"ممنوع دخول الله إلى هذا المكان" مونودراما مسرحية تأليف: د. عبير خالد يحيي
إهداء
إلى:
حمزة نَضَر
أبو خالد الميداني
الذي خرج من العتمة
حاملاً في صدره
أصوات الذين لم يخرجوا.
عتبة:
" الصمتُ هو السجن الأخير"
افتتاحية
(ظلام كامل. صوت بطيء يخرج من العتمة.)
الصوت:
تحت الأرض
تنام مدنٌ أخرى.
مدنٌ تتعلّم فيها الخطوات
أن تمشي بلا صوت.
جدرانٌ تحفظ صرخات البشر
مثل كتبٍ سرية مدفونة في العظام.
هناك…
يتحوّل الإنسان إلى رقم.
يتحوّل الجسد إلى صفحةٍ
يكتب عليها الحديد.
وهناك أيضاً يولد الصمت.
الصمت الذي يشبه قبراً أوسع من الأرض.
من تلك المدن خرجت هذه الحكاية.
حكاية رجلٍ خرج من العتمة حاملاً في صدره
أصوات الذين بقوا.
الليلة…
يَفتح بابَ الذاكرة
كي يتكلم.
كي لا يكبرُ الصمتُ أكثر.
(يبدأ الضوء بالظهور)
المشهد الأول
العتمة
(بقعة ضوء خافتة. المعتقل جالس على الأرض.)
المعتقل:
العَتَمة كائنٌ ثقيل يجلس في الزنزانة.
يتنفّس ببطء.
يمرّ الهواءُ فوق الصدر كغريبٍ يخاف الطرق.
في صيدنايا..
يتبدّل شكل الزمن.
الساعة ضربة.
اليوم صرخة.
العمر جثّة تُحمَل إلى نهاية الممر.
(ينظر إلى يديه)
كنّا مئة.
مئة قلب خرجتْ من دمشق
مشدودة الأيدي بحزّامات بلاستيكية.
الدم يتراجع إلى الداخل.
والعروق تضيق كطرقٍ مهجورة.
ثم…
سيارة الذبائح..
براد لحم.. مكانٌ اعتاد أن يحمل النعاج
المذبوحة.
وفي تلك الليلة..حمَلَنا نحن.
ضحكة صغيرة مرّتْ في الهواء.
قلت لرفاقي:
السماء فوقنا.
كل طريقٍ ينتظرنا أوسع من القبر.
(صمت)
ثم اكتشفنا…
أن الجحيم ..يسكن الأرض أيضًا.
المشهد الثاني
الممر
ينفتح الباب.
صوت الحديد يولد في المكان.
يسقط الأمر:
الرؤوس إلى الأرض.
الممر يمتد كجرح طويل.
تصطف الأحذية على الجانبين.
مئات الأحذية.
كل حذاء ينتظرُ ظَهرًا.
ثم…
ينهمر المطر الأسود.
جذوع.
كبلات.
سلاسل.
حديد يهبط على اللحم.
صرخة قصيرة تطير في الهواء ثم تختفي مثل عصفور انكسر
جناحه في السماء.
المشهد الثالث
السجود
تتّسعُ الساحة
مئةُ جسدٍ عارٍ يرتجف تحت الليل.
الأمر: السجود.
أيدٍ تمتد.. وأكتاف تلتصق.
أجسادٌ تصبح ضلعًا واحدًا مكسورًا.
ثمّ…
يتحرّك لوح رخامي.
وجه رجل يرفع يده.
يتقدّم الضابط.
صوته يسقط في الهواء:
"ممنوع دخول الله إلى هذا المكان."
(صمت طويل)
الابتسامة تمرّ في داخلي.
الله كان بيننا..
في الدموع
في الصبر
في القلوب التي ما زالت تدق.
المشهد الرابع
الحديد
خمسة وعشرون جلادًا يقفون خلفنا.
ترتفع الأدوات
تهبط الضربات.
يتحول الظهر إلى أرضٍ محروثة.
بعد عشر ضربات يشتعل الجسد.
بعد عشرين تبتعد الروح قليلاً.
كأنّ الإنسان يرى نفسه من مكانٍ آخر.
ثم…
صوتُ تمزّق.
تدخلُ اللحمَ كبلُ دبابة، أسلاكٌ نحاسية
تدخل ثم تخرج حاملة نتفًا صغيرة من الإنسان.
المشهد الخامس
"بطّاح"
يسقط الصمت.. يتراجع الجنود.
صوتُ حديد يُجَر فوق الأرض.
بطّاح..
وأنبوب حديد يرفعه في الهواء، ثمّ يهوي به..
ضربة واحدة لكل ظهر.
الموت يمشي بين الصفوف.
حتى يصل إليّ.
يستقر الأنبوب فوق العمود الفقري.
صورة( يحيى) تلمع في رأسي.
حركة صغيرة.
الضربة تهبط.
ينطفئ العالم.. يبُحّ الصوت.
ويختفي الوجود.
حتى الهواء .. ينسى الطريق إلى صدري.
المشهد السادس
العين
يعود الوعي
قطرة بعد قطرة.
الأمر:
إلى الحمام.
تركض الأجساد
تسابق الحديد الهابط على الأذرع.
تتكلّم العظام لغتها الأخيرة.
ثم…
ضربة على وجه شاب من داريا.
تسقط عينه
عينٌ كاملة تتدحرج فوق البلاط.
يلتقطها بيده.. يرفعها أمام وجهه.
ما زال الضوء يسكنها.
لحظة، ثم
تسقط ثانية
العين تبقى مفتوحة.
عينٌ رفضت أن تغمض في هذا الجحيم.
المشهد السابع
الزحف
ينسى الجسد وضعية الوقوف.
ويبدأ الزحف..
الكف تلامس جسدًا باردًا لصديق عبرت روحه الباب.
وبقي الجسدُ حارسًا للصمت.
زحف آخر..
جسد ثان،
ثم ثالث.
الأرض مفروشة بالأصدقاء.
يمرُّ الإنسانُ فوق موتِ أحبّتِه كي يستمرّ بالحياة.
المشهد الأخير
الذاكرة
(الضوء يتّسع ببطء)
خرجتُ إلى الضوء.
الناس يمشون في الشوارع.
تمتلئ الحياة بالأصوات.
غير أن صيدنايا لم يبقَ خلفي.
انتقل السجن إلى داخلي.
كل ليلة تفتح الذاكرة أبوابها.
يهبط الحديدُ على الظهور.
الصرخاتُ تملأُ الممرّات.
والعبارة ما تزال معلّقة في الهواء:
"ممنوع دخول الله إلى هذا المكان."
(صمت)
الله دخل.
دخل مع الصبر في صدور الرجال.
دخل مع الأرواح التي عبرت الليل نحو السماء.
(يتقدّم نحو الجمهور)
الصمت قبرٌ ثانٍ.
والحكاية أمانة.
(صمت طويل)
عينُ الرجل ما تزال مفتوحة.
عينٌ تنتظرُ العالمَ كي يراها
كي يرى ما حدث هنا.
(يتقدّم نحو الجمهور أكثر)
الصمت قبرٌ ثانٍ.
والحكاية أمانة.
(ينظر مباشرة إلى الجمهور)
الذين ماتوا هناك تركوا أصواتهم في صدورنا.
والأصوات لا تموت.
(صمت)
هذه…
سوريا.
(إظلام كامل)
تعليقات
إرسال تعليق