"تواتر الأرواح" للكاتب السوري عدنان جنوب : حين يصبح الغياب طريقة أخرى للحضور _ قراءة نقدية بقلم د.عبير خالد يحيي


تبدو رواية "تواتر الأرواح" للكاتب عدنان علي جنوب، في ظاهرها، رواية عن أشخاص رحلوا، وعن ذكريات تتكشّف متأخرة، وعن دفاتر ورسائل وصور تستعيد ما ظنناه منتهيًا. غير أن القراءة المتأنية تكشف أن الرواية لا تنشغل بالموت بوصفه نهاية، وإنما بالسؤال الأكثر قلقًا: ماذا يبقى من الإنسان حين يغيب؟

من هنا تأتي دلالة العنوان. فـ"تواتر الأرواح" لا يعني عودة الأرواح بالمعنى الغيبي، وإنما انتقال شيء من الإنسان إلى إنسان آخر: كلمة، موقف، عادة، طريقة في الإصغاء، ذاكرة، خوف، حب، أو حتى طريقة في النظر إلى العالم. الإنسان، وفق المنطق الداخلي للرواية، لا ينتهي تمامًا حين يغيب؛ إنه يستمر في الذين عبروا حياته.

وهذه الفكرة تمنح الرواية بنيتها العميقة: كل إنسان أثرٌ متحرك في أرواح الآخرين.

من العزلة إلى الإصغاء

يبدأ (راوي)، بطل الرواية، من موقع يبدو فيه منفصلًا عن العالم. غير أن مسار الرواية لا يقوم على رحلة جغرافية كبرى بقدر ما يقوم على رحلة داخلية من العزلة إلى الإصغاء.

فكل شخصية يلتقيها راوي تفتح في داخله نافذة جديدة على معنى الإنسان. 
(نجوى) لا تقدم له قصة عاطفية بالمعنى التقليدي، وإنما تعلّمه أن الحكاية يمكن أن تكون وسيلة لمقاومة النسيان. 
و(كريم)، الشاب الذي يخشى أن يبدأ الرسم، يمنحه راوي دفعة صغيرة، ثم يكتشف لاحقًا أن تلك الدفعة يمكن أن تستمر في حياة شخص آخر. 
أما (سليم)، الصديق الراحل، فيعود من خلال دفتره الأسود لا كشبح، وإنما  كأثر مكتوب.

وهنا تصبح الكتابة إحدى الشخصيات الخفية في الرواية.
وكذلك الأب فاضل والعم نديم والأم ...

فالدفتر ليس مجرد أداة سردية تكشف معلومات عن الماضي؛ إنه وسيط بين الغائب والحاضر. وما يكتبه الإنسان لا يبقى ملكًا للحظة التي كُتب فيها، وإنما يمكن أن يعبر الزمن ليغيّر شخصًا لم يكن حاضرًا لحظة الكتابة.

الغائب الذي نكتشفه بعد غيابه

من أجمل مستويات الرواية أن راوي لا يكتشف سليم وحده، وإنما يكتشف أباه أيضًا.

يكتشف أن الأب الذي عرفه في حياته لم يكن كل الأب. وراء الصورة العائلية المألوفة حياة أخرى، وصداقات قديمة، وعلاقة مع توأمه نديم، وذكريات لم تصل إلى الابن راوي إلا بعد فوات زمنها. 
ومن خلال أبي تامر والصندوق والصور والرسائل، يبدأ راوي في إعادة تركيب حياة أبيه.

وهنا تقدم الرواية فكرة شديدة الأهمية:
نحن لا نعرف الأشخاص الذين نحبهم معرفة كاملة؛ نحن نعرف النسخة التي سمح لنا الزمن بأن نراها منهم.

بعد موت الإنسان،  لا يكون قد انتهى،  قد يبدأ اكتشافه.

ولهذا فإن الموت في الرواية ليس لحظة إغلاق، وإنما لحظة انتقال من معرفة مباشرة إلى معرفة استقصائية؛ من "من كان أبي؟" إلى "من كان الإنسان الذي حمل اسم أبي؟".

واللافت أن الرواية لا تجعل فاضل بطلًا مثاليًا بعد موته. لكنها تحاول أن تعيده إلى إنسانيته: كان يخاف، ويتعب، وينسى، ويغضب، ثم يعتذر. وهذه النقطة ترتبط مباشرة بفكرة «الأمانة» التي يحملها الفصل الأخير.

الأمانة: أخلاق الكتابة

تصل الرواية إلى أكثر مستوياتها نضجًا حين يبدأ راوي نفسه في الكتابة.

فالمشكلة لم تعد: ماذا حدث؟

 أصبحت:

كيف أكتب ما حدث دون أن أخون الإنسان الذي أكتب عنه؟

حين يكتب راوي أباه بصورة أكثر حكمة مما كان عليه، ثم يتراجع، وحين يميل إلى تحويل سليم إلى شخصية شبه أسطورية ثم يعيده إلى بشريته، تكشف الرواية وعيًا واضحًا بخطر الكتابة: الكاتب يستطيع أن يخلّد الإنسان، لكنه يستطيع أيضًا أن يزيفه وهو يخلّده.

ومن هنا تصبح "الأمانة" أعمق من حفظ الذاكرة.
 إنها أمانة تجاه الحقيقة الإنسانية نفسها.

أن نكتب الميت كما كان، لا كما نريد له أن يكون.

أن نترك له ضعفه وتردده وغضبه وضحكه وأخطائه، بدل أن نحوله إلى تمثال أدبي.

وهذه، في رأيي، واحدة من أهم أفكار الرواية؛ لأنها تنقلها من رواية عن الذكرى إلى رواية عن مسؤولية تمثيل الآخر.

"تواتر الأرواح" و"قطار الليل إلى لشبونة": تناص أم تقاطع؟

عند هذه النقطة تحديدًا تظهر علاقة تستحق التوقف بينها وبين رواية "قطار الليل إلى لشبونة" للكاتب السويسري باسكال ميرسييه.

في الرواية السويسرية، يلتقي رايموند غريغوريوس، أستاذ اللغات الكلاسيكية في برن، مصادفةً بكتاب كتبه الطبيب والفيلسوف البرتغالي أماديو دو برادو. يهجر غريغوريوس حياته الرتيبة ويسافر إلى لشبونة، محاولًا أن يعثر على الرجل الذي كتب الكتاب وأن يعيد بناء حياته من خلال الأشخاص الذين عرفوه. ومع أن برادو غائب عن الحاضر، فإن حياته تستمر في الكتب والرسائل وذكريات الآخرين.

وهنا يصعب ألا نلاحظ تقاطعًا بنيويًا لافتًا مع "تواتر الأرواح".

في الروايتين:

- هناك إنسان غائب يصبح محورًا للبحث.
- هناك نص تركه الغائب يتحول إلى مفتاح للدخول إلى حياته.
- لا تُستعاد حياة الغائب من خلال رواية واحدة نهائية، وإنما عبر أصوات الآخرين وذكرياتهم ووثائقهم.
- البحث في حياة الآخر يتحول تدريجيًا إلى بحث في الذات.
- الماضي لا يظهر جاهزًا، وإنما يعاد تركيبه من شظايا متناثرة.
- الكتابة لا تكون مجرد تسجيل للماضي، وإنما وسيلة لإبقاء الغائب حاضرًا.

وهذا يجعل الحديث عن تناص بنيوي وفلسفي محتمل أكثر دقة من الحديث عن مجرد تشابه في الموضوع.

لكن التناص لا يعني التطابق.

الفارق الجوهري: الحياة التي لم تُعش... والأثر الذي يستمر

إذا كان السؤال المركزي في "قطار الليل إلى لشبونة" يمكن اختزاله في:

ماذا لو كانت حياتي التي عشتها ليست الحياة الوحيدة الممكنة لي؟

فإن السؤال الذي تطرحه "تواتر الأرواح" مختلف:

ماذا يبقى مني ومن الذين أحببتهم بعد أن نمضي؟

غريغوريوس يبحث في برادو، لكنه يكتشف نفسه. إن حياة برادو تفتح أمامه احتمالات حياته هو: ما الذي تركه؟ ما الذي لم يجرؤ عليه؟ وما الحياة الأخرى التي كان يمكن أن يعيشها؟ فالرواية تنشغل بصورة أساسية بفكرة الحياة غير المعاشة والهوية والاختيارات المؤجلة.

أما راوي، فيبحث في سليم وأبيه ونديم وغيرهم، لكنه يصل إلى فكرة أخرى: الإنسان لا يعيش حياة واحدة منفردة، وإنما تتوزع حياته في حياة الآخرين.

وهنا تحديدًا تتشكل خصوصية "تواتر الأرواح".

فميرسييه يسأل عن الحياة الممكنة التي لم نعشها، بينما يسأل جنوب عن الحياة التي تستمر في الآخرين بعد أن نغيب.

الأولى رواية عن احتمالات الذات.

والثانية رواية عن امتداد الذات.

من الكتاب إلى الدفتر

حتى الأداة السردية، رغم تقارب وظيفتها، تختلف دلالتها.

في "قطار الليل إلى لشبونة"، الكتاب الذي يعثر عليه غريغوريوس يفتح أمامه عالم برادو، ثم يدفعه إلى الرحيل وإعادة تركيب سيرة الرجل من شهادات الآخرين.

أما في "تواتر الأرواح"، فالدفتر الأسود والرسائل والصندوق لا تقود راوي إلى عالم بعيد فحسب؛ إنها تعيده إلى عالمه الخاص: إلى أبيه، وصديقه، وذاكرته، وإلى الأشخاص الذين ظن أنه يعرفهم.

لذلك يمكن القول إن:

الكتاب عند ميرسييه يفتح بابًا إلى حياة الآخر، بينما الدفتر عند جنوب يفتح بابًا إلى ذاكرة الذات والآخر معًا.

الرحلة أيضًا مختلفة

في "قطار الليل إلى لشبونة"، الرحلة الخارجية واضحة ومركزية: برن ـ لشبونة. المكان نفسه جزء من التحول، والانتقال الجغرافي يعادل انتقالًا في الوعي.

أما في "تواتر الأرواح"، فالرحلة الأهم ليست رحلة المدن، وإنما رحلة الذاكرة. يتحرك راوي في فضاء قريب، لكنه يتحرك في الزمن مسافات بعيدة: من حاضره إلى طفولته، ومن أبيه كما عرفه إلى أبيه كما اكتشفه، ومن سليم الحاضر في الذاكرة إلى سليم الذي يتكشف عبر دفتره.

إنها رحلة في طبقات الإنسان لا في خرائط العالم.

النهر: صورة مضادة للنسيان

وتبلغ الرواية خصوصيتها في رمز النهر.

فالحجر الذي يسقط في الماء يخلق دوائر تتسع ثم تختفي، بينما يستمر النهر في جريانه. الصورة تبدو في ظاهرها صورة للفناء، لكنها تتحول في سياق الرواية إلى صورة للأثر: قد تختفي الدائرة عن العين، لكن سقوط الحجر حدث، وترك أثره للحظة في الماء.

وهذه الصورة تختصر فلسفة الرواية كلها:

ليس المطلوب أن يبقى الأثر مرئيًا إلى الأبد؛ يكفي أنه حدث وانتقل.

ومن هنا يأتي معنى "التواتر": الإنسان لا يبقى لأنه لا يموت، وإنما يبقى لأن شيئًا منه يعبر.

يعبر من صديق إلى صديق.

ومن أب إلى ابن.

ومن حكاية إلى ذاكرة.

ومن ذاكرة إلى كتابة.

ومن كتابة إلى قارئ لم يعرف صاحبها قط.

القيمة الفنية للرواية

قوة "تواتر الأرواح" ليست في المفاجآت الحدثية الكبيرة، وإنما في قدرتها على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أسئلة وجودية. فالمرض، والرسالة، والصندوق، والدفتر، واللقاء العابر، والجلوس إلى جانب شخص صامت، وحتى حجر صغير في النهر، تتحول جميعها إلى وسائل للتفكير في الزمن والغياب والذاكرة.

لكن هذا الخيار نفسه يمثل تحديًا فنيًا؛ إذ تميل الرواية أحيانًا إلى التصريح بالفكرة التي يمكن للمشهد أن يوحي بها وحده. وكلما وثقت الرواية بالصورة والحوار والصمت أكثر، ازدادت قوتها الأدبية، لأن فكرتها الأساسية أصلاً قائمة على الإيحاء بالتواتر لا شرحه.

ومع ذلك، فإن المسار العام للرواية ينجح في بناء تحول داخلي واضح: يبدأ راوي وهو يرى الناس من الخارج، وينتهي وهو يدرك أن لكل عابر حياة لا يعرف منها إلا جزءًا صغيرًا.

وهكذا يتغير السؤال:

في البداية كان يبحث عن الذين غابوا.

وفي النهاية صار يرى الأحياء أنفسهم بوصفهم حَمَلةَ غيابٍ وآثارٍ وحيواتٍ لا يعرفها.

خاتمة

يمكن، إذن، وضع "تواتر الأرواح" و"قطار الليل إلى لشبونة" في منطقة حوار أدبي واضحة، من غير أن نختزلهما في علاقة تأثير مباشر.

هناك تقاطع لافت في البنية العميقة: غائب، ونص يتركه وراءه، وبطل يعيد بناء حياته من خلال الآخرين، ثم يكتشف ذاته أثناء البحث عنه.

لكن الاختلاف في السؤال الفلسفي يمنح كل رواية هويتها:

"قطار الليل إلى لشبونة" تسأل: كم حياة كان يمكن أن نعيش؟

أما "تواتر الأرواح" فتسأل: كم حياة تعيش فينا، وكم حياة نتركها في الآخرين؟

ومن هنا تصبح الرواية، في جوهرها، تأملًا في أن الإنسان لا يختفي دفعة واحدة. قد يغيب الجسد، ثم تبقى طريقته في الكلام. يغيب الصوت، ثم تبقى جملة. يغيب الصديق، ثم يبقى موقف صغير ظن صاحبه أنه نسيه. يغيب الأب، ثم نكتشف، بعد سنوات، أننا نحمل شيئًا من صبره أو خوفه أو عاداته دون أن ندري.

ولعل أجمل ما تقوله الرواية، من خلال بنيتها كلها، هو أن الموت لا يقطع العلاقات بقدر ما يغيّر شكلها.

فالذين رحلوا لا يعودون إلينا كما كانوا؛ يعودون إلينا فينا.

وهنا بالضبط يصبح عنوان الرواية مفتاحها النقدي:

"تواتر الأرواح" ليست رواية عن الأرواح التي تعود، بل عن الآثار التي لا تعرف كيف تموت.
شاركي المقال: تلغرام X فيسبوك واتساب لينكدإن Threads

تعليقات