حوارات ذرائعية مع الفلسفات النقدية: من حدث التفكيك إلى فاعلية النص ومقولة جاك دريدا
تُعد مقولة: «التفكيك يحدث، وإنه حدث لا ينتظر تداولًا أو وعيًا أو تنظيمًا من ذات فاعلة» من أبرز العبارات التي تجسد الفلسفة التفكيكية في بعدها الأنطولوجي. فهي لا تتعامل مع التفكيك بوصفه منهجًا نقديًا يختاره الناقد، بل باعتباره حدثًا متأصلًا في بنية اللغة ذاتها، حيث تنطوي النصوص على تناقضاتها الداخلية وإمكاناتها اللامحدودة للانفتاح على المعنى.
وقد مثّلت هذه الرؤية تحولًا نوعيًا في الفكر النقدي؛ إذ سحبت من الناقد سلطة إنتاج المعنى، وجعلت دوره أقرب إلى الكشف عن ديناميات التفكك الكامنة في النص. غير أن هذا التصور، على ما ينطوي عليه من عمق فلسفي، يثير تساؤلًا جوهريًا: إذا كان التفكيك يحدث بصورة تلقائية، فمن أين يستمد النص قدرته على الاستمرار؟ وكيف يحافظ على تأثيره في الوعي الإنساني عبر الزمن؟
في هذا السياق، تبرز المقاربة الذرائعية.
فالذرائعية لا تنكر تعددية القراءات الممكنة للنص، ولا تغفل التوترات الداخلية التي أشار إليها دريدا، لكنها ترى أن هذه التوترات لا تمثل الحقيقة الكاملة للنص. فالنص ليس كيانًا لغويًا مغلقًا، ولا مجرد شبكة من الاختلافات والإرجاءات، بل هو فعل إنساني نشأ ضمن سياق محدد، تحكمه غاية، ويؤدي وظيفة، ويستهدف إحداث أثر في المتلقي.
وعليه، فإن السؤال الذرائعي لا ينطلق من: كيف يتفكك النص؟، بل من: كيف يعمل النص؟
إن الفارق بين السؤالين لا يقتصر على الصياغة، بل يمتد إلى الرؤية الفلسفية ذاتها. فالتفكيكية تجعل التفكك قانونًا يحكم كل خطاب، في حين ترى الذرائعية أن الفاعلية هي المعيار الذي يمنح الخطاب قيمته. فالنص الذي يفقد فاعليته لا ينقذه تعدد التأويلات، بينما قد يظل النص حيًا عبر القرون بفضل قدرته المستمرة على إنتاج أثر معرفي أو جمالي أو إنساني، مهما تنوعت قراءاته.
ومن أبرز المآخذ الفلسفية على التصور التفكيكي تركيزه على لحظة التشظي، مع إغفال السؤال عن أسباب انتظام النص في الأصل. فقبل أن يحمل النص بذور تفككه، كان قد امتلك قدرة على التشكل، وبناء شبكة من العلاقات الدلالية، وتحقيق وظيفة تواصلية وجمالية. وهذه الوظائف ليست مجرد افتراضات ميتافيزيقية، بل هي التي منحت النص قيمته وجعلته جديرًا بالقراءة منذ البداية.
ومن المنظور الذرائعي، لا ينشأ النص من فراغ، ولا يتحرك خارج شروط إنتاجه. فالمبدع ليس غائبًا تمامًا، كما أن المتلقي ليس صاحب السيادة المطلقة على المعنى، والنص ليس فضاءً فوضويًا بلا ضوابط. بل يتشكل المعنى من تفاعل هذه العناصر ضمن سياق ثقافي وتاريخي وتداولي، مما يجعل القراءة عملية بحث عن آليات إنتاج الدلالة واستمرارها، لا مجرد كشف عن مظاهر الانهيار.
وهنا يتجلى اختلاف جوهري آخر بين المنهجين. فالتفكيكية تنطلق من أن الاختلاف يؤجل المعنى إلى ما لا نهاية، بينما ترى الذرائعية أن تعدد المعاني لا ينفي وجود معنى أكثر ترجيحًا تحدده بنية النص وسياقه ووظيفته. فالتأويل حر، لكنه ليس اعتباطيًا، والانفتاح الدلالي مشروع، لكنه ليس بلا حدود.
ويقدم تاريخ الأدب ذاته دليلًا واضحًا على ذلك؛ إذ إن النصوص الكبرى لم تكتسب خلودها لمجرد قابليتها للتفكيك، بل لقدرتها المتجددة على التواصل مع الإنسان، وإنتاج قيم جمالية وفكرية تتجاوز زمنها. ولو كان التفكيك وحده هو سر بقاء النصوص، لتساوت جميعها في القيمة، ولما احتفظت الأعمال الأدبية الخالدة بتميزها.
ومن هذا المنطلق، تقترح الذرائعية الانتقال من فلسفة التشظي إلى فلسفة الفاعلية. فالتفكيك قد يمثل مرحلة من مراحل القراءة، وأداة مفيدة للكشف عن مناطق الصمت والتوتر، لكنه لا يكفي وحده لتفسير نشأة النص، أو أسباب استمراره، أو طبيعة أثره في المتلقي.
وعليه، يمكن إعادة صياغة مقولة دريدا في ضوء الرؤية الذرائعية على النحو الآتي:
قد يحدث التفكيك داخل كل نص، غير أن ما يفسر وجود النص واستمراره ليس تفككه، بل فاعليته؛ فالنص لا يعيش لأنه قابل للتشظي، وإنما لأنه قادر على إنتاج المعنى وتجديد أثره في كل قراءة.
إن الفلسفة النقدية لا تكتمل بالبحث عن الشقوق التي تتسلل منها الدلالة، بل تكتمل أيضًا بالبحث عن القوى التي تمنح النص تماسكه، وحضوره، وقدرته على الاستمرار. وإذا كان دريدا قد بيّن أن النص لا ينغلق على معنى واحد، فإن الذرائعية تضيف أن النص لا يظل حيًا إلا بفضل وظيفته المتجددة، وفاعليته المستمرة، وقدرته على الحوار مع الإنسان عبر الأزمنة.
وبذلك، لا تقف الذرائعية في مواجهة التفكيكية، بل تتجاوزها؛ إذ تنقل مركز الاهتمام من سؤال كيف يتفكك النص؟ إلى سؤال أكثر شمولًا: كيف ينشأ النص؟ وكيف يعمل؟ وكيف يستمر؟ ولماذا يظل قادرًا على إنتاج المعنى عبر التاريخ؟ وفي هذا التحول، تنتقل الفلسفة النقدية من رصد التشظي إلى فهم الحيوية الكامنة في النص، وهي الحيوية التي تجعل الأدب فعلًا إنسانيًا متجددًا، لا مجرد بنية تنتظر لحظة انهيارها.
تعليقات
إرسال تعليق