حين تختلط الشعارات بالدم
في لحظات التحوّل الكبرى، تظهر الأصوات التي تترحم على زعماء صنعوا تاريخًا من النار، وكأن الذاكرة مثقوبة.
ولأن العاطفة في منطقتنا غالبًا ما تسبق العقل، يصبح من الضروري أن نتوقف قليلًا ونفكر:
هل كل من رفع شعار “المقاومة” كان فعلًا مقاومًا؟ أم أن الشعار كان غطاءً لمشروع آخر؟
أولًا: فلسطين ليست ورقة تفاوض:
#القضية_الفلسطينية ليست لافتة تُرفع في خطابات المزايدة، ولا بطاقة شرعية إقليمية.
عندما تتحول "نصرة فلسطين" إلى أداة لإعادة رسم موازين القوى وبناء نفوذ عابر للحدود، فإنها تفقد معناها الأخلاقي.
المشروع الذي سعى إلى تثبيت نفوذ إقليمي تحت عنوان #الهلال_الشيعي لم يكن مشروع تحرير، كان مشروع تموضع وسيطرة.
وفلسطين — في هذه المعادلة — كانت ورقة، لا بوصلة.
ثانيًا: لا قداسة لتحالف مع ظالم:
الاحتماء بأي قوة إقليمية أو دولية لها سجل دموي، بحجة أنها تعادي عدوًا آخر، ليس موقفًا أخلاقيًا.
منطق "عدو عدوي صديقي" هو أحد أكثر الشعارات التي دفعت شعوب المنطقة ثمنها دمًا.
لا فرق في الجوهر بين الارتهان لقوة احتلال تعلن عداءها، وبين الارتهان لنظام يتلبّس خطاب الدين ثم يترك خلفه مدنًا محروقة، ورؤوسًا مقطوعة، وسجونًا مكتظة.
ثالثًا: #المشاريع_التوسعية تتشابه مهما اختلفت الشعارات:
حين نتأمل خريطة الأطماع في المنطقة، نجد أن المشاريع التوسعية — أيًّا كان غطاؤها الأيديولوجي — تتقاطع في جوهرها:
نفوذ، هيمنة، وتحكم بمصائر الشعوب.
لا يغيّر #الخطاب_الديني أو القومي من حقيقة الدم المسفوك على الأرض.
رابعًا: الدم ليس طائفيًا:
حين يُقتل الفلسطيني أو السوري أو اليمني أو العراقي، لا يتغير لون الدم.
المأساة لا تُقاس بالهوية، ولا بعدد الشعارات المرفوعة فوق الجنازات.
كل مشروع سياسي مرّ عبر جثث المدنيين يفقد حقّه في الادعاء الأخلاقي، مهما كانت لافتته.
خامسًا: سقوط الظالمين ليس مأساة:
حين يسقط طاغية على يد خصمٍ لا يقل عنه عدوانية، فالمشهد ليس احتفالًا بالخصم، وإنما ارتياح من زوال أحد أركان الظلم.
الفرح بزوال مستبد لا يعني الاصطفاف مع مستبد آخر، بل يعني أن الشعوب المنهكة تتنفّس قليلًا كلما سقط حجر من فوق صدرها.
سادسًا: الخطر المضاعف:
العدو المعلن واضح.
لكن الأخطر هو من يرتدي ثوب القرب والهوية والدين، ثم يحوّل الأرض إلى ساحة تصفية حسابات.
عندما تتحوّل المدن إلى خرائط نفوذ، وتُكتب #الشعارات_الطائفية على الجدران فوق أنقاض البيوت، تسقط كل الأقنعة.
في النهاية
الوعي ليس رفاهية.
التمييز بين القضايا العادلة والمشاريع المستغِلة لها ضرورة أخلاقية قبل أن يكون ضرورة سياسية.
والاصطفاف خلف أي قوة على أساس العاطفة وحدها، دون مراجعة سجلّها في الدم والخراب، هو تكرار للمأساة ذاتها بأسماء مختلفة.
المنطقة لا تحتاج مزيدًا من "أبطال الشعارات"،
بل تحتاج مشروعًا يقدّم الإنسان على النفوذ،
والكرامة على التوسع،
والحياة على المزايدة.
#دعبيرخالديحيي
تعليقات
إرسال تعليق