انشطار البراءة وتسارع الزمن قراءة ذرائعية في نص " مراجعات" للكاتبة السورية صباح سعيد السباعي

 


 

    تندرج هذه الكتابة ضمن الخاطرة الوجدانية المفتوحة التي تقوم على التداعي الشعوري المكثّف، حيث لا تتأسس البنية على حبكة أو حدث مكتمل، بل على لحظة انكشاف داخلي تتقاطع فيها الذات الفردية مع زمن جمعي ضاغط. النص لا يروي حكاية طفلة بقدر ما يشتغل على تمثيل تحوّل داخلي عميق: انتقال البراءة من حالة طبيعية إلى حالة مستلبة تحت وطأة وعي مباغت.

 

·      البؤرة التداولية والخلفية الأخلاقية

تتحدّد البؤرة المركزية في سؤال الهوية المتصدّعة:

"الآن أنا هنا ولستُ معي، في طرف الغرفة أنطوي وأسأل من أنا؟"

هذا السؤال ليس تأملًا عابرًا، بل إعلانًا عن انفصال الشخصية عن ذاتها. الأنا تتحول إلى موضوع للتساؤل، وكأنها فقدت انسجامها الداخلي.

 الخلفية الأخلاقية للنص لا تُطرح مباشرة، لكنها تتبدّى في مساءلة الكِبر القسري: هل من العدل أن يُختصر العمر تحت ضغط الأحداث؟ هل يحق للزمن التاريخي أن يسرق زمن النمو الطبيعي؟

إن الحرب، وإن لم تُسمَّ صراحة إلا عبر "معطيات تكبر"، تشكّل خلفية ضاغطة تدفع البراءة إلى التراجع. النص لا يدين الحرب خطابيًا، بل يكشف أثرها الأخلاقي في تسريع النضج وخلخلة الطمأنينة الأولى.

 

·      المستوى البصري: المشهد بوصفه بناءً دلاليًا

بصريًا، يقوم النص على لقطات متتابعة أشبه بمشاهد سينمائية قصيرة.

المشهد الأول يرسم ذاتًا منكمشة في طرف الغرفة، في مساحة هامشية، مما يوحي بالعزلة والانسحاب. ثم تقفز الطفلة في مركز الصورة، مرتدية ثوب أمها، جالسة بوضعية الكبار" تضع رجلًا على رجل"، طالبةً القهوة والزهر. هذه التفاصيل ليست زخرفية، بل تشكّل مفارقة بصرية: جسد صغير يحتل هيئة زمن أكبر منه.

الثوب هنا عنصر بصري محوري؛ فهو أكبر من الجسد، مما يضاعف دلالة الاتساع غير المتناسب بين المرحلة العمرية والدور المفترض. أما القهوة فهي طقس نضج، والزهر في الشعر محاولة للاحتفاظ ببقايا الطفولة وسط محاكاة الكبار.

عند سماع خبر الحرب، يتحول المشهد فجأة: الطفلة تخلع الثوب وتركض. الحركة السريعة تقابل سكون البداية، في انتقال بصري يعكس لحظة صدمة. ثم يأتي الاختفاء، فيتحول الحضور إلى فراغ، ويغدو المكان خاليًا إلا من النداء. هذا التحوّل من الامتلاء إلى الخواء يعمّق أثر الفقد.

أما المشهد الختامي "أحجار سوداء، دالية كبيرة، عصفور يبني عشه" فيقدّم ثلاث لقطات ثابتة، تشبه تكوينًا تشكيليًا. الحجر رمز الثقل والقسوة، الدالية رمز الجذر والامتداد، والعصفور رمز الاستمرار. الترتيب البصري هنا ليس اعتباطيًا؛ إنه انتقال من الجماد القاسي إلى الحياة التي تصرّ على البناء.

 

·      المستوى الإيحائي: شبكة الرموز الداخلية

الطفلة في هذا النص ليست كيانًا مستقلاً، بل تمثل الطفولة بوصفها حالة أنطولوجية. إنها الذاكرة الأولى، الذات قبل أن تُحمَّل بأعباء الإدراك. رغبتها في الكِبر تعبّر عن نزوع الإنسان الطبيعي نحو الاكتمال، لكن صدمتها تكشف أن الوعي ليس مجرد تطوّر، بل عبء ثقيل حين يأتي مباغتًا.

ثوب الأم يحيل إلى انتقال الأدوار بين الأجيال، وإلى تقمّص مسؤوليات لم تنضج بعد.

 أما "قطار المدينة الباكية" فيتجاوز معناه الواقعي ليصبح رمزًا للقدر التاريخي. القطار حركة لا تتوقف، مسار لا ينتظر المتردّدين، وهو في هذا السياق أداة اقتلاع من زمن إلى زمن.

فتح النوافذ والرسم على الشجر والحيطان يحملان دلالة مقاومة رمزية؛ فالذات التي فقدت طفولتها تحاول إعادة كتابة وجودها عبر فعل إبداعي. الكتابة هنا ليست ترفًا، بل محاولة لاستعادة السيطرة على المعنى.

 

·      المستوى النفسي: انشطار الذات وتسارع النضج

نفسيًا، يتأسّس النص على انقسام داخلي بين أنا راهنة وأخرى طفولية. وجود الطفلة أمام المتكلّمة هو تمثيل إسقاطي لذاكرة حيّة داخل الذات. وحين تختفي الطفلة، يكون ذلك إعلانًا عن نهاية مرحلة نفسية.

تكرار "ما أصعب" في الخاتمة يعكس شعورًا بالعجز أمام الزمن. إنه إيقاع داخلي يتصاعد من إدراك متأخر بأن اللحظة حين تمرّ لا يمكن استعادتها. السؤال الذي يُطرح في غير وقته لا يعيد الطفولة، والجواب المتأخر لا يعوّض الفقد.

 

·      المستوى الرمزي–الفلسفي: الزمن بين الذاتي والجمعي

الفارق بين "منتصف الليل عندي" و"منتصف النهار هناك" يؤسس لثنائية زمنية عميقة. الذات تعيش زمنها النفسي المختلف عن الزمن الموضوعي للعالم. هذا التباين يكشف أن الزمن ليس مطلقًا، بل تجربة داخلية نسبية.

النص يطرح إشكالية فلسفية جوهرية: الإنسان لا يعيش عمره بمعزل عن سياقه التاريخي. حين يتسارع الحدث الجمعي، يتسارع النضج الفردي. وهنا يتحوّل السؤال من فقدان طفلة إلى فقدان مرحلة كاملة من الوجود.

ومع ذلك، لا ينتهي النص في العتمة. العصفور الذي يبني عشه فوق مشهد الأحجار السوداء يعلن إمكانية الاستمرار. الحياة، رغم تسارعها وقسوتها، تواصل فعل البناء.

 

·      المستوى الحِجاجي–التداولي: توجيه المتلقي عبر الإيحاء لا التقرير

    رغم أن الخاطرة تبدو وجدانية خالصة، إلا أنها تشتغل ضمنيًا على بناء مسار حِجاجي غير مباشر. فالنص لا يقدّم أطروحة صريحة حول الحرب أو الطفولة، لكنه يقود القارئ تدريجيًا نحو استنتاج أخلاقي– وجودي عبر سلسلة من العلامات الدلالية.

-        أول آلية حجاجية هي الاستفهام الوجودي الافتتاحي:

"من أنا؟"

السؤال هنا لا ينتظر جوابًا، بل يفتح أفق التلقي ويشرك القارئ في حالة البحث. فالذات لا تعلن هويتها، وإنما تعلّقها، مما يخلق فراغًا تداوليًا يسعى القارئ إلى ملئه.

-        الآلية الثانية هي المفارقة البصرية: طفلة تتقمّص هيئة الكبار. هذه الصورة لا تشرح خطأً اجتماعيًا

 أو سياسيًا، لكنها تزرع توترًا في وعي المتلقي؛ إذ يدرك أن المشهد غير متوازن. ومن هنا يبدأ القارئ في إنتاج حكمه الخاص: هناك خلل ما في إيقاع النمو.

-        الآلية الثالثة تتمثل في التحول المفاجئ بعد خبر الحرب. لا يعلّق النص، ولا يصرّح بالأثر، بل يترك

الفعل (الخلع، الركض، الاختفاء) يتكلم. هذا الاقتصاد في الشرح يعزّز فاعلية التلقي، لأن المتلقي يُستدعى لاستكمال العلاقة السببية بين الخبر واختفاء الطفلة. وهنا تتحقّق الوظيفة التداولية للنص: إقناع عبر المشاركة لا عبر التلقين.

أما التكرار في "ما أصعب…" فيؤدي وظيفة تأكيدية حجاجية؛ إذ ينتقل النص من المشهد إلى الحكم التأملي. غير أن هذا الحكم لا يُسند إلى خطاب وعظي، وإنما إلى تجربة شعورية، مما يجعله مقبولًا تداوليًا دون مقاومة من القارئ.

في المستوى الأعمق، يوجّه النص المتلقي نحو قناعة ضمنية مفادها أن الزمن التاريخي حين يطغى على الزمن النفسي، يحدث اختلال في التكوين الإنساني. لكنه لا يصرّح بذلك كأطروحة، بل يترك العلامات (القطار، المدينة الباكية، الأحجار السوداء) تتكفّل بإنتاج المعنى.

هنا تتجلى الذرائعية بوضوح:

النص لا يكتفي ببناء صورة جمالية، بل يسعى إلى أثر في وعي القارئ؛ أثر يتمثل في استعادة حساسية السؤال:

متى كبرنا؟

وماذا فقدنا في الطريق؟

واللافت أن الخاتمة لا تقفل المعنى، بل تفتحه عبر صورة العصفور الذي يبني عشه. هذه النهاية تُحدث توازنًا تداوليًا؛ فهي لا تغرق المتلقي في العتمة، ولا تمنحه تفاؤلًا ساذجًا، بل تضعه أمام معادلة: الخراب قائم، لكن البناء ممكن.

 

في الختام:

     تكشف الخاطرة عن تجربة وجدانية عميقة تحوّل أثر الحرب من سياق سياسي إلى تحوّل نفسي داخلي. وهي كتابة تعتمد التكثيف، وتشتغل على الصورة والرمز، وتبني دلالتها عبر مفارقة بين الرغبة في الكِبر والخوف منه. النص لا يقدّم أجوبة مباشرة، بل يفتح أفق التأويل، ويؤكد أن البراءة قد تُختطف، لكن الروح تظل تحاول أن ترسم ذاتها من جديد على جدران العالم.

بالمستوى الحِجاجي– التداولي، تتضح بنية الخاطرة بوصفها نصًا يُقنع عبر الصورة، ويؤثر عبر المفارقة، ويوجّه عبر الفراغ الدلالي. إنها كتابة تُراهن على وعي القارئ، وتدفعه إلى إعادة التفكير في زمنه الشخصي داخل زمنه الجمعي.

 

                  #دعبيرخالديحيي                               مرسين- تركيا                          25 فبراير 2026

 

النص:

 "مراجعات"

الآن أنا هنا ولستُ معي، في طرف الغرفة أنطوي وأسأل من أنا؟

الآن في منتصف الليل عندي، ومنتصف النهار هناك، مسافة لامكان ولا زمان .

تقفز طفلة أمامي تلبس ثوب أمها تجلس على الأريكة، تضع رجلًا على رجل، تطلب فنجان قهوة وبعض الزهر لتشكله بطرف شعرها، أسألها لماذا؟ تجيبني أريد أن أكبر.

يتهادى لمسمعي صوت التلفاز عن مشكلة أن معطيات الحرب بدأت تكبر، تخلع الطفلة ثوب أمها راكضة إلى زاويتي تسألني ماذا أفعل؟

تراها سمعت ما سمعته وفهمت أبعاد الخبر، كيف لبراءة سبعة أعوام هذا الفهم!؟

قمت من مكاني لأحضنها، لم أجدها سألت عنها بين خفايا المكان ناديتها، يأتيني صوت بعيد: هي كبرت وأخذها قطار المدينة الباكية.

خرجتُ من أجلها، وجدت المدينة ليست كما كانت.

طافت روحي تفتح النوافذ المغلقة والأبواب وبدأت برسم حروفها على الشجر والحيطان.

ما أصعب السؤال في غير وقته، ما أصعب الجواب المتأخر.

ما أصعب أن تعدّ الأيام تريد ترحيلها للحظة غير مرئية.

أحجار سوداء، دالية كبيرة، عصفور يبني عشه.

كاتب يحاول وضع عنوان مناسب للمشهد

أحاول الرجوع أعلق بالعنوان.

 

صباح سعيد السباعي

تعليقات