طقسُ مرسين
مرسين ..الذاكرة حين تغدو مدينة.
تُفلتُ من الاسم،
وتنادي نفسها بالملح.
يرفعُ البحرُ جفنه الأزرق،
ويُرسلُ نبضه إلى خاصرةِ الجبل،
فيستقيمُ الحجرُ كاهنًا يغتسلُ بالضوء،
وتُشعلُ الشمسُ تاجًا من ذهبٍ فوق جبينه.
تُطاولُ أبراجُها الريح،
وتنشرُ أكتافها في الفضاء، وفي حضنها تنامُ
بيوتٌ ريفية،
تُغمضُ نوافذها على حكاياتِ القمح،
وتُخبّئُ في جدرانها دفءَ الأمهات.
وعلى كتفِ الجبل بيوتٌ تتسلّقُ الصخر،
تغرسُ أظافرها في الجروف،
وتُطلُّ على البحر
مُشرفةً على قلبٍ مفتوح.
تكتبُ الأزقّةُ خطواتِ
العابرين،
وتخبّئها في جيوبِ الظلّ،
وتفتحُ
الأرصفةُ كفوفَها
لتصافحَ التعبَ فيعودُ خفيفًا.
يوقّعُ المطرُ أسماءَه على
الزجاج،
ويُربّي في الشرفاتِ ذاكرةً مبلّلة.
والنوافذُ تُصغي،
تجمعُ همساتِ الغيم وتُخزّنها في الخشب.
نهرٌ يمشّطُ رأسَ المدينة،
يفتحُ ممرّاتٍ في شعرها،
ويُعلّقُ على كل خصلةٍ حكاية،
ثم يتركها تُجفّفُ أسرارُها في الهواء.
تُزخرفُ الحدائقُ العشبَ بالألوان،
وتزرعُ في الضوءِ أعيادًا صغيرة،
والأزهارُ تُطلقُ عطرها
كأنها تُرسلُ رسائلَ بلا عناوين،
وتُربّي الأشجارُ ظلالًا تعرفُ أسماءَ الجالسين.
والأثرُ..
يخرجُ من زمنه،
يمشي بين الجدران،
يُقلّبُ صفحاتِ الحجر،
ويُعيدُ للخطى أصواتَها الأولى.
تُعلنُ القططُ سيادتها على
الحواف،
توقّعُ حضورها بنعومةٍ متمرّدة،
ويُحرّكُ البطُّ صفحةَ الماء،
يُعيدُ ترتيبَ السكون،
ينسجُ الحمام سطورًا على أسلاكِ الكهرباء،
ويتركُ للهواء قراءةَ القصيدة.
تفتحُ المآذنُ صدورَها
للسماء،
وتُطلقُ نداءً يتسلّقُ الضوء،
فيُعيدُ للجهاتِ أسماءها الأولى.
مرسينُ تُوزّعُ روحها على التفاصيل،
وتتركُ في كل زاويةٍ قلبًا صغيرًا
ينبضُ باسمها.
طقسُها:
أن تُصغي لما يتشكّل فيك،
أن تُسلّمَ قلبَك ليدٍ من ماء،
وأن تُصبحَ خفيفًا
كأنك خُلِقت الآن.
تعليقات
إرسال تعليق