حين بكت أمي يوم مات حافظ الأسد
في مثل هذا اليوم، ظهيرة العاشر من حزيران عام 2000، أُعلن نبأ وفاة حافظ الأسد.
أقول: أُعلن نبأ وفاته، لأن كثيرين منا كانوا يعتقدون أنه مات قبل ذلك بمدة طويلة، بعد سنوات من الغياب والسبات، وأن البلد كانت تُدار باسمه أكثر مما تُحكم بحضوره. لم نكن نملك دليلاً، لكن ذلك كان مما يتناقله الناس همسًا في تلك الأيام.
كنت يومها في طريقي لزيارة أمي المريضة.
ما إن سمعت الخبر حتى أسرعت إليها. صعدت درجات السلم درجتين بقفزة واحدة، رغم أنني كنت في بداية حملي بابنتي الصغيرة. طرقت الباب طرقات متلاحقة، فتحت أختي الباب، فتجاوزتها مباشرة نحو غرفة أمي وأنا أصرخ بفرح طفولي لا أعرف من أين جاء:
ـ أمييييي... أعلنوا موت حافظ الأسد!
فاجأني ما رأيت.
لم تقفز فرحًا.
لم تبتسم.
لم تقل حتى كلمة واحدة.
أشارت إليّ أن أخفض صوتي، ثم انفجرت بالبكاء.
تجمدت في مكاني.
كيف يمكن لإنسان عاش تحت حكم طاغية ثلاثين عامًا ألا يفرح بزواله؟
ولماذا يبدو الخوف في عينيه أقوى من الفرح؟
اقتربت من سريرها، وضعت يدي على كتفيها وقلت:
ـ ماما... زعلتي؟
لازم تفرحي. مات حافظ الأسد. فهمتي؟ مات حافظ الأسد... ومات معه الخوف.
رفعت رأسها نحوي وقالت بصوت واهن:
ـ ما خايفة عحالي... خايفة عليكي. وخايفة من حماسك ولسانك.
ضحكت يومها.
قلت لها:
ـ إنتِ دائمًا خايفة من لساني.
قالت:
ـ ومن هادا...
وأشارت إلى رأسي.
قلت بثقة الشباب التي لم تكن تعرف الدنيا جيدًا:
ـ لهذا الراس رب يحفظه. والروح ما بتطلع إلا بأمر الله، مو بأمر حدا.
نظرت أمامها طويلًا.
وتدفقت دموعها بهدوء.
لم أفهم دموعها آنذاك.
كنت أعرف أنها لم تحب حافظ الأسد يومًا.
ولم تكن من أولئك الذين بكوه أو صدقوا أسطورة الزعيم الخالد.
فكرت أنها ربما تبكي عمرها الذي مضى؛ ثلاثون سنة من أصل ثمانٍ وخمسين عاشتها في ظل حكم رجل واحد.
انتظرتها حتى هدأت.
ثم سألتها:
ـ ماما... زعلتي عليه؟
هزت رأسها بالنفي وقالت جملة لا تزال ترن في أذني حتى اليوم:
ـ إجا أجله... والله يصطفل فيه.
ثم أضافت:
ـ بس زعلانة عليكم... وخايفة أكتر.
قلت لها بثقة من يظن أن التاريخ يسير بمنطق بسيط:
ـ لا تزعلي ولا تخافي. بكرا بتصير انتخابات وبيجينا غيره أحسن منه.
هزت رأسها.
وقالت:
ـ الموضوع مو بالسهولة اللي متصورتيها. لا انتخابات ولا من يحزنون. حدا من عيلته رح يستلم. وإذا ما صار هيك، رح يصير الدم للركب.
قلت:
ـ قصدك رفعت؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة ونفت بعينيها.
ثم قالت:
ـ حدا من ولاده... مستحيل يطلع الحكم برا بيته.
كان ذلك قبل أن يتسلم بشار الأسد السلطة بأسابيع قليلة.
وقبل أن أفهم معنى الجملة التي ختمت بها حديثها:
ـ هاد عظمه أزرق.
لم أفهمها يومها كما ينبغي.
لكن السنوات اللاحقة شرحتها لي حرفًا حرفًا.
اليوم، بعد ستة وعشرين عامًا على ذلك الحوار، لا أتذكر خبر الوفاة بقدر ما أتذكر دموع أمي.
لم تكن تبكي الرجل.
كانت تبكي المستقبل.
كانت ترى ما لم أره.
وترى ما عجزت حماسة الشباب عن رؤيته.
كانت تعرف أن الأنظمة التي تبني نفسها على الخوف لا تموت بموت أصحابها، وأن توريث السلطة ليس حادثًا عابرًا بل ثقافة حكم كاملة.
بعد شهرين تقريبًا رحلت أمي.
رحلت قبل أن ترى الابن يرث الأب.
وقبل أن ترى سوريا تدخل النفق الطويل الذي عرفناه جميعًا.
لكنها تركت لي في ذلك اليوم درسًا لم أنسه أبدًا:
ليس كل من يبكي عند سقوط الطغاة يبكي عليهم.
أحيانًا يبكي لأن خبرته بالحياة تجعله يرى ما هو قادم.
وأحيانًا لأن الخوف الذي عاش عقودًا في القلوب لا يموت في يوم واحد، حتى لو مات صاحبه.
في العاشر من حزيران عام 2000 كنت أظن أن الطاغية مات.
أما أمي، فكانت تعرف أن الحكاية لم تبدأ بعد.
لكن الحكاية لم تنتهِ كما خافت أمي، ولا كما ظننت أنا.
صحيح أن الابن ورث الأب، وأن سوريا دفعت أثمانًا تفوق ما تخيلناه يومها، وصحيح أن البلاد عبرت سنوات من الدم والخراب والقهر، لكن عجلة التاريخ لم تتوقف عند أبواب القصر.
بعد ربع قرن تقريبًا من ذلك الحوار، شهدنا سقوط الابن الذي ورث السلطة كما تنبأت أمي. سقط النظام الذي بدا يومًا أنه قدر أبدي، وهرب رأسه تاركًا خلفه شبكة من المنتفعين والموالين والقتلة الذين وجد كثير منهم أنفسهم فجأة أمام واقع لم يتعلموا كيف يعيشون خارجه.
كان مشهدًا يختلط فيه الانهيار بالذهول؛ أشخاص أمضوا أعمارهم يرددون رواية واحدة عن الوطن والتاريخ والقائد، ثم استيقظوا ليجدوا أن الرواية نفسها قد سقطت. بعضهم اختار القلق، وبعضهم اختار الإنكار، وبعضهم ازداد انفصالًا عن الواقع، وكأن الاعتراف بالحقيقة أشد قسوة من احتمالها.
أما أنا، فكلما تذكرت ذلك اليوم من حزيران، تذكرت أمي أكثر مما أتذكر حافظ الأسد. أدرك اليوم أن خوفها لم يكن خوفًا من موت الطاغية، بل من الثمن الذي قد تدفعه سوريا قبل أن تتخلص من إرثه.
وقد كان الثمن باهظًا فعلًا.
لكن سوريا التي نجت من الأب، ثم من الابن، قادرة أيضًا على أن تنجو من الخوف الذي زرعاه في قلوب أجيال كاملة.
ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن أمي أخطأت في أمر واحد فقط:
لم يكن الحكم قدرًا أبديًا في تلك العائلة.
تأخر سقوطه كثيرًا...
لكنه سقط.
تعليقات
إرسال تعليق