مونودراما: الخيمة التي اتهمت العالم

(ظلام.
ريح تجرح القماش.
ضوء بارد يكشف خيمة مهترئة.
الصوت أقدم من الحرب.)

أنا الخيمة.
لا تبحثوا عن اسمي في نشرات الأخبار،
ولا في خرائط المساعدات.
اسمي يُمحى كل يوم
كي يبقى وجعكم نظيفًا.

نصبتموني بسرعة،
كما توضع فاصلة
في جملة موتٍ طويلة.
ومنذ تلك اللحظة
وأنا أبتلع البشر.

دخل إليَّ أولهم وهو يركض.
كان يحمل بيتًا على كتفيه،
ولم ينتبه
أنه أسقطه عند الباب.

دخلت امرأة،
وضعت أطفالها في حضني،
وجلست خارجي.
قالت:
الأمهات لا يحتجن سقفًا،
الأطفال يحتاجونه.

رجلٌ آخر ظلّ واقفًا.
كان يخاف أن يجلس،
فتعترف الأرض
أنه لن يعود.

عجوزٌ نامت،
وأوصتني إن متُّ
أن أبقى مفتوحة
ليعرف الطريق
من يجيء بعدها.

طفلةٌ سألتني:
هل تكبرين إذا بكيتُ أكثر؟

(وقفة)

كبرتُ.
كبرتُ حتى صرتُ قارةً من القماش.

(صمت.
ضحكة قصيرة مكسورة.)

تعرفون ما معنى أن تكبر خيمة؟
أن يصغر العالم.

السيل جاء.
الماء يعرف عمله.
يجرف.
يختبر.
يمضي.

(نبرة)

أما أنتم…
فبقيتم.
تركتموهم عندي
كي لا يفسدوا نشراتكم،
كي لا يربكوا اقتصادًا يتعثر فوق صورهم،
كي لا يوقظوا ضميرًا
اعتاد النوم واقفًا.

صرتم تمرّون بي
كما يُمرّ على نفاياتٍ كبرى،
بشيء من الشفقة،
وكثير من العادة.

كنتُ في البداية
بطولة.
صورة.
بطانية.
دمعة كاميرا.
ثم صرتُ رقمًا.
ثم مخيمًا.
ثم…
(صمت قصير)
صرتُ طبيعيًا.

وهنا
بدأ العار.
الطفل الذي ولد في داخلي
حفظ السماء مربّعة.
حين رسم شمسًا
اصطدمت بالسقف.

الفتى الذي كبر عند بابي
تعلم أن الوطن شائعة،
وأن العمر مؤقت،
وأن الانتظار مهنة.

الأم التي خبأت أبناءها في صدري
ماتت واقفة
كي لا تأخذ حيّزًا إضافيًا.

وأنا…
(تمدّد في الصوت)
كنت أتمدّد،
أتمدّد،
أتمدّد…
حتى اختنقتُ بكم.

(حدّة مباشرة)

اسمعوني.
حين أنقذ إنسانًا ليلةً
أنا رحمة.
حين أحتويه عامًا
أنا فشل.
حين أربي فيه جيلًا
أنا جريمة.

أنا لست وطنًا.
أنا تأجيل وطن.
فإذا صار التأجيل حياة،
صرتم أنتم الكارثة.

لا أريد تصفيقكم.
ولا دموعكم.
أريد
أن أختفي.

اختفائي
نجاتهم.
بقائي
فضيحتكم.

(هدوء ثقيل. اقتراب من الحافة.)

في المرة القادمة
حين ترَونني أكبر،
لا تسألوا:
كم شخصًا يسكنها؟
اسألوا:
كم إنسانًا تخلّى عن إنسانيته
ليجعلها ضرورية.

(همس – ضوء يهبط)

إذا اعتدتم عليَّ…

(نظر مباشر)

فأنتم السيل.

(ظلام فوري.)

تعليقات