غرق المخيمات في غرب إدلب مع أمطار متوقعة: من الطبيعة إلى المساءلة
لا تفاجئ الأمطار أحدًا في شباط.
الخرائط الجوية، نشرات الطقس، تحذيرات الدفاع المدني، ذاكرة الأعوام السابقة… كلها تقول إن الشتاء سيأتي محمّلًا بالمياه.
ومع ذلك تغرق الخيام.
هنا لا يعود السؤال: لماذا هطل المطر؟
بل يصبح: لماذا بقي الإنسان مكشوفًا تحته؟
التحوّل التداولي في المعنى
في التحليل التداولي، المعنى لا ينتج من الكلمات وحدها، بل من العلاقة بين القول والفعل.
إذا قيل:
النازحون أولوية.
لكن:
لا توجد قنوات تصريف،
لا تُرفع الخيام عن مستوى الأرض،
لا يتم نقل المخيمات من مجاري السيول،
لا تُنشأ مساكن مسبقة الصنع قبل الشتاء،
فإن الرسالة الفعلية التي تصل للمتلقي ليست "أنهم أولوية"، بل أنهم مؤجَّلون.
اللغة هنا تُكذَّب بالواقع.
ماذا يعني التوقّع؟
التوقّع في الإدارة يعني ثلاثة أمور:
الاستباق
الوقاية
تقليل الخسائر
إذا غابت هذه العناصر، فإن التوقّع يتحول إلى دليل إدانة لا إلى عذر.
لأن المعرفة المسبقة بالخطر تخلق واجبًا مضاعفًا.
من خطاب الطبيعة إلى خطاب التقصير
عندما نقول:
السيول جارفة
نحن نصف قوة الطبيعة.
لكن عندما نعلم أنها ستأتي، ولا نغيّر شيئًا في بنية الحماية، فنحن ننتقل إلى توصيف آخر: هشاشة القرار.
أين تكمن الفجوة التداولية؟
الفجوة تقع بين:
● خطاب التحرير
● وخطاب الرعاية بعد التحرير
التحرير يَعِدُ بالاستقرار.
النازح يفهم منه الأمان.
لكن حين تغرق خيمته، أو يبقى في خيمته، يتبدل التأويل:
التحرير لم يصل إليه بعد.
صورة الدولة في الوعي الجمعي:
في الأزمات المتوقعة، الناس لا تختبر الطقس، وإنما تختبر قدرة المؤسسات.
كل خيمة غارقة تصبح جملة سياسية.
كل طفل يرتجف يتحول إلى سؤال عن الأولويات.
كل ليلة مطر تعيد فتح ملف الثقة بالحكومة والوزارات المعنية
لماذا لم يُعالج الأمر حتى الآن؟
التداولية لا تبحث فقط عمّا قيل، بل عمّا لم يُنجز رغم القدرة عليه.
وهنا تظهر احتمالات مثل:
البيروقراطية
ضعف التنسيق
بطء التمويل
غياب خطة طوارئ واضحة
أو تشتت المسؤوليات بين جهات عدة
لكن مهما كان السبب، المتلقي يرى النتيجة ذاتها:
الضرر يتكرر.
وتكرار الضرر مع التوقّع يعني أن الحدث لم يعد طارئًا… بل بنيويًا.
بالنتيجة:
عندما تكون الكارثة متوقعة ولا تُمنع،
فإن المعنى الذي يتشكل في وعي الناس هو:
لم نكن في سلم الأولويات بعد.
وهذا أخطر من الطوفان نفسه.
تعليقات
إرسال تعليق