الدمُ حدٌّ فاصلٌ بين شعارِ المقاومةِ والذاكرةِ السوريةِ الجريحة

 



لم يكن التحول في الموقف السوري من بعض القوى الإقليمية حدثًا سياسيًا عابرًا، بل كان نتيجة مسار طويل تغيّر فيه المعنى قبل أن يتغيّر الموقف. فالشعارات التي كانت تُرفع بوصفها دفاعًا عن الكرامة، اصطدمت في الداخل السوري بصور الدم، والبيوت المهدّمة، وأصوات الأطفال التي لم تجد من يحميها. عند تلك اللحظة، لم يعد الخلاف سجالًا أيديولوجيًا حول تعريف "المقاومة"، بل أصبح سؤالًا أخلاقيًا حول الإنسان نفسه. وحين يسيل الدم في الأزقّة، لا تبقى الكلمات كما كانت؛ يتبدّل معناها، ويصبح الدم حدًّا فاصلًا بين الشعار والذاكرة، بين الخطاب والجرح، بين ما قيل على المنابر وما عاشه الناس في بيوتهم.

 

الجملة التي غيّرت المعنى

في الحروب، لا تتبدل الخرائط وحدها، تتبدل الكلمات أيضًا. كلمةٌ كانت يومًا تعني "مقاومة"، صارت عند آخرين تعني "اقتحام مدينة واحتلالها".

جملةٌ قيلت من منبر سياسي، استقرت في ذاكرة أمٍّ فقدت ابنها كأنها حكمٌ أبدي عليها.

لهذا، حين يُلاحظ اليوم أن قطاعًا واسعًا من السوريين لا يتعاطف مع ما يتعرّض له حزب الله أو الحرس الثوري الإيراني في سياق الصراع الإقليمي مع إسرائيل والولايات المتحدة، فإن الظاهرة لا تُفهم سياسيًا فقط، بل دلاليًا ونفسيًا.

المسألة ليست تبدّل تحالفات، بل تبدّل معنى.

 

تحوّل العلامة… من "مقاومة" إلى "طرف داخلي"

قبل عام 2011، ارتبط اسم حزب الله في المخيال العربي بحرب تموز 2006، وبخطاب المواجهة مع إسرائيل. لكن مع دخوله الحرب السورية بشكل علني عام 2013 بصفة ميليشيات مسلحة، تغيّر السياق.

في علم الدلالة، العلامة لا تحمل معناها بذاتها، بل من خلال موقعها في التجربة. وحين انتقل الفعل العسكري إلى الداخل السوري، انتقل معه المعنى. بالنسبة إلى شريحة واسعة من السوريين المعارضين، لم يعد الحزب يُقرأ بوصفه قوة مواجهة خارجية، بل بوصفه فاعلًا في صراع سوري داخلي .

وهنا حدث الانزياح الرمزي:

من رمز قومي جامع، إلى طرف في ذاكرة ألم.

 

الحولة… صدمة البراءة المنتهكة

في أيار 2012، قُتل في الحولة عشرات المدنيين، بينهم أطفال، وفق تقارير أممية ومنظمات حقوقية. تعدّدت الروايات السياسية بشأن المسؤوليات المباشرة، لكن في الوعي الشعبي السوري المعارض  ترسّخت صورة واحدة: أطفال ممدّدون في أكفان بيضاء.

في التحليل الذرائعي، كانت البؤرة الأخلاقية هنا هي الطفولة بوصفها قيمة مطلقة.

الصدمة النفسية نتجت عن انتهاك هذه القيمة، والخطاب المتولّد كان خطاب مظلومية وجودية، لا سياسية فقط.

كل جهة عُدّت حليفة للنظام في تلك المرحلة دخلت — في المخيال الشعبي — ضمن دائرة الاتهام الأخلاقي، سواء ثبت تورطها المباشر أو اعتُبرت جزءًا من منظومة الدعم.

الحولة لم تكن حدثًا عابرًا، بل قطيعة رمزية.

 

القصير… صدمة الاقتلاع

شكّلت معركة القصير عام 2013 لحظة مفصلية مع الإعلان العلني لمشاركة الحزب في القتال هناك.

في المخيالالشعبي السوري المعارض، ارتبط اسم القصير بمفردات: التهجير، النزوح، فقدان المكان. هنا لم تكن الصدمة في الموت وحده، بل في اقتلاع الناس من جغرافيتهم.

في القراءة الذرائعية، تمثّلت البؤرة الأخلاقية في الحق في الأرض، بينما تمثل المستوى التداولي في انتقال الفعل العسكري من شعار مقاومة خارجية إلى تدخل مباشر داخل سوريا.

 أما الأثر النفسي فكان شعورًا بخلل في السيادة والهوية.

الحولة مست الكائن الإنساني في هشاشته، والقصير مست المكان في معناه الوجودي.

ومعًا شكّلتا بنية رمزية عميقة في وعي شريحة واسعة من السوريين.

 

خطاب التباهي والإقصاء

خلال سنوات الحرب، تداولت منصّات إعلامية مقاطع وتصريحات من أطراف وميلشيات مختلفة تتضمن افتخارًا بأعداد (القتلى) من المدنيين  السوريين في المعارك. وسواء اختلفت السياقات أو دقّة النسب، فإن أثر هذا الخطاب كان بالغًا.

في التحليل الدلالي، حين يتحوّل القتل إلى رقم يُحتفى به، تفقد الحياة اسمها، وتتحوّل من فرد إلى إحصاء.  تلك المرأة الجنوبية التي تتحدّث علنًا عن عدد كبير من السوريين الذين قُتلوا على يد ابنها، الصدمة لم تكن في الرقم وحده، بل في نبرة الفخر والاعتزاز.  

كما أن بعض الخطابات السياسية التي وُجّهت إلى معارضي النظام الأسدي، وتضمّنت دعوات إلى القبول بالأمر الواقع أو المغادرة، استُقبلت في الوعي المعارض بوصفها إقصاءً رمزيًا.

في ذاكرة السوري الذي رأى البحر طريق لجوء وغرق، لم تكن عبارة "المغادرة" مجرد استعارة، بل تهديدًا وجوديًا.

 

صورة الجوع… حين تصبح البلدة استعارة

الغوطة الشرقية -مضايا

تحولت الغوطة ومضايا في الوعي الجمعي إلى أكثر من جغرافيا.

صارتا مفردتين تختصران معنى الحصار والجوع.

وخلال تلك المرحلة، تداولت منصات إعلامية معارضة صورًا أو روايات عن مظاهر احتفال في مناطق ميليشيات حزب الله وإيران بالتقدم العسكري، بينها مشاهد توزيع حلويات.

بغض النظر عن الجهة المنظمة أو دقة كل رواية، فإن الصورة استقرت في المخيال المعارض كعلامة قاسية:

الجوع هنا… والاحتفال هناك.

في الدلالة الثقافية، الحلوى رمز للفرح. لكن حين تُجاور صورة الجسد الهزيل، تنقلب إلى رمز للفجوة الأخلاقية.

وهكذا لم يعد الخلاف سياسيًا فقط، بل أصبح أخلاقيًا في جوهره.

 

لماذا يتجلّى موقف رافض اليوم؟

ما يظهر اليوم من غياب التعاطف أو من مواقف حادّة تجاه ما يصيب الحزب أو إيران لا يُفهم كحدث منفصل، بل كنتيجة تراكمية لذاكرة لم تُعالَج.

حين يرى من فقد أهله أو بيته خصمه السياسي في موقع ضعف، يشعر — ولو لحظة — بأن ميزانًا اختل طويلًا قد اعتدل. لكن هذا الشعور ليس مشروعًا سياسيًا، بل تفريغ انفعالي.

 

اللغة… آخر ميادين الحرب

لم تعد الحرب في الميدان فقط؛ لقد انتقلت إلى اللغة.

كل مفردة اليوم تصطف في جبهة:

"مقاومة" في خطاب،"ميليشيا" في خطاب آخر،

"شهيد" هنا،"قتيل" هناك.

الكلمات لم تعد وصفًا، بل موقفًا.

 صار الاتهام رصاصة رمزية، والتعميم قصفًا لغويًا، والشماتة شظية في الوعي الجمعي.

اللغة نفسها أصبحت ساحة حرب لا تقل قسوة عن الميدان.

 

إمكانية العودة ؟

ومع ذلك، لا تموت اللغة نهائيًا. إنها تتشوّه، لكنها تحتفظ بإمكانية الشفاء.

قد يحتاج الأمر زمنًا طويلًا تُصفّى فيه النوايا، وتُعاد فيه صياغة الأهداف حول قيمة الإنسان لا حول خرائط النفوذ.

ربما لن يكون الجيل الذي عاش الحرب هو الجيل الذي يصوغ المصالحة، لكن كل خطاب يختار التحليل بدل التحريض، والتفكيك بدل الشتم، هو خطوة في اتجاه مختلف.

الشماتة لحظة، لكن العدالة مسار.

واللغة — رغم كل شيء — يمكن أن تكون سلاحًا، كما يمكن أن تكون بداية شفاء.

 

خاتمة: ما يبقى بعد الدم

الدم لا يجادل. لا يخطب. لا يرفع شعارًا. إنه يضع حدًّا.

حدًّا بين كلمةٍ قيلت بثقة، وبيتٍ تهدّم بصمت.

بين منبرٍ ممتلئ بالتصفيق، وأمٍّ تمسك صورة ابنها ولا تجد جوابًا.

وحين يصبح الدم شاهدًا، تتراجع البلاغة، وتسقط الزينة عن الكلمات،

ويبقى سؤالٌ واحد:

أيُّ معنى يستحق أن يُدفع ثمنه حياة؟

ربما ستعود اللغة يومًا أكثر تواضعًا، أقل صخبًا، وأصدق إنسانية.

لكن إلى أن يحدث ذلك، سيظلّ الدم حدًّا فاصلًا، لا بين أطرافٍ سياسية فحسب، بل بين الشعار… والذاكرة        #دعبيرخالديحيي                     مرسين – تركيا                  3/ 3/ 2026

تعليقات