومنحته شحنة تفاوضية عالية مع الدولة السورية، وإن لم تخلُ من توتر وصدام ضمني مع مفهوم الدولة المركزية. 
غير أن خطاب أربيل يكشف، تداوليًا، عن انسحاب هذه المفردات من المشهد، وحلول معجم بديل أقل حدّة وأكثر قابلية للاحتواء، يتمحور حول الخصوصية الثقافية والحقوق والمشاركة والضمانات.
 هذا التحول المعجمي ليس تفصيلًا لغويًا، بل فعل تداولي محسوب، يعكس إدراكًا بأن المطالبة بإعادة هندسة الدولة لم تعد ممكنة في السياق السياسي المستجد.

تداوليًا، ما يلفت في خطاب قسد بعد الاجتماع هو أن المسكوت عنه صار أكثر فاعلية من 
المنطوق. 
فحين تُعلن القيادة أنها تطالب بخصوصية ثقافية ضمن الدولة السورية، فإنها لا تصرّح صراحة بالتخلّي عن مشروع الفيدرالية، لكنها تُضمِره بوصفه خيارًا خرج من دائرة الممكن السياسي.

 السكوت عن البنية الدستورية هو تنازل عنها، والسكوت عن الصلاحيات الإدارية هو قبول بإعادة دمجها في المركز، والسكوت عن مسألة السلاح هو إقرار غير مباشر بأن مرحلة إعادة الهيكلة أو الدمج باتت أقرب من أي وقت مضى. 
هنا تؤدي اللغة وظيفة الاحتواء والتمهيد، لا وظيفة الإعلان والمواجهة.

أما الدور الفرنسي، فيظهر في هذا الخطاب بوصفه دور الوسيط الذي يواكب التحوّل ولا يقوده. فخطاب باريس، كما تجلّى في تصريحات بارو، ظلّ وفيًّا لمفردات ثابتة: وحدة سوريا، محاربة داعش، تنفيذ الاتفاق. 
لم يظهر في الخطاب الفرنسي أي تبنٍّ صريح لمطلب الفيدرالية، ولا أي إشارات إلى ضمانات سياسية تتجاوز إطار الدولة السورية الواحدة.

 تداوليًا، هذا يعني أن فرنسا لم تعد شريكًا في صياغة المشروع السياسي لقسد، بل طرفًا يسعى إلى تنظيم عملية الانتقال من خطاب المطالبة إلى خطاب التسوية بأقل قدر من الارتدادات.

في هذا السياق، يبرز تحوّل موقع مظلوم عبدي نفسه داخل الخطاب. لم يعد يتحدث بصفته قائد مشروع سياسي ذي أفق بنيوي، بل بوصفه مدير مرحلة انتقالية، تُختزل مهمته في التنفيذ والتنسيق وضبط الإيقاع الداخلي. 
لغته تتسم بتخفيف حضور الذات، وتعظيم الاتفاق، والإحالة المستمرة إلى مسار التنفيذ، وهو ما يشير تداوليًا إلى انتقال القيادة من موقع المبادرة السياسية إلى موقع التكيّف مع موازين القوى الجديدة.

ومن منظور تداولي أوسع، يمكن القول إن خطاب أربيل يمثّل لحظة إعادة تموضع لغوي كبرى، حيث انتقلت اللغة من لغة تفاوض على شكل الدولة إلى لغة تفاوض على شروط الاندماج داخلها. 
فالخصوصية الثقافية هنا لا تعمل بوصفها مطلبًا سياسيًا قائمًا بذاته، بقدر ما تعمل بوصفها صيغة لغوية تحفظ الحد الأدنى من الرمزية بعد انحسار مشروع الفيدرالية، وتعيد تعريف التراجع على أنه تسوية عقلانية فرضتها الوقائع.
هكذا، لا يعلن خطاب قسد نهاية وجودها، لكنه يعلن بوضوح نهاية خطابها السابق. 

وما جرى في أربيل هو إعلان غير منطوق عن سقوط لغة الفيدرالية، قبل أن يكون إعلانًا عن تغيير في السياسة. 
ففي الخطاب السياسي، كما في التداول، حين تتغيّر اللغة، يكون الواقع قد تغيّر قبلها، ولا تفعل اللغة أكثر من تسجيل هذا التحوّل بصيغة أقل حدّة وأكثر قابلية للتصريف.

هكذا، لا يعلن خطاب قسد نهاية وجودها، لكنه يعلن بوضوح نهاية خطابها السابق. وما جرى في أربيل هو إعلان غير منطوق عن سقوط لغة الفيدرالية قبل أن يكون إعلانًا عن تغيير سياسي مباشر. ففي الخطاب السياسي، كما في التداول، حين تتغيّر اللغة يكون الواقع قد تغيّر قبلها، ولا تفعل اللغة أكثر من تسجيل هذا التحوّل بصيغة أقل حدّة وأكثر قابلية للتصريف. 
ويأتي هذا التحول متقاطعًا مع مبادرة استباقية من القيادة السورية أدركت مبكرًا أن إدارة الملف لا تكون أمنيًا فقط، بل دلاليًا وتشريعيًا أيضًا. فمعالجة مسألة منح الجنسية والهوية السورية للأكراد أعادت تعريف الانتماء من موقع الإقصاء إلى موقع المواطنة، فيما أسهم إدراج اللغة الكردية في التعليم المحلي ضمن مدارس مناطقهم في تثبيت الخصوصية بوصفها حقًا ثقافيًا لا مشروعًا سياسيًا موازِيًا. ويكتمل هذا المسار الرمزي مع إقرار عيد النيروز عطلة رسمية، باعتباره اعترافًا جامعًا يُعيد إدماج الذاكرة الثقافية في الزمن الوطني المشترك دون مساس بوحدة الدولة.

تداوليًا، سحبت هذه الخطوات وظائف التبرير من خطاب قسد، وضيّقت المسافة بين مطلب الخصوصية ومفهوم المواطنة المتساوية، فانتقلت الدولة من موقع ردّ الفعل إلى موقع إدارة المعنى قبل إدارة الملف. ومن هنا يمكن فهم انحسار اللغة الفيدرالية لصالح لغة الحقوق الثقافية، لا بوصفه تنازلًا لغويًا فحسب، بل نتيجة إعادة ترسيم لحدود الممكن داخل الدولة السورية. المستقبل، في هذا السياق، مرهون بقدرة الأطراف على تثبيت هذا التحوّل في بنية القوانين والمؤسسات، بحيث لا تعود اللغة أداة ضغط ظرفية، بل جسر اندماج طويل الأمد، تُدار عبره التعددية بوصفها ثراءً وطنيًا لا ذريعة سياسية.

تعليقات