حين تعرف الصورة أكثر مما تعرفه العائلةفيديوهات التضامن بين كشف الجاني وحق عائلات الضحايا في الحقيقةبقلم د.عبير خالد يحيي


في الأمس، عادت قصة مجزرة التضامن إلى الواجهة من باب جديد.

ظهرت أنصار شحود في الفيلم الوثائقي الذي تناول عملية تواصلها مع أمجد يوسف، وتحدثت عن تفاصيل المهمة التي بدأت خلف شاشة، بهوية مستعارة، وانتهت بكشف واحد من أكثر الأسماء ارتباطاً بجريمة التضامن.

استعادة هذه القصة مهمة؛ لأنها تكشف جانباً من العمل الذي جرى خلف الوصول إلى هوية أمجد يوسف، وتعيد إلى الذاكرة كيف أمكن بناء خيوط التحقيق والوصول إلى معلومات ساعدت في كشف الجاني.

غير أن ظهور هذه القصة من جديد يفتح، بالنسبة إلى عائلات الضحايا، باباً آخر لا يقل أهمية.

باباً لم يُغلق بعد.

ماذا حدث للفيديوهات الأخرى التي كانت بحوزة فريق التحقيق؟

وماذا عن العائلات التي كانت تبحث عن أبنائها، بينما كانت بعض الصور المتعلقة بمصائرهم موجودة في تلك المواد؟

هنا تبدأ قصتنا.

حين يكون الدليل عند أحد… والحقيقة عند عائلة تنتظر

من بين العائلات التي ظلت تبحث طويلاً عن مصير أبنائها عائلة الدكتورة رانيا العباسي.

رانيا وأطفالها اختفوا منذ سنوات، وظلت العائلة معلقة بين الاحتمالات، تبحث عن خبر، عن صورة، عن أثر صغير يمكن أن يضع حداً لهذا الانتظار.

وفي سياق البحث عن الحقيقة، تواصل حسان العباسي مع أنصار شحود، وأرسل إليها صور رانيا وأطفالها، طالباً معرفة ما إذا كانوا يظهرون في المواد المصورة الموجودة لديها.

جاءه الرد، بحسب المحادثة التي تحتفظ بها العائلة، بعد أن قالت أنصار إنها عادت وتحققت من الأمر:

«أنا رجعت تأكدت إنه أولاد أختك وأختك ما ظاهرين بالفيديوهات الموجودة عنا والحمدلله».

كانت هذه بالنسبة إلى العائلة إجابة واضحة.

الأطفال، وفق ما قيل لها، ليسوا في الفيديوهات الموجودة.

وهذا يعني، بصورة طبيعية، أن عليها أن تواصل البحث في مكان آخر.

غير أن الحقيقة التي ظهرت لاحقاً كانت مختلفة.

ظهر أن أطفال رانيا العباسي كانوا بالفعل في أحد التسجيلات التي وثقت جرائم التضامن.

وهنا لا تستطيع العائلة أن تتعامل مع المسألة باعتبارها تفصيلاً عابراً.

لأن الأمر لم يكن متعلقاً بفيديو مجهول الأهمية.

كان متعلقاً بمصير أطفال تبحث عنهم عائلة منذ سنوات.

ثلاثة عشر عاماً من الانتظار

عندما يكون الإنسان مفقوداً، لا يصبح الزمن مجرد أرقام.

كل سنة تحمل سؤالاً.

وكل صورة قد تكون باباً.

وكل معلومة، مهما بدت صغيرة، يمكن أن تغيّر حياة عائلة كاملة.

لهذا فإن معرفة وجود صورة أو تسجيل يوثق مصير شخص مفقود ليست معلومة عادية يمكن تأجيلها.

إنها جزء من حق العائلة في المعرفة.

وإذا كانت هناك أسباب تحقيقية أو قانونية تمنع نشر التسجيل للعامة، فهذا أمر مختلف تماماً عن أن تبقى العائلة نفسها بلا معلومة عن وجوده.

هناك فرق بين حماية الدليل وبين حجب الحقيقة عن أصحابها.

وهذا هو السؤال الذي يفرض نفسه في قضية أطفال رانيا.

إذا كانت التسجيلات موجودة، وإذا كانت تتضمن صوراً لأطفالها، فمتى جرى التعرف إليهم؟

ومن كان يعرف بوجودهم؟

ومتى وصلت هذه المعلومة إلى العائلة؟

ولماذا قيل لها، بعد التحقق، إنهم غير ظاهرين في الفيديوهات الموجودة؟

ليست قضية أنصار شحود وحدها

من المهم هنا ألا تتحول المسألة إلى خصومة شخصية.

ولا ينبغي أن يؤدي السؤال عن إدارة الأدلة إلى إنكار الدور الذي قامت به أنصار شحود في كشف أمجد يوسف.

فكشف هوية شخص متهم بارتكاب جريمة بهذا الحجم عمل له أهميته في مسار العدالة.

غير أن الاعتراف بهذا الدور لا يلغي الأسئلة الأخرى.

بل ربما يجعل طرحها أكثر ضرورة.

لأن الشخص أو الفريق الذي يصل إلى الأدلة يمتلك مسؤولية إضافية تجاهها.

الدليل في جرائم الاختفاء والقتل الجماعي ليس مادة بحثية فحسب.

إنه قد يكون آخر أثر لإنسان.

وقد تكون الصورة الموجودة في ملف ما هي الشيء الوحيد الذي يسمح لأمه أو أبيه أو إخوته بأن يعرفوا ماذا حدث له.

لهذا ينبغي أن تكون هناك قواعد واضحة:

من يحتفظ بالأدلة؟

من يملك حق الاطلاع عليها؟

من يقرر ما الذي يمكن نشره وما الذي يجب حجبه؟

كيف يجري التواصل مع عائلات الضحايا؟

ومن يتحمل المسؤولية عندما تكون معلومة جوهرية متاحة ولا تصل إلى أصحابها؟

27 مقطعاً… ومئات الوجوه

تزداد أهمية هذه الأسئلة مع ما ظهر في التغطيات الحديثة للقضية حول حجم المواد المصورة.

الحديث لم يعد عن التسجيل الشهير وحده.

التغطيات المتعلقة بالفيلم الوثائقي الجديد تشير إلى عشرات المواد المصورة، من بينها 27 مقطعاً ظهر فيها 288 قتيلاً، معظمهم من المدنيين.

إذا صحت هذه المعطيات، فنحن أمام أرشيف بصري بالغ الخطورة والأهمية.

مئات الوجوه.

مئات المصائر.

ومئات العائلات التي ربما ما زالت تبحث عن إجابة.

 
هنا يصبح سؤال:
من يعرف مصير هؤلاء الأشخاص؟
أهم بكثير من سؤال : 
من كشف أمجد يوسف

الصورة ليست ملكاً لمن يمتلكها:

هناك جانب أخلاقي بالغ الحساسية في التعامل مع هذه التسجيلات.

من الناحية الصحفية، يمكن أن تكون الصورة دليلاً.

ومن الناحية البحثية، قد تكون وثيقة.

ومن الناحية القضائية، قد تكون مادة إثبات.

أما بالنسبة إلى العائلة، فهي شيء آخر تماماً.

قد تكون الصورة الأخيرة لطفلها.

آخر لحظة يمكن أن تراه فيها.

آخر دليل على أنه كان موجوداً.

ولهذا فإن التعامل مع هذه المواد باعتبارها مجرد «محتوى» يختزل مأساة الإنسان إلى مادة إعلامية.

وحين تنتقل الصور من فريق إلى مؤسسة إعلامية، أو من باحث إلى وثائقي، أو من أرشيف إلى جهة أخرى، يصبح السؤال عن سلسلة حيازة الدليل ضرورياً.

من أين جاءت الصورة؟

من كان يملكها؟

من سلّمها؟

متى؟

وبأي صفة؟

وهل حصل أصحاب الحق فيها، أي عائلات الضحايا، على فرصة لمعرفة ما تتضمنه قبل أن تتحول إلى مادة إعلامية؟

وماذا عن الـBBC؟

هنا يجب أن نكون دقيقين.

ظهرت مواد إعلامية عن رانيا العباسي وأطفالها، وتناولت BBC القضية ومصير الأطفال، كما ظهرت المواد الوثائقية الجديدة التي أعادت تقديم قصة أنصار شحود وأمجد يوسف.

لكن السؤال الذي يحتاج إلى إجابة موثقة ليس فقط: من نشر الفيديو؟

السؤال الأهم:

من سلّم المادة إلى المؤسسة الإعلامية التي نشرتها؟

وهل كان هناك اتفاق على حقوق استخدامها؟

وهل كانت هناك مقابل مالي أو ترتيبات تجارية؟

وإذا كانت هناك معاملة مالية، فما طبيعتها ومن أطرافها؟

هذه أمور لا ينبغي افتراضها أو اتهام أحد بها من دون وثيقة.

لكن من حق الجمهور، ومن حق عائلات الضحايا بصورة خاصة، أن تعرف مسار الأدلة التي تتعلق بمصير أبنائها.

أين تقف العائلة في كل هذا؟

العائلة لا تطلب بطولة.

ولا تطلب إسقاط بطولة شخص آخر.

العائلة تريد الحقيقة.

فبالنسبة إلى عائلة رانيا، لم يكن السؤال عن هوية أمجد يوسف هو السؤال الوحيد.

كان هناك سؤال أكثر قرباً من القلب:

أين أطفال رانيا؟

وحين تظهر لاحقاً تسجيلات توثق مصيرهم، يصبح من الطبيعي أن تسأل العائلة:

لماذا لم نعرف؟

ولماذا قيل لنا إنهم غير موجودين؟

ومن كان يعرف؟

ومتى عرف؟

ولماذا بقيت الحقيقة بعيدة عنا كل هذه السنوات؟

هذه ليست رغبة في الانتقام.

إنها محاولة لفهم ما حدث.

ومساءلة كل من امتلك معلومة جوهرية عن مصير أطفالنا ولم يوصلها إلينا.

لا نريد صناعة بطل جديد

ربما آن الأوان لأن نعيد النظر في الطريقة التي تُروى بها قصص الجرائم الكبرى.

الجاني ليس وحده محور القصة.

والباحث الذي يكشف الجاني ليس وحده محور القصة.

الإعلام الذي ينشر الوثيقة ليس محور القصة.

هناك دائماً أولئك الذين اختفت أصواتهم.

الضحايا.

وعائلاتهم.

وحقهم في الحقيقة.

يمكن أن نعترف بأن أنصار شحود ساهمت في كشف أمجد يوسف.

وفي الوقت نفسه يمكن أن نسألها، ونسأل كل من كانت لديه صلة بهذه المواد:

ماذا حدث للفيديوهات الأخرى؟

ماذا كان معروفاً عن أطفال رانيا؟

كيف جرى التحقق من وجودهم أو عدم وجودهم؟

من قرر أن العائلة لا تحتاج إلى معرفة ما ظهر في التسجيلات؟

ومتى انتقلت المواد إلى الجهات المختصة؟

وكيف وصلت لاحقاً إلى المؤسسات الإعلامية؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من أحد.

إنها تحاول فقط أن تعيد ترتيب الأولويات.

فالعدالة لا تبدأ من الجاني وتنتهي عنده.

العدالة تبدأ من الضحية.

ومن حقها في أن تُعرف حقيقتها.

الحقيقة التي تأخرت ثلاثة عشر عاماً

ربما تكون أكثر جملة تختصر مأساة عائلة رانيا هي هذه:

كان يكفي أن تصل الحقيقة في وقتها.

لم تكن العائلة تحتاج إلى بطولة.

ولا إلى فيلم.

ولا إلى ظهور إعلامي.

كانت تحتاج إلى أن تعرف مصير أطفالها.

فلو قيل لها في ذلك الوقت إن التسجيل موجود، وإن الأطفال يظهرون فيه، لكان الألم مختلفاً.

كان سيكون ألماً أمام الحقيقة، لا ألماً أمام المجهول.

ولهذا فإن القضية اليوم ليست البحث عن بطل جديد.

إنها البحث عن الحقيقة الكاملة.

حقيقة الفيديوهات.

حقيقة من امتلكها.

حقيقة من شاهدها.

حقيقة من تحقق منها.

حقيقة من أخفى أو حجب معلومة عنها.

وحقيقة الطريق الذي سلكته هذه الأدلة حتى وصلت إلى المؤسسات الإعلامية.

أما أطفال رانيا، فلا ينبغي أن يبقوا مجرد وجوه في فيلم وثائقي.

إنهم أطفال كانت لهم أسماء وبيت وأم وأب وعائلة تنتظر.

والسؤال الذي سيبقى قائماً، إلى أن يحصل أهاليهم على جواب واضح:

إذا كانت صور أطفالنا موجودة منذ سنوات، فلماذا احتجنا إلى كل هذا الوقت حتى نعرف الحقيقة؟

#دعببرخالديحيي



شاركي المقال: تلغرام X فيسبوك واتساب لينكدإن Threads

تعليقات