الرسالة بوصفها مسرحًا للاحتمال قراءة ذرائعية في نص "صديقي السيد سين" للقاصة سماح رشاد
يقدم هذا النص نموذجًا مميزًا من الكتابة الرسائلية التي لا تكتفي بوظيفة الإبلاغ أو نقل الأخبار، بل تحوّل الرسالة إلى فعل إبداعي قائم بذاته. فالساردة لا تسعى إلى الاطمئنان على المخاطَب بقدر ما تسعى إلى إنتاج لحظة جمالية يتداخل فيها التخيل بالواقع، والحضور بالغياب، والبوح باللعب. ومن هنا تتأسس أهمية المقاربة الذرائعية التي تدرس النص من خلال علاقته بوظيفته، وأثره، واستراتيجيات اشتغاله داخل وعي المرسِل والمتلقي معًا.
المستوى الفكري والأخلاقي:
يتحرك النص ضمن رؤية تحتفي بالحرية الفردية في التفكير والكتابة. يظهر ذلك بوضوح في رفض الساردة "انتعال أفكار الآخرين"، وتفضيلها المشي حافية رغم الألم.
إنها دعوة رمزية للاستقلال المعرفي، ولمسؤولية الذات عن طريقها الخاص.
أخلاقيًا، لا يقدم النص وعظًا مباشرًا، لكنه يرسخ قيمة الصدق مع النفس، وحماية الدهشة من التبديد، والإبقاء على المسافة بوصفها شرطًا لاستمرار المعنى.
المستوى التداولي (التواصلي):
المفارقة الأساسية أن الرسالة تبدو موجهة إلى شخص محدد، لكن بنيتها تسمح لكل قارئ أن يحتل مكان "السيد سين". فالخطاب حميمي من جهة، ومفتوح من جهة أخرى.
الساردة تصنع متلقيها عبر التخيل: تراه يبتسم، يغضب، يلتقط الورقة. وهكذا يتحول التلقي إلى حدث داخل النص وليس خارجه، فتغدو العملية التواصلية جزءًا من الحكاية نفسها.
المستوى اللغوي والجمالي
تعتمد اللغة على انزياحات طريفة، واستعارات حية تجعل الأفكار أشياء تُنتعل، وتصبح الطريق قابلة للتمهيد بخطوات الكاتبة.
كما أن النص يشتغل على اقتصاد السؤال التقليدي؛ فجملة "كيف حالك؟" تأتي متأخرة، كأنها اعتراف ساخر بتمرد الكتابة على أعرافها.
الصور البصرية – النافذة، الشموع، الظرف المختوم، الجرس، شجرة اللوز – تمنح الرسالة طابعًا سينمائيًا، وتخلق مشاهد قابلة للرؤية.
المستوى النفسي:
نحن أمام ذات تعيش لذة المراوحة بين الرغبة في الاقتراب والخوف من انكشاف اللعبة. لذلك تختار الهرب بعد وضع الرسالة، وتفضّل التخيل على المواجهة.
إنها شخصية تؤمن بأن تحقّق اللقاء قد يقتل الاحتمال، ومن ثم يهدّد الشعرية التي تعيش عليها.
المستوى الحركي/الديناميكي:
النص ليس ساكنًا رغم طبيعته الرسائلية. هناك حركة دائمة: جري، انحناء، اختباء، طرق جرس، تخيل استجابة. هذه الأفعال الصغيرة تخلق إيقاعًا يمنع الخطاب من التحول إلى تأمل خالص، وتُبقيه ضمن حيوية المشهد.
المستوى النفسي:
يتأسس البناء النفسي في نص "صديقي السيد سين" على توترٍ دقيق بين الرغبة في الاقتراب والخوف من انكشافه. الساردة تريد أن تُرى، لكنها تريد أن تُرى عبر الخيال وليس عبر المواجهة؛ لذلك تصنع حضور المخاطَب داخل ذهنها، تراقبه من نافذة، تتخيله يبتسم، يغضب، يلتقط الرسالة.
إننا أمام وعيٍ يفضّل السيطرة على الآخر عبر التخييل بدل المخاطرة به في الواقع.
الرسالة هنا ليست وسيلة تواصل بقدر ما هي منطقة أمان نفسي. ففيها تستطيع الساردة أن تتدفّق، أن تعترف، أن تثرثر، أن تسخر، دون أن تواجه ردًا حقيقيًا قد يهدد صورتها أو يربك لعبتها. ولهذا تؤجّل السؤال التقليدي "كيف حالك؟"؛ لأنه ينتمي إلى العالم الواقعي الذي تحاول الإفلات منه.
كما يكشف النص عن حساسية مفرطة تجاه فكرة التأثر بالآخرين.
استعارة انتعال أفكار الغير، وما يرافقها من ألم في الجسد، تعبّر عن قلق عميق من فقدان الأصالة.
الساردة تريد أن تمشي حافية، حتى لو احترقت، لأن الاحتراق أصدق من حماية مستعارة. هنا يتجلّى وعي نفسي يبحث عن هويته الخاصة ولو عبر المعاناة.
في المقابل، ثمّة لذة واضحة في إدارة المسافة. الهروب بعد وضع الرسالة، التخفي، الاكتفاء برؤية متخيلة لابتسامة المخاطَب، كلها أفعال تحافظ على التوتر الضروري لاستمرار العلاقة. فاللقاء الحقيقي قد يقتل الاحتمال، بينما الغياب يسمح للخيال أن يعمل بلا حدود.
النهاية تؤكد هذا البعد؛ فالخوف ليس من الرفض، بل من زوال الدهشة. لذلك ترجُو الساردة بقاء العشب، بقاء العائق، بقاء ما يمنع الاقتراب الكامل. إنها نفسية تؤمن أن جمال العلاقة يكمن في عدم اكتمالها.
بهذا المعنى، يمكن القول: إن الشخصية تعيش عبر تغذية الفجوة وليس ردمها، وتستمد طاقتها من التعليق بين ما يحدث وما يمكن أن يحدث.
التجربة الإبداعية:
تكشف الكتابة عن وعي واضح بفعل الكتابة ذاته. الساردة تعرف أنها تثرثر، تعرف أنها تنحرف عن الهدف، لكنها تصر على هذا الانحراف بوصفه جوهر المتعة.
التجربة هنا ليست نقل رسالة، بل صناعة حالة شعورية؛ أي أن القيمة تتحقق في الطريق، في لحظة التخييل، وليس في وصول الجواب. وهذه سمة ناضجة لكتابة تدرك أدواتها وتلعب بها.
الخاتمة
يمنحنا النص رسالة تتجاوز حدود النوع الأدبي، لتصبح مختبرًا للعلاقة بين الذات والآخر، وبين الواقع وما يُتخيَّل عنه. ووفق الرؤية الذرائعية، فإن نجاحه يكمن في قدرته على إشراك المتلقي في لعبة الاحتمال، وحمله على الإيمان بما لم يحدث كما لو أنه حدث فعلًا.
إنها كتابة تحرس دهشتها جيدًا، وتعرف أن سرّها في المسافة التي تتركها مفتوحة.
النص:
صديقي السيد سين
أراك عبر نافذتك بالمطبخ، هل تطبخ الكلمات حضرة الكاتب؟، عندما تذوقت روايتك الأخيرة كانت لاذعة، لماذا تعري كاتبي التاريخ؟، أزعجت ذاكرتي الممتلئة بأكاذيبهم، لكن لا بأس فبعض التغيير لا يضر بالرأس.
أعرف أنك تتبع أخباري المبتورة عبر وسائل التواصل، وترى كم تعلقت بأمر الكتابة، وأيضا الرسائل.. الكتابة واقعية يا صديق تشتهي المادة، تحب الورق الجيد والسطور الواسعة الأنيقة المهندمة، تترفع عن الأقلام الجافة، ترتدي الأرستقراطية، لكن الرسائل تهوى ضوء صباح يتخلل النوافذ والستائر، المرايا، الشراشف، الوجوه، الأوراق، والليل وضوء الشموع ونبيذ الدموع والبسمات المسروقة، هنا تنقلب لكلاسيكية العصور الوسطى..فتاة بخصرٍ ضيق، تنورة منتفخة، كرسي يحمل أناقة نحافتها برحابة، مكتب صغير يحوي أسرارها وخطوات قلمها الأبنوس، تحاول التخفي في ظرف أصفر مغلق بشمع أزرق عليه ختم باسم رجل يرسل لمجلة أو جريدة، لا تعرف عنه إلا اسمه، وتلك حكاية أخرى للرسائل.
عذرا صديقي أخذني التدفق ولم اسأل عنك، لكني بالعادة لا أسأل كهروب من النمطية، أجدها ثرثرة لا داع لها، ما رأيك أتتفق معي؟ وجدتك في رسالتك الأخيرة تحكي عن فتاة ترتدي فستان بلا خياطة، ومن وقتها أفكر كيف أنتعل بعض أفكار الأخرين المعطوبة دون أن تؤلم أصبع قدمي الصغير وظهري صاحب الانزلاق في فقرتين متتاليتين، لكن كعب أفكارهم مؤلمٌ جدًا، لذا غيرت رأيي وسأمشي بدون حذاء، ربما ستلسعني حرارة بعض أفكاري، لكن لا بأس ربما بخطواتي أعبد لها الطريق، وأنحي كل عثرة وحصاة.
ربما علي أن ابدأ كتابة الرسالة من هنا، ونتغاضى عن الجنون أعلاه..
كيف حالك؟
هل ما زلت تزرع الفجل والنعناع؟ وتمشي إلى المحال بنصف ملابسك حافي القدمين؟
أيها المجنون أفتقد لرسائلك اللعينة!
لنترك العاطفة فلدي اقتراح سيعجبك.. أتدري ما هو؟ سأخبرك لا تتعجل مع أني أعرف تمامًا عدم توفر الفضول لديك، لكني أشجع نفسي فقد كتبت الرسالة لأثرثر، اقترح أن تصنع فطيرة الدراق بالشيكولاتة للسيدة كليمونتين، ربما تتوطد علاقتكما، أراها قد تذبذبت مؤخرا، أعتقد ستعجبك الفكرة.
كنت أود أن أكتب رسالة أطول تمتد لصفحات، لكن دائمًا ما تخونني إرادتي وتولي لي ظهرها، تعاملني بطريقة غريبة على قيد تصرفها منصاعة، أحس أني قربان لشيء لا أعلمه، هل علي البحث عنه أم أخاف فقط وأصمت؟
المهم صديقي لم أجد صندوق رسائلك بالحديقة، هل سرق أم مللت ثرثرتي؟ احترت ماذا أفعل ولأني أكتب الرسائل طازجة، جريت منحنية حتى لا تراني، أسندت ظهري لشجرة اللوز خاصتك، وكتبت هذه التي بين يديك الآن، زججت بها أسفل بابك، حركت الجرس النحاسي الصغير وركضت حابسة أنفاسي بعيدا، تخيلتك تنظر يمينا ويسارا وأخيرا نظرت لأسفل وأنت تهم بالدخول حانقا، التقطتها وابتسمت، نعم رأيتك تبتسم، نعم نعم رأيتك بخيالي، وها أنا الآن مندهشة وأحلق لذا صديقي..طاب عصرك وشمسه وسلام.
ملحوظة : جازفت بالذهاب إلى بيتك وكتابة رسالة بحديقتك، وأيضا جازفت بأن تراني وقتها؛ قد نقتل الدهشة ونتوقف عن هذا الجنون، لذا أرجو تقديرا لتلك المجازفة أن تشذّب حشائشك؛ فلدي حساسية جلدية شديدة الآن، وتلك الحكة اللعينة لا تكف عن عناقي.
#سماح_رشاد
تعليقات
إرسال تعليق