جراح الإنسان وذاكرة الوطن: قراءة ذرائعية في المجموعة القصصية / تلك كانت مريم/ للأديبة السورية دعد إبراهيم بقلم الناقدة د. عبير خالد يحيي
مقدمة
لا تُقاس قيمة
المجموعة القصصية بعدد الحكايات التي تضمّها فحسب، وإنما بقدرتها على تحويل
التجارب الفردية إلى أسئلة إنسانية واجتماعية أوسع.
ومن هذا
المنطلق، تتيح مجموعة /تلك كانت مريم/ للقاصة السورية دعد إبراهيم قراءة تتجاوز
أحداث القصص وشخصياتها، لتكشف عن علاقات الإنسان بذاكرته، وبالمكان، وبالآخر،
وبالأزمات التي تعيد تشكيل وعيه ووجوده.
وتتعدّد في المجموعة مسارات الحكاية، وتتباين
عوالم الشخصيات، لكن الألم والفقد والذاكرة والتحولات النفسية والاجتماعية تتكرّر
بوصفها مكوّنات أساسية في التجربة الإنسانية التي تقدمها النصوص.
وتظهر هذه المسارات في قصص "اغتيال"،
و"مفاتيح الحكمة"، و"ميراث"، و"إنها الملكة"، و"هما
نحن"، و"أنا.. هو"، و"تلك كانت مريم"، و"الجرح"،
و"رماد السنبلة"، و"الوشم"، وغيرها من قصص المجموعة.
وتنطلق هذه القراءة من منظور ذرائعي يربط بين
المضمون الفكري والنفسي والاجتماعي، والوسائل الفنية التي يتشكل من خلالها، والأثر
الذي يتيحه النص في المتلقي، فلا يكفي أن نحدد القضية التي تعالجها القصة، بل
ينبغي أن ندرس كيف تحولت هذه القضية إلى صورة أو مشهد أو حوار أو مفارقة، وكيف
أسهم ذلك في إنتاج الدلالة.
وقبل الولوج إلى العالم السردي للمجموعة وتحليل
قصصها، لا بد من التوقف عند غلافها بوصفه عتبة بصرية أولى، تسهم في تشكيل أفق
انتظار القارئ، وتفتح أمامه مسارات تأويلية تتقاطع مع مضامين النصوص.
فالغلاف
ليس مجرد إطار خارجي يحيط بالكتاب، هو خطاب بصري تتضافر فيه العلامات التشكيلية
واللونية والعنوانية، لتشكّل مدخلًا أوليًا إلى العالم الذي تقترحه الكاتبة. ومن
هذا المنطلق، تستدعي المجموعة قراءةً للغلاف تستكشف العلاقة بين العنوان والصورة،
وما يتيحه هذا التفاعل من إيحاءات تتصل بالذاكرة والألم والتشظي الإنساني، وهي
دلالات سنختبر مدى حضورها في المتن القصصي نفسه.
· الغلاف: عتبة دلالية بين تشظّي الذاكرة وجراح الإنسان
أولًا: العنوان ودلالته
يتصدر الغلاف عنوان "تلك
كانت مريم" بخط كبير ولون أحمر تحيط به حدود سوداء. ويمنح هذا الاختيار
العنوان حضورًا بصريًا قويًا، يجعله أول ما يستقبل عين القارئ.
وتتجاوز دلالة العنوان مجرد التعريف بشخصية
اسمها مريم؛ فاسم الإشارة "تلك" يضع الشخصية في مسافة من المتكلم، بينما
يحمل الفعل الماضي "كانت" إيحاءً بزمن مضى أو بصورة لم تعد مطابقة
للحاضر.
وتزداد
هذه الدلالة عمقًا حين نربطها بنهاية القصة التي تحمل ذات العنوان، حيث نقرأ:
"امرأة واحدة كانت تبتعد عن ذويها وتبكي بصمت: تلك كانت مريم"
(ص 78).
يؤسس هذا التكرار بين العنوان والنهاية علاقة
دائرية، يعود فيها القارئ من الحكاية إلى عنوانها محمّلًا بمعرفة جديدة عن
الشخصية. فمريم ليست مجرد اسم، هي صورة إنسانية أعاد الألم تشكيلها، وأصبحت
المسافة بينها وبين الآخرين جزءًا من مأساتها.
ثانيًا: الصورة المركزية — الإنسان بوصفه ذاكرة
متشعبة
تقوم
الصورة على هيئة رأس إنساني ممدود أفقيًا، تتجه ملامحه نحو اليمين، بينما تتوزع
الأغصان المتشابكة في الجزء العلوي من الرأس، وتمتد بعض خطوطها داخل المساحة التي
يُفترض أن تشغلها البنية الذهنية للإنسان. وفي المقابل، يبدو الجزء السفلي من
الرأس أكثر قتامة وكثافة، بما يخلق تباينًا بين شفافية الأغصان وتشابكها من جهة،
وثقل الكتلة الداكنة التي تشكّل الوجه والرقبة من جهة أخرى.
أول ما يستوقفنا هو تداخل صورتين في كيان واحد:
الإنسان والشجرة. فالأغصان لا تظهر إلى جانب الرأس بوصفها عنصرًا طبيعيًا مستقلًا،
بل تتداخل معه حتى يبدو التشابك جزءًا من تكوينه. وبذلك تنقل الصورة الشجرة من
العالم الخارجي إلى داخل الهيئة الإنسانية، وتتيح تأويلًا يرى في الأغصان تمثيلًا
بصريًا لما يتراكم في الإنسان من ذكريات وتجارب وأفكار متداخلة.
أما عري الأغصان، وخلوّها من الأوراق، فيفتحان
احتمالًا دلاليًا آخر؛ إذ يمكن أن يوحيا باليباس أو الفقد أو انحسار الحيوية. غير
أن هذا الإيحاء لا ينفصل عن طبيعة الخطوط نفسها: فالأغصان، على الرغم من عريها، لا
تزال متشعبة وممتدة، ولم تختفِ أو تتلاشَ. وهنا تنشأ مفارقة بصرية بين اليَبَس
بوصفه علامة محتملة على الألم، والتشعب بوصفه استمرارًا للحياة والذاكرة.
ويعزز التباين بين الجزء العلوي المتشابك والجزء
السفلي الداكن هذا المعنى المحتمل؛ فالوجه لا يظهر واضحًا ومضيئًا بالكامل، بل
تحيط به الظلال، وكأن الصورة تجعل الداخل المتشابك والخفي أكثر حضورًا من الملامح
الخارجية. ولا يعني ذلك أن الظلام يثبت الحزن أو اليأس، لكنه يخلق مناخًا بصريًا
ثقيلًا يتلاءم مع قراءة الإنسان بوصفه كائنًا يحمل آثار تجاربه في أعماقه.
ومن زاوية أخرى، لا تبدو الأغصان متجهة في مسار
منتظم، بل تتقاطع وتلتف وتتفرع، بما يجعلها أقرب إلى شبكة من المسارات المتداخلة.
وهذه البنية تتيح قراءة الرأس بوصفه فضاءً تتقاطع فيه التجارب الإنسانية، فلا يعود
الماضي شيئًا منفصلًا عن الحاضر، بل يصبح جزءًا من تكوين الذات نفسها.
القراءة الذرائعية للغلاف
وفق المقاربة
الذرائعية، يمكن الانتقال من العناصر المرئية إلى المضامين النفسية والاجتماعية،
ثم إلى الأثر المحتمل في المتلقي.
فالصورة تقدم بنية بصرية متشابكة، والعنوان يفتح
بابًا لاستعادة شخصية تنتمي إلى الماضي أو إلى صورة تغيرت بمرور الزمن، بينما يعزز
التباين اللوني الإحساس بالثقل والتوتر. وتتضافر هذه العناصر لتوجيه القارئ نحو
قراءة تتوقع حضور الألم والذاكرة والتحولات الإنسانية.
لكن من الضروري نقديًا التمييز بين ما يظهر في
الغلاف، وما نستنتجه منه، وما تثبته القصص نفسها. فالغلاف لا يكفي وحده لإثبات
موقف المؤلفة أو قصد المصمم، وإنما تتأكد دلالاته حين تتفاعل مع النصوص السردية.
وتكمن قوة الغلاف في أنه لا يشرح الحكايات ولا
يكشف نهاياتها، بل يخلق أفقًا من التوقع والتساؤل، يجعل القارئ يدخل إلى النصوص
وهو يستشعر أن وراء كل شخصية ظاهرًا مرئيًا وداخلًا متشعبًا، وأن ما يبدو قصة
فردية قد يحمل في أعماقه جرحًا إنسانيًا أوسع.
إذا كان الغلاف يقدّم الإنسان في صورة تتشابك
فيها الأغصان مع ملامحه، بما يثير دلالات التداخل بين الذات وتجاربها، فإن
الانتقال إلى المتن يقتضي تجاوز الإيحاء البصري إلى تجلّياته السردية. فالدلالة لا
تُستكمل في الصورة وحدها، بل تتضح من خلال الشخصيات وما تواجهه من صراعات، ومن
الذاكرة وما تختزنه من جراح، ومن العلاقة بين الفرد ووطنه في ظل التحولات القاسية.
ومن هذا المنطلق، تتجه القراءة إلى المحاور السردية في مجموعة /تلك كانت مريم/ للقاصّة
دعد إبراهيم، للكشف عن الكيفية التي تتشكل بها هذه التجارب داخل النصوص، وعن
الرؤية الفكرية والإنسانية التي تنتظمها، في ضوء المنهج الذرائعي الذي يربط البنية
الفنية بمراميها الدلالية والتأثيرية.
· المحاور السردية: تجليات الجرح الإنساني وذاكرة الوطن
أولًا: اغتيال الحياة والعجز عن استعادة التوازن
تتيح قصة "اغتيال"
قراءة تتصل بفكرة الاغتيال بمعناها الأوسع، حيث لا تقتصر الدلالة على الفعل
المباشر، بل تمتد إلى ما يصيب الحياة من اختلال، وما يتعرض له الإنسان من عجز عن
حماية ما يمنحه وجوده معناه.
ومن الشواهد التي توقفنا عندها: "ها أنت تحاول فرد جناحيك…". (ص 11)
تستدعي صورة الجناحين إمكان التحليق والانطلاق،
لكنها تقترن بفعل المحاولة، بما يوحي بوجود عائق يحول دون اكتمال الحركة. وهكذا لا
تصبح الصورة مجرد استعارة للحرية، بل تعبيرًا عن التوتر بين الرغبة في الانطلاق
والواقع الذي يحدّ منها.
ويأتي الشاهد الآخر:" أيتها الساعة، هذا
الصوت يسود أيامي...". (ص 13)
يمنح الخطاب الموجّه إلى الساعة الزمن حضورًا
يتجاوز وظيفته المادية. فالزمن هنا ليس إطارًا محايدًا تقع فيه الأحداث، بل قوة
تشارك في تشكيل التجربة النفسية للشخصية. ويكشف الفعل «يسود» عن امتداد الصوت
وهيمنته على الأيام، بما يوحي بأن أثر التجربة لم يعد محصورًا في لحظة بعينها.
ومن الشواهد التي أشرنا إليها أيضًا: "كلّ واحد يتكبّد عجزه مستسلمًا لما آل
إليه". (ص11)
تكشف العبارة عن انتقال العجز من تجربة فردية
إلى حالة عامة، فكل شخصية تتحمل عجزها الخاص، لكن اجتماع هذه الحالات ينتج صورة عن
واقع تتراجع فيه قدرة الإنسان على الفعل والتغيير.
ومن منظور ذرائعي، تتولد دلالة القصة من تفاعل
الصورة الحركية، واستدعاء الزمن، والتعبير عن العجز الجماعي. وهذه العناصر لا
تكتفي بإثارة التعاطف، هي أيضًا تدفع القارئ إلى التساؤل عن الظروف التي تجعل
الإنسان عاجزًا عن استعادة المبادرة.
ثانيًا: "مفاتيح الحكمة"— الوطن بين
الوعي وإمكان الفعل
تتجه قصة "مفاتيح
الحكمة" إلى مساءلة العلاقة بين الإنسان ووطنه، وإلى إبراز دور الوعي في
مواجهة العتمة واليأس.
وتظهر هذه الدلالة في الشاهد:" يا بني، لا
تنظروا إلى الوطن بنصف عين…". (ص 24)
يقوم التعبير على استعارة النظر الجزئي، ليحيل
إلى الرؤية الناقصة التي تلتقط جانبًا من الحقيقة وتغفل جوانبها الأخرى. فالوطن لا
يمكن إدراكه من خلال خساراته وحدها، كما لا يمكن اختزاله في صورته المثالية؛ إذ
تتطلب رؤيته فهم تناقضاته وتحولاته، وما يختزنه من ألم وأمل.
ويتعزز هذا الاتجاه في العبارة: "الحياة لا تزال هنا…".(ص 25)
تواجه العبارة منطق الفناء المطلق بإبقاء احتمال
الحياة قائمًا. ولا يعني ذلك إنكار الخراب أو التقليل من أثره، بل رفض تحويله إلى
الحقيقة الوحيدة التي يمكن أن يراها الإنسان.
أما الشاهد:" لن نترك العتمة تتسحب فوق
نورنا" (ص 26 )، فيحوّل النور
إلى صورة لإمكان المقاومة، والعتمة إلى رمز لما يهدد الوعي والأمل. وتكتسب العبارة
فاعليتها من صيغة الرفض التي تجعل الشخصية أو الجماعة طرفًا فاعلًا، لا مجرد متلقٍ
لما يحدث.
كما يبرز في القراءة السابقة تعبير "ليتوالد
مطرًا أخضر…" ( ص 24)، الذي يستدعي المطر بوصفه علامة على التجدد، ويجمع بين
الماء واللون والنمو في صورة تتصل بإمكان استعادة الحياة.
وتلتقي هذه الصور في بناء دلالي يجعل الوطن قضية
وعي ومسؤولية، لا مجرد موضوع للعاطفة. فالأثر الذي تسعى القصة إلى إحداثه في
المتلقي يتجاوز الحنين إلى المكان، ليصل إلى ضرورة إعادة النظر في العلاقة به، وفي
دور الإنسان في حمايته.
ثالثًا: "تلك كانت مريم" — الذاكرة
وتحولات الهوية
يحمل العنوان دلالة
زمنية ونفسية تتجاوز تسمية الشخصية.
فاسم
الإشارة "تلك" يخلق مسافة بين المتكلم والشخصية، بينما تشير صيغة "كانت"
إلى صورة تنتمي إلى زمن سابق أو إلى حالة لم تعد مطابقة تمامًا للحاضر.
وفي ختام القصة، يرد الشاهد:"امرأة واحدة كانت
تبتعد عن ذويها وتبكي بصمت: تلك كانت مريم". (ص78)
تكتسب هذه النهاية قوتها من اجتماع الحركة
والابتعاد والصمت والبكاء.
فالابتعاد يرسم مسافة مكانية، لكنه يفتح أيضًا
احتمال المسافة النفسية التي تفصل الشخصية عن محيطها. أما البكاء الصامت، فيكشف عن
معاناة لا تتحول إلى خطاب مباشر، وكأن الشخصية لا تستطيع أو لا تريد أن تضع
تجربتها في كلمات.
ويأتي تكرار عنوان القصة في نهاية السرد ليعيد
توجيه القراءة. فمريم التي يقدمها النص لا تُختزل في اسمها، بل في التجربة التي
جعلتها تصل إلى هذا الوضع. وهنا تتحوّل النهاية إلى مفتاح يعيد القارئ إلى ما
سبقها من أحداث، ويدعوه إلى فهم المسافة بين الشخصية كما كانت وما آلت إليه.
ومن منظور التلقي، يتيح هذا الختام مساحة
للتأويل؛ إذ لا يفرض تفسيرًا واحدًا للبكاء أو الابتعاد، لكنه يجعل القارئ يعيد
التفكير في أسباب العزلة وفي العلاقة بين التجربة الفردية ونظرة الآخرين.
رابعًا: "الجرح" — من الألم الشخصي
إلى جرح الوطن
تقدم قصة "الجرح"
نموذجًا واضحًا لتداخل الألم النفسي بالوجع الوطني.
وتظهر
هذه العلاقة في العبارة:"ضاقت عليّ
ملابسي، وضاق الشارع، وضاقت الحياة" .( ص79).
يقوم الشاهد على تكرار الفعل "ضاقت"،
مع الانتقال من الملابس إلى الشارع ثم إلى الحياة.
ويبدأ
التضييق من أقرب الأشياء إلى الجسد، قبل أن يتسع ليشمل المجال الخارجي ثم الوجود
كله.
ويمنح هذا التدرج الصورة قوة تعبيرية؛ إذ يتحول
الضيق من إحساس مادي إلى حالة نفسية ووجودية. فالملابس والشارع والحياة ليست عناصر
متجاورة اعتباطًا، وإنما حلقات تتسع معها تجربة الاختناق حتى تصبح الحياة نفسها
فضاءً ضيقًا.
وفي نهاية القصة يأتي الاعتراف:" أبكي لأن
جرح وطني لم يشفَ بعد".( ص 83).
تكشف العبارة عن انتقال مركز المعاناة من الذات
إلى الوطن. فالبكاء ليس استجابة لألم فردي وحده، وإنما تعبير عن جرح جماعي ما زال
مفتوحًا.
وتتضح أهمية هذا الختام حين نقرأه في ضوء الشاهد
السابق؛ فالضيق الذي بدأ في علاقة الشخصية بجسدها وشارعها ينتهي إلى جرح الوطن.
وهكذا تتسع التجربة الفردية لتصبح جزءًا من ذاكرة عامة.
ولا تكتفي القصة بتسمية الألم، بل تربط بين أثره
النفسي واستمراره في الوعي، ومن ثمّ، فإن أثرها في المتلقي يقوم على الجمع بين
التعاطف مع الشخصية والتفكير في الأسباب التي تجعل الجرح الوطني ممتدًا إلى تفاصيل
الحياة اليومية.
خامسًا: "رماد السنبلة" — مفارقة
الخصب والخراب
تقوم القصة على
مفارقة دلالية تتولد من اجتماع مفردتين متعارضتين: السنبلة، بما تحمله من إيحاءات
الخصب والرزق والحياة، والرماد، بما يحيل إليه من احتراق وفناء وبقايا.
وتبدأ القصة بعبارة: "الحقول خضراء، كل ما فيها يوحي بموسم
يبشّر بالخير العميم" (ص 85).
تبدو الخضرة في ظاهرها علامة على الازدهار، لكن
مسار الحكاية يعيد مساءلة هذه العلامة؛ فوجود الأرض الخصبة لا يضمن وحده استقرار
حياة الإنسان أو أمنه الاقتصادي والاجتماعي.
وتتجلّى المفارقة حين يرد وصف الناس بأنهم:"
أصبحوا محاصرين داخل جدران بلا نوافذ، لا تزورها الشمس" (ص 87).
تنتقل القصة هنا من فضاء الحقول المفتوح إلى فضاء
الجدران المغلقة. ويقابل انفتاح الأرض انغلاق المكان، كما يقابل إمكان النمو في
الحقول تراجع إمكان الحركة في حياة البشر.
ولا تقتصر وظيفة هذه الصورة على وصف الحصار
المكاني؛ إذ يمكن قراءتها أيضًا بوصفها تعبيرًا عن تضاؤل الخيارات، وانسداد الأفق
أمام أشخاص لم تعد الأرض المنتجة كافية لتأمين شروط عيشهم.
غير أن القصة لا تحصر دلالتها في الخراب، بل
تفتح احتمال استعادة الفعل من خلال العبارة:"بدأت وظيفة الأيدي تظهر" (ص
88).
تستعيد اليد هنا معناها بوصفها أداة للعمل
والإنتاج، وتصبح عودتها إلى الفعل إشارة إلى إمكان استعادة المبادرة. وتزداد أهمية
هذه الدلالة حين تُقرأ في ضوء ما سبقها من صور الحصار والرماد؛ فالعمل لا يمحو
آثار الأزمة، لكنه يمنع العجز من أن يكون النهاية الوحيدة الممكنة.
ومن منظور ذرائعي، تتفاعل في القصة ثلاثة
مستويات:
مستوى
اجتماعي يتصل بأحوال الفلاحين، ومستوى رمزي يتصل بالخصب والخراب، ومستوى نفسي يتصل
بالخوف من المستقبل وإمكان استعادة الأمل.
وتكمن قوة البناء في أن هذه المستويات تتشكل من
خلال صور متصلة بالأرض والناس والأيدي، لا من خلال خطاب تفسيري منفصل عن الحكاية.
سادسًا: "الوشم" — أثر الحرب في الجسد
والذاكرة
تقترب قصة "الوشم"
من تجربة الإنسان وهو يواجه الألم والمرض والخوف، وتضع الجسد في تماس مع ظروف
تتجاوز الفرد إلى الواقع الاجتماعي الذي يحيط به.
ومن الشواهد الواردة في النص:
"الوباء يا سامية هو جزء من الحرب التي نمرّ بها، الفقر الذي
ألمّ بالناس وحرمهم من العلاج، وفقدوا الدواء، تكاثر الموت، وفتحت مقابر جديدة غير
مقابر الحرب لكنها تتبع لها بمسبباتها…". ( ص 99)
تتجاوز العبارة الفصل بين الوباء والحرب، وتربط
بين المرض والفقر وغياب العلاج وتكاثر الموت.
وبذلك توسّع مفهوم الحرب ليشمل آثارها غير
المباشرة، أي الظروف التي تجعل الإنسان أكثر عرضة للمرض والعجز والفقد.
وتقوم قوة الشاهد على التراكم؛ إذ تتوالى مفردات
الفقر والحرمان وفقدان الدواء والموت، لتشكّل سلسلة سببية تكشف أن المعاناة ليست
نتيجة عامل منفرد، بل حصيلة تداخل ظروف اجتماعية وصحية وإنسانية.
أما عنوان "الوشم"، فيتيح التفكير في
الأثر الباقي بعد التجربة، وفي العلامة التي لا تنتهي بانتهاء الحدث الذي أنتجها.
لكن دلالة العنوان لا ينبغي أن تُفصل عن سياق القصة، بل يجب أن تُقرأ في ضوء علاقة
الألم بالجسد والذاكرة، وما تتركه التجربة في الشخصية.
وتأتي العبارة الختامية التي توقفنا عندها:"لا أريد الوشم… أنا كنت أكذب. كنت أكذب".(
ص 99)
يحمل تكرار "كنت أكذب" توترًا نفسيًا
واضحًا؛ إذ لا يكتفي المتكلم بإقرار الكذب، بل يعيد الاعتراف به، وكأن التكرار
محاولة لتأكيد الحقيقة أو مواجهة ما كان يحاول إخفاءه.
ويفتح هذا التكرار سؤالًا عن العلاقة بين
الحقيقة والصورة التي يقدمها الإنسان عن نفسه.
كما يضع المتلقي أمام لحظة انكشاف، تتغيّر فيها
دلالة ما سبقها من كلام أو مواقف.
ومن هنا، تتصل القصة بمحور أوسع في المجموعة: ما
يتركه الألم من آثار، وما يحاول الإنسان إخفاءه، وما يعود إلى الظهور حين تضيق
المسافة بين التجربة والاعتراف.
سابعًا: "رسالة قد تصل": الذاكرة
الشخصية في مواجهة الذاكرة الوطنية
تنهض قصة "رسالة
قد تصل" على بنية سردية تتخذ من مخاطبة الأب إطارًا لاستعادة الماضي ومساءلة
الحاضر، فتتداخل فيها الذاكرة الشخصية بالذاكرة الوطنية، ويتحول البوح الفردي إلى
شهادة على تجربة الفلسطينيين مع الاقتلاع واللجوء وفقدان الوطن.
1\. الرسالة واستعادة الذاكرة
تبدأ القصة بعبارة "اسمي أحمد من ترشيحا"
(ص 51)، فتضعنا منذ الاستهلال أمام علاقة معقدة بين الهوية والاسم والذاكرة.
ويستعيد
الراوي تفاصيل القرية، مستحضر شجرة اللوز التي غرسها الأب أمام البيت يوم ولادته،
وشجرة السرو التي سمّاها والدهم باسم أخته سميرة.
ويقول: "...
كنت سعيدًا عندما كنت أرفق اسم قريتي باسمي. وكلما ابتعدت عنها كنت أزداد التصاقًا
بها، وتتوضع زواياها وساحاتها وأشجارها وبيوتها أكثر في ذاكرتي" (ص 51).
تكشف هذه المفارقة أن الابتعاد المكاني لا يمحو
الانتماء، بل قد يزيده رسوخًا في الوعي.
فالمكان
لا يُستعاد بوصفه جغرافيا فحسب، وإنما بوصفه شبكة من الذكريات والعلاقات التي
أسهمت في تشكيل هوية الشخصية.
ومن
منظور ذرائعي، تؤدي استعادة القرية وظيفة نفسية في مقاومة المحو، ووظيفة فكرية في
تأكيد ارتباط الهوية بالمكان.
2\. المفاتيح والأبواب: رمزية العودة المستحيلة
تبلغ الرمزية ذروتها في قول الراوية: "تعبت
من حمل المفاتيح، ما فائدة احتفاظنا بها إذا ضاعت كل الأبواب" (ص 56).
فالمفتاح هنا يتجاوز وظيفته المادية ليصبح علامة على التمسك بالبيت وحق العودة،
بينما يحيل ضياع الأبواب إلى الفجوة بين الاحتفاظ بالذاكرة وإمكان استعادة المكان.
وتتسع الدلالة حين تربط الراوية المفاتيح بتعاقب
السلطات السياسية، فتشير إلى انتقالها من حاكم إلى آخر، في حين يظل البحث عن
الأبواب الضائعة قائمًا. وهكذا تجمع القصة بين مأساة الاقتلاع ونقد واقع سياسي
تتغير فيه السلطات من دون أن تتحقق تطلعات الإنسان إلى الاستقرار والعودة.
3\. من الذاكرة الفردية إلى المأساة الجماعية
يستعيد الراوي محطات من المأساة الفلسطينية، من
أيلول الأسود إلى تل الزعتر وصبرا وشاتيلا، لتكشف أن اللجوء ليس واقعة انتهت، بل
تجربة ممتدة تتوارث الأجيال آثارها. وتعبّر عن خيبة الأمل بقولها: "لقد تلاعب
العالم بعواطفنا حتى أضعنا الانتماء، ولم يترك لنا منارة نهتدي بها" (ص 54).
لا تكتفي القصة بتصوير المعاناة، بل توجه نقدًا
إلى العجز عن وقف استمرارها. ويتجلى ذلك في التوتر بين تطلع الأبناء إلى مستقبل
مختلف وبين واقع تحاصره الجرائم والخذلان. ومن هنا تنتقل القصة من التعاطف مع
التجربة الفردية إلى مساءلة الشروط السياسية والإنسانية التي تجعل المأساة قابلة
للتكرار.
4\. الأب والرسالة: من الحنين إلى المساءلة
لا تتخذ مخاطبة الأب طابعًا وجدانيًا خالصًا، بل
تتحول إلى حوار يتداخل فيه العتاب مع مساءلة الماضي والحاضر. ويعلن الراوي موقفه
بوضوح:
"تعبت من الأوهام يا أبي. أريد أن أعيش
وطنًا حقيقيًا" (ص 56).
تلخص هذه العبارة التوتر المركزي في القصة؛
فالراوي يتمسك بالذاكرة بوصفها مصدرًا للهوية، لكنه يرفض أن تتحول إلى بديل عن
الحياة.
إنه لا يريد
وطنًا محفوظًا في الحكايات والمفاتيح، يريد وطنًا يتحقق في الواقع.
وبذلك
تتجاوز الرسالة وظيفة البوح إلى وظيفة المحاسبة، وتغدو وسيلة للتعبير عن خيبة جيل
لا يريد أن يرث الذاكرة وحدها، بل يطمح إلى تغيير الواقع الذي أنتج الألم.
ذرائعيًّا،
تتأسس قصة "رسالة قد تصل" على
تفاعل الذاكرة الشخصية بالذاكرة الوطنية، وتوظف الاسم والأشجار والمفاتيح والأبواب
رموزًا تربط التجربة الفردية بمأساة الاقتلاع واللجوء.
وتنبع فاعليتها التأثيرية من انتقالها بين
التفاصيل الحميمة، كذكرى البيت وأشجاره، والمشاهد الجماعية التي تستحضر محطات
الألم الفلسطيني.
وتتمثل مراميها الفكرية في رفض اختزال الوطن إلى
ذكرى، والتنبيه إلى أن حفظ مفاتيح الماضي لا يكفي ما لم يصبح الانتماء إمكانية
للحياة. لذلك تمثل عبارة "أريد أن أعيش وطنًا حقيقيًا" (ص 56) خلاصة
الرؤية التي ينتهي إليها الراوي: الانتقال من استعادة ما فُقد إلى المطالبة بإمكان
استعادته واقعًا.
ثامنًا: الذاكرة والهوية في بقية قصص المجموعة
تتيح عناوين مثل "ميراث"
و"هما نحن" و"أنا.. هو" مسارات إضافية لقراءة العلاقة بين
الفرد ومحيطه، وبين الماضي والحاضر، وبين الذات والآخر.
فالعنوان "ميراث" يفتح سؤال ما ينتقل
من جيل إلى آخر، وما إذا كان الموروث يقتصر على الأشياء المادية أو يشمل القيم
والذكريات والمسؤوليات. غير أن تحديد دلالة القصة يتطلب العودة إلى شواهدها
الخاصة، وعدم الاكتفاء بما يوحي به العنوان.
أما "أنا.. هو"، فيثير من خلال الفصل
بين الضميرين سؤال العلاقة بين الذات والآخر، وما قد تنطوي عليه من مسافة أو
مقارنة أو انعكاس. وتظل هذه الاحتمالات مرتبطة بما يكشفه السرد من علاقات وتحولات.
وفي "هما نحن"، ينبغي أن يتأسس
التحليل على الشواهد التي تكشف طبيعة العلاقة بين الشخصيات والمجتمع، وعلى الطريقة
التي تتشكل بها الرؤية الإنسانية في النص.
ولا يعني غياب الشواهد المثبتة هنا أن هذه القصص
أقل أهمية، بل يعني أن استكمال المقال الأكاديمي يقتضي إعادة إدراج الاقتباسات
التي اعتمدناها في قراءاتها السابقة، مع تثبيت الصفحات والتحقق من نسبتها إلى كل
قصة.
· البناء الفني والأثر في المتلقي
تتضح من
الشواهد السابقة أهمية الصورة والتكرار والتدرج والمفارقة في بناء الدلالة. ففي "الجرح"،
يتصاعد الضيق من الملابس إلى الشارع ثم إلى الحياة، قبل أن يُربط بالجرح الوطني.
وفي "رماد
السنبلة"، تتقابل الخضرة والرماد، وانفتاح الحقول وانغلاق الجدران، ثم تظهر
الأيدي بوصفها علامة على استعادة الفعل.
وفي "الوشم"،
يؤدي تراكم مفردات المرض والفقر والموت إلى توسيع معنى الحرب، بينما يكشف تكرار
الاعتراف بالكذب عن توتر نفسي لا يُختزل في المعلومة المباشرة.
وتكشف هذه الأمثلة أن المضمون لا ينتج أثره
بمعزل عن شكله. فالقضية الإنسانية تكتسب قوتها الأدبية من الطريقة التي تتجسد بها
في الصورة والحوار والمشهد والنهاية.
ومن منظور التلقي، يمكن أن تثير هذه الوسائل
التعاطف أو القلق أو التساؤل أو مراجعة الأحكام السابقة. لكن لا ينبغي افتراض
استجابة واحدة لدى جميع القراء؛ فالأثر يتأثر بخبراتهم ومعارفهم، وبالسياقات التي
يستحضرونها عند القراءة.
وهنا تتجلى فائدة المقاربة الذرائعية: إنها تربط
بين ما يقوله النص، وكيف يقوله، وما يتيحه من أثر، من غير أن تختزل العمل في رسالة
أخلاقية أو فائدة مباشرة.
· الخصائص الأسلوبية ووظائفها الدلالية والتأثيرية
لا تنفصل الخصائص
الأسلوبية في مجموعة /تلك كانت مريم/ للأديبة دعد إبراهيم عن التجارب الإنسانية
التي تعالجها القصص؛ فاللغة والصورة والتكرار والحوار ليست أدوات للتعبير فحسب، بل
تسهم في تشكيل الرؤية وتوجيه أثرها في المتلقي.
وتكشف الشواهد الآتية عن تنوع في طرائق التعبير،
بين التكثيف المجازي، والتصوير المتقابل، والتكرار، والمواجهة المباشرة، بما يقتضي
دراسة كل اختيار أسلوبي في سياقه ووظيفته.
1\. الصورة المجازية وتكثيف التجربة
توظف الكاتبة
الصورة المجازية لتحويل الحالات النفسية المجردة إلى مشاهد محسوسة، كما في قصة "اغتيال":"ها
أنت تحاول فرد جناحيك، تريد أن تطير، لكن القيد يغل معصمك، والشرنقة تحيط بك".
تقوم الصورة على مقابلة بين الرغبة في الطيران
وما يعوقها؛ فالجناح يحيل إلى إمكانية التحرر، والطيران إلى التطلع نحو أفق أوسع،
بينما يمثل القيد والشرنقة قوتين تحدّان من انطلاق الذات. وتنبع فاعلية الصورة من
جمعها بين عائق خارجي وآخر يحيط بالشخصية ويحدّ حركتها، فتغدو محاولة التحرر
صراعًا بين الإمكان والقيد.
ولا تكتفي الصورة بوصف العجز، بل تجعل القارئ
يتخيل التناقض بين القدرة الكامنة واستحالة ممارستها. وهنا تؤدي اللغة المجازية
وظيفة دلالية، لأنها تكثف الصراع في مشهد واحد، ووظيفة تأثيرية، لأنها تنقل
الإحساس بالاختناق من مستوى الفكرة إلى مستوى التجربة المتخيلة.
2\. التكرار وبناء الإيقاع النفسي
يبرز التكرار في قصة "الجرح"
من خلال العبارة:"ضاقت عليّ
ملابسي، وضاق الشارع، وضاقت الحياة"
يتدرج التعبير من المجال الشخصي، المتمثل في
الملابس، إلى المجال المكاني، المتمثل في الشارع، ثم إلى المجال الوجودي الأوسع،
المتمثل في الحياة. ويؤدي تكرار الفعل «ضاق» إلى توحيد هذه المستويات في حركة
تصاعدية، كأن الضيق يبدأ من إحساس الجسد، ثم يمتد إلى المحيط، حتى يستولي على
الوجود كله.
وبذلك لا يكون التكرار مجرد إعادة لفظية، بل
وسيلة لبناء الإيقاع وتصعيد الشعور بالاختناق. ويتصل هذا التصاعد بما تكشفه
العبارة الأخرى في القصة: «أبكي لأن جرح وطني لم يشفَ بعد»، حيث ينتقل الألم من
التجربة الذاتية إلى الجرح الوطني، ويتداخل الخاص والعام في بنية التعبير.
وتظهر أهمية التكرار أيضًا في قصة "الوشم"،
في نهاية الاعتراف: "لا أريد الوشم... أنا كنت أكذب. كنت أكذب".
فإعادة عبارة "كنت أكذب" تمنح
الاعتراف نبرة إلحاح، وتوحي بأن الشخصية لا تكتفي بإعلان الحقيقة، بل تعيد
تأكيدها، وكأنها تواجه ذاتها بقدر ما تواجه مخاطَبها. وهكذا تختلف وظيفة التكرار
باختلاف السياق: فهو في "الجرح" يصعّد الإحساس بالضيق، وفي "الوشم"
يرسّخ لحظة الاعتراف.
3\. التضاد التصويري والتحول في الدلالة
تقدم قصة "رماد السنبلة" مثالًا على
بناء الدلالة من خلال التباين بين صورتين متقابلتين. ففي البداية نقرأ:
"الحقول خضراء،
كل ما فيها يوحي بموسم يبشّر بالخير العميم"
تستدعي هذه العبارة صورة الخصب والوفرة وانتظار
الحصاد، وتمنح المكان أفقًا إيجابيًا. لكن المشهد يتغير في وصف آخر:
"أصبحوا محاصرين داخل جدران بلا نوافذ، لا تزورها الشمس"
(ص 87).
ينقل هذا التحول المكان من الانفتاح إلى
الانغلاق، ومن إشارات الحياة والخصب إلى الحصار والحرمان من الضوء. ولا تكمن أهمية
التباين في اختلاف المشهدين فحسب، بل في المسافة الدلالية التي تفصل بينهما؛ إذ
يصبح المكان نفسه مجالًا لقياس التحول الذي أصاب الإنسان وظروف حياته.
وتتأكد الصلة بين التحول المكاني والإنساني في
عبارة "بدأت وظيفة الأيدي تظهر" (ص 88)، التي تستدعي الجسد بوصفه أداة
للعمل والفعل. غير أن تحديد دلالتها النهائية يتطلب ربطها بما يسبقها ويلحقها في
سياق القصة، حتى لا نحمّل العبارة معنى يتجاوز وظيفتها النصية.
4\. اللغة المباشرة ووظيفة الاحتجاج
لا تعتمد الكاتبة
على الإيحاء وحده، بل تلجأ أحيانًا إلى التعبير المباشر الذي يعلن الموقف ويحدد
وجهته. ففي قصة "رسالة قد تصل" يقول الراوي:
"تعبت من الأوهام يا أبي. أريد أن أعيش وطنًا حقيقيًا"
(ص 56).
تتميز العبارة بالوضوح والحسم؛ إذ تبدأ بإعلان
الإنهاك، ثم تنتقل إلى صياغة مطلب صريح. ويمنح هذا التتابع الجملة الثانية قوة
ناتجة عن سياقها، فالرغبة في وطن حقيقي تأتي ردًا على الأوهام، لا بوصفها أمنية
معزولة.
وتتضح هنا العلاقة بين الأسلوب ووظيفة الخطاب:
فالمباشرة لا تعني بالضرورة ضعف الإيحاء، بل قد تكون اختيارًا ملائمًا للحظة
المواجهة، حين تحتاج الشخصية إلى إعلان موقفها من دون مواربة. ويختلف أثر هذا
الأسلوب عن أثر الرمز في القصة نفسها؛ فالمفاتيح والأبواب تفتح مجالًا للتأويل،
بينما تحسم العبارة موقف الراوية وتكشف وجهتها الفكرية.
5\. التداخل بين الخاص والعام
تتكرر في الشواهد
التي تناولناها حركة أسلوبية تنتقل من التجربة الفردية إلى القضية الجماعية، من
دون أن تلغي الأولى لصالح الثانية. ففي "الجرح" يبدأ الضيق من الملابس
والشارع قبل أن يتسع إلى الحياة، ثم يرتبط بجرح الوطن. وفي "رسالة قد تصل"
تنطلق الذاكرة من البيت والأشجار والمفاتيح، لتصل إلى قضية الاقتلاع والعودة.
ولا تمثل هذه الحركة سمة لغوية واحدة بقدر ما
تكشف عن طريقة في بناء الدلالة: تبدأ القضية الكبرى من تفصيل محسوس أو تجربة
شخصية، ثم تتسع دلالتها بفعل السياق. وتكمن فاعلية هذا المسار في جعل القضايا
الوطنية قريبة من التجربة اليومية، بدل تقديمها في صورة أفكار مجردة منفصلة عن
الإنسان.
خلاصة المحور
تكشف الشواهد المدروسة
عن تنوع في الوسائل الأسلوبية لدى دعد إبراهيم: فالصورة المجازية تكثف الصراع،
والتكرار يصعّد الانفعال أو يرسّخ الاعتراف، والتضاد التصويري يبرز التحولات، فيما
تمنح اللغة المباشرة لحظات المواجهة قوتها الاحتجاجية. ولا تتساوى هذه الوسائل في
وظائفها، بل تتحدد قيمتها بما تؤديه داخل كل قصة.
ومن المنظور الذرائعي، تتجلى أهمية الأسلوب في
العلاقة بين الاختيار التعبيري وأثره الدلالي والنفسي والتأثيري. ومع ذلك، ينبغي
التعامل مع هذه النتائج بوصفها استنتاجات مستخلصة من الشواهد المتاحة، لا أحكامًا
نهائية تشمل جميع قصص المجموعة؛ فإثبات السمات الأسلوبية العامة يتطلب استقراءً
أوسع ومقارنةً دقيقة بين النصوص.
الخاتمة العامة
تنبع القيمة الفنية
لمجموعة / تلك كانت مريم/ للقاصّة دعد إبراهيم من قدرتها على تحويل التجربة
المعاشة إلى مادة سردية تتيح مساءلة الإنسان في علاقته بالعالم، وتكشف التوتر بين
ما يطمح إليه وما تفرضه عليه الظروف. ولا تتحدد فاعلية هذه الكتابة في القضايا
التي تطرحها فحسب، بل في الكيفية التي تمنح بها التفاصيل اليومية والرموز
والإيحاءات قدرةً على حمل دلالات تتجاوز حدود الحكاية المباشرة.
وتتيح القراءة الذرائعية النظر إلى النصوص من
خلال العلاقة بين بنائها الفني ومراميها، وبين اختياراتها التعبيرية وما تتركه من
أثر في المتلقي.
فالقيمة
النقدية لا تتحقق بمجرد استخراج المعاني، وإنّما بتبيّن الكيفية التي ينتج بها
النص دلالته، ويجعل القارئ يعيد النظر في مسلّماته ومواقفه.
وعلى هذا الأساس، لا تنتهي تجربة القراءة عند
إغلاق الكتاب؛ إذ تظل الأسئلة التي تثيرها القصص مفتوحة على الواقع، وتبقى قدرة
الأدب على إيقاظ الوعي مرتبطة بقدرته على زعزعة الألفة مع المألوف، وكشف ما قد
تخفيه الوقائع خلف ظاهرها. وهنا تتجلى مسؤولية الكتابة: ألّا تكتفي بأن تجعلنا نرى
الألم، بل أن تدفعنا إلى مساءلة ما يجعله ممكنًا، وما يبقيه مستمرًا.
#دعبيرخالديحيي طرطوس - سوريا 26 تشرين الأول 2026

تعليقات
إرسال تعليق