الحوار في سورة مريم: قراءة إجرائية في البنية السردية والتداولية
تمهيد منهجي: الحوار بوصفه
تقنية سردية في القص القرآني
يُعدّ الحوار
من أبرز التقنيات السردية التي يعتمدها القصص القرآني في بناء الحدث وتوجيه
الدلالة، إذ لا يقتصر دوره على نقل الأقوال بين الشخصيات، بل يتجاوز ذلك ليشكّل
أداة تداولية وحجاجية تُسهم في إظهار المقاصد العقدية والتربوية للنص. فالقرآن
الكريم كثيرًا ما يعرض الوقائع في صورة حوارية تكشف المواقف النفسية للشخصيات
وتُبرز طبيعة الصراع بين الشك واليقين، وبين الظاهر البشري والقدرة الإلهية. وقد
أشار عدد من الباحثين في الدراسات السردية القرآنية إلى أن الحوار في القرآن يؤدي
وظيفة بنيوية؛ فهو يربط بين عناصر الحدث ويخلق حركة درامية داخل النص، مما يجعله
عنصرًا أساسًا في تشكيل البنية السردية (خليل، 2017؛ دراز، 2005).
وفي هذا السياق، تمثّل سورة مريم نموذجًا واضحًا
لهذا النمط من البناء السردي؛ إذ تتتابع فيها مجموعة من الحوارات التي تبدأ
بمناجاة فردية بين النبي زكريا وربه جل وعلا، ثم تتطور إلى حوار بين المَلَك ومريم،
ثم إلى مواجهة خطابية بين مريم وقومها، قبل أن تبلغ ذروتها في خطاب عيسى في المهد،
وتُختتم بالإشارة إلى مناجاة الله لنبيه موسى. ويكشف هذا التدرج عن بنية خطابية
متماسكة تنتقل من الحوار الفردي إلى الحوار الجماعي، ومن الخطاب الخافت إلى
الإعلان المعجز، وهو ما يمنح السورة طابعًا سرديًا متميزًا قائمًا على تفاعل
الأصوات وتعدد مستويات الخطاب.
ومن منظور القراءة الإجرائية، يمكن النظر إلى
هذه الحوارات بوصفها وحدات تداولية تُبنى عبرها الحركة السردية في السورة؛ فهي
تُظهر التحوّل من حالة القلق أو الاستفهام إلى حالة اليقين أو البيان، كما تُبرز
التفاعل بين الإرادة الإنسانية والقدرة الإلهية. لذلك فإن دراسة الحوارات في
السورة لا تقتصر على تحليل مضمونها، بل تشمل الكشف عن وظائفها السردية والنفسية
والحجاجية داخل البنية الكلية للنص، وهذه الحوارات تسهم في توجيه المتلقي وبناء
المقصد الدلالي للنص (خليل، 2017؛ دراز، 2005).
وهو ما تسعى إليه هذه
القراءة من خلال تتبّع أبرز المشاهد الحوارية الواردة في السورة وتحليلها في ضوء
السياق القرآني والدراسات السردية المعاصرة (قطب، 2003؛ ابن كثير، 1999).
أولًا: الحوار بين الله تعالى وزكريا عليه
السلام
يبدأ المشهد السردي في
السورة بحوار مناجاة بين النبي زكريا وربّه، حيث تتجلّى طبيعة الدعاء بوصفه خطابًا
حواريًا يعبّر عن القلق الإنساني أمام محدودية القدرة البشرية. يقول تعالى:
﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ
رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ
الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ (مريم: 2–4).
يتميّز هذا الحوار بكونه نداءً خفيًا، وهو تعبير
يكشف عن طبيعة العلاقة الخاصة بين العبد وربه، كما يدل على حالة الضعف والرجاء
التي يعيشها زكريا. وقد بيّن المفسرون أن خفاء النداء يشير إلى صدق التضرع وعمق
الإخلاص في الدعاء (ابن كثير، 1999).
ويبلغ الحوار ذروته في طلب الذرية رغم استحالة
ذلك ظاهريًا:
﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ
يَعْقُوبَ﴾ (مريم: 5–6).
تأتي الاستجابة الإلهية مباشرة، لتعيد تشكيل
المعادلة الواقعية من خلال منطق القدرة الإلهية:
﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾
(مريم: 7).
يُظهر هذا الحوار وظيفة حجاجية واضحة؛ إذ ينتقل
الخطاب من عرض حالة العجز إلى إعلان تحقق الوعد، بما يرسخ مبدأ القدرة الإلهية
المطلقة، وهو ما يشكل أحد المحاور الكبرى في القصص القرآني (قطب، 2003).
ثانيًا: الحوار بين المَلَك ومريم عليها السلام
ينتقل السرد بعد ذلك إلى مشهد آخر يقوم على
الحوار بين مريم والمَلَك، حيث يظهر التوتر الدرامي في بداية اللقاء. يقول تعالى:
﴿فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا
رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ
بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا﴾ (مريم: 17–18).
يظهر في هذا الحوار البعد النفسي الدفاعي؛ إذ
تستعيذ مريم من الرجل الذي ظهر أمامها فجأة. ويعكس هذا المشهد حالة القلق الأولي
قبل أن يعرّف المَلَك نفسه بوصفه رسولًا من الله:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا
زَكِيًّا﴾ (مريم: 19).
تطرح مريم سؤالًا منطقيًا يعكس إدراكها لقوانين
الطبيعة:
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾
(مريم: 20).
ويأتي الرد الإلهي عبر المَلَك ليؤكد من جديد
منطق القدرة الإلهية:
﴿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ (مريم: 21).
يؤكّد هذا الحوار أن المعجزة في السرد القرآني
لا تُقدَّم بمعزل عن الحوار، بل تظهر غالبًا في سياق نقاش يبرز الاستحالة الظاهرة
قبل إعلان الإمكان الإلهي (خليل، 2017).
ثالثًا: الحوار بين مريم وقومها
بعد ولادة عيسى، ينتقل
السرد إلى حوار اجتماعي يكشف طبيعة التوتر داخل المجتمع. يقول تعالى:
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ
لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ
سَوْءٍ﴾ (مريم: 27–28).
يتخذ الخطاب هنا طابع الاتهام الجماعي، إذ يستند
القوم إلى مكانة أسرة مريم الدينية ليبرزوا المفارقة بين تلك السمعة والحدث
الظاهر. ويرى بعض الباحثين أن هذا النوع من الخطاب الجماعي في القصص القرآني يعكس
طبيعة الصراع بين الظاهر الاجتماعي والحقيقة الغيبية (دراز، 2005).
بدل الرد بالكلام، تشير مريم إلى الطفل:
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ (مريم: 29).
وهنا يتحول الصمت إلى عنصر حواري فاعل، إذ يمهّد
لظهور المعجزة التالية.
رابعًا: الحوار بين عيسى في المهد وقومه
يمثل كلام عيسى في
المهد ذروة الحدث السردي في هذه القصة، حيث يتحوّل الرضيع إلى متكلّم يدافع عن أمه
ويعرّف بنفسه. يقول تعالى:
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم:
29–30).
يبدأ خطاب عيسى بتحديد هويته الدينية، إذ يعلن
عبوديته لله قبل أي شيء آخر. ثم يواصل تعريف رسالته:
﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ (مريم: 31).
يمثل هذا الخطاب نموذجًا للحوار المعجز الذي
يتجاوز حدود الطبيعة البشرية، ويؤدي وظيفة دفاعية عن مريم، إضافة إلى إعلان
الرسالة المستقبلية لعيسى (قطب، 2003).
خامسًا: الحوار بين الله وموسى عليه السلام
تختم السورة سلسلة
الحوارات بالإشارة إلى تجربة موسى مع الوحي، في قوله تعالى:
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا
وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ
وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (مريم: 51–52).
يبرز في هذا المقطع مفهوم المناجاة، حيث يتم
الحوار مباشرة بين الله ونبيه موسى. وتشير عبارة «وقربناه نجيا» إلى حالة القرب
الروحي والاصطفاء الإلهي، وهو نمط خاص من الخطاب النبوي في القرآن الكريم (ابن
كثير، 1999).
خلاصة إجرائية
تكشف الحوارات في سورة مريم عن بنية سردية
متماسكة تقوم على تدرّج الخطاب من الفرد إلى الجماعة، ومن الهمس إلى الإعلان.
وتعمل هذه الحوارات على إبراز ثلاث وظائف أساسية:
الوظيفة السردية في بناء الحدث وتطوره.
الوظيفة الحجاجية في نقل المتلقي من الاستحالة
الظاهرة إلى الإيمان بالقدرة الإلهية.
الوظيفة النفسية في معالجة القلق الإنساني
وتثبيت اليقين.
وبذلك يظهر الحوار في السورة بوصفه آلية مركزية
في القصص القرآني، إذ يربط بين البنية اللغوية والمقصد التداولي للنص، ويحوّل
الوقائع المعجزة إلى خطاب إيماني موجَّه للمتلقي.
المراجع
1.
ابن كثير،
إسماعيل بن عمر. (1999). تفسير القرآن العظيم. الرياض: دار طيبة للنشر والتوزيع.
2.
دراز، محمد عبد
الله. (2005). النبأ العظيم: نظرات جديدة في القرآن الكريم. القاهرة: دار القلم.
3.
قطب، سيد.
(2003). في ظلال القرآن. القاهرة: دار الشروق.
4.
خليل، عماد عبد
اللطيف. (2017). مدخل إلى السرديات القرآنية. عمّان: دار كنوز المعرفة.
5.
الغالبي، عبد
الرزاق عودة، ويحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي.
طنطا: دار النابغة للنشر والتوزيع.
6.
الغالبي، عبد
الرزاق عودة، ويحيي، عبير خالد. (2019). الذرائعية وسيادة الأجناس الأدبية. طنطا:
دار النابغة للنشر والتوزيع.
تعليقات
إرسال تعليق