حين تتوقف الإشارة وتنطلق الذاكرة قراءة سردية جمالية في قصة /عالموقف/ للأديبة السورية فيحاء نابلسي بقلم الناقدة د. عبير خالد يحيي

 


     تقدم قصة /عالموقف/ تجربة سردية تنطلق من مشهد يومي شديد البساطة:

شخص ينتظر عند إشارة المرور، يراقب حركة الشارع، ويتابع العابرين من حوله. غير أن هذه اللحظة العابرة سرعان ما تتحول إلى مساحة سردية مفتوحة، تتدفق فيها الصور والذكريات والحكايات، ويتحول الانتظار من حالة جسدية إلى رحلة داخل الوعي والذاكرة.

ما يستوقفنا في هذا النص ليس الحدث الخارجي بقدر ما يستوقفنا الحدث الداخلي؛ فثمة مفارقة جمالية تتأسس على التباين بين:  انضباط الحركة في الفضاء الخارجي- حيث تخضع السيارات والمارة لقوانين الإشارات- وانفلات الحركة في الفضاء الداخلي، حيث لا تعرف الذاكرة إشارات حمراء ولا حدودًا زمنية أو مكانية.

 

·      التداعي الحر كمحرك للسرد

     تعتمد القصة على تقنية التداعي الحر، حيث تتوالد الحكايات من تفاصيل صغيرة لا تبدو بينها روابط منطقية مباشرة، غير أن الذاكرة تنشئ بينها علاقات وجدانية وحسية خاصة.

فمشهد الصبية ذات الشعر الطويل والمجعّد يستدعي وصف شعرها بأنه (أندومي)، وهي ملاحظة ساخرة تستحضر عبّود وولعه بهذا الطعام، ومنه تنتقل الذاكرة إلى وليمة العائلة، ثم إلى حكاية عبد الحليم وأمينة، وصولًا إلى أحمد المنجد الذي يشبه المطرب وليد توفيق.

هذه السلسلة من الانتقالات تكشف أن النص لا يبني حكايته وفق منطق الحدث المتتابع، وإنما وفق منطق الوعي الذي يستجيب للمثيرات الصغيرة ويعيد تشكيل العالم من خلالها.

واللافت أن هذه الانتقالات لا تبدو مفتعلة؛ فالراوي لا يتعمد استحضار الحكايات، وإنما يجد نفسه منقادًا إليها، حتى إنه يتساءل باستغراب: "من وين اجا وليد توفيق على بالي؟".

وهذا السؤال ليس مجرد تعليق عابر، هو يكشف وعي الراوي بآلية اشتغال ذاكرته، ويمنح القارئ فرصة لمشاهدة عملية التفكير وهي تتشكل أمامه.

 

·      الزمن السردي ومفارقة اللحظة

    تتخذ القصة من الدقيقة المرورية وحدة زمنية ظاهرية، غير أن الزمن السردي يتمدّد داخلها ليحتضن سنوات طويلة من الذكريات والتجارب الإنسانية.

فعبارة "لن ينتهي العالم في دقيقة" تتكرر في بداية النص ونهايته، وتؤدي وظيفة تتجاوز التطمين العابر؛ إذ تصبح لازمة فلسفية تختزل موقف الراوي من الاستعجال ومن الزمن نفسه.

في البداية تبدو العبارة تبريرًا لعدم اللحاق بالإشارة، وفي النهاية تعود بعد رحلة طويلة في الذاكرة، وقد اكتسبت أبعادًا أعمق.

إن الدقيقة هنا لا تُقاس بامتدادها الزمني، تقاس بقدرتها على استدعاء أعمار كاملة. وقد استطاع السرد أن يجعل من زمن الانتظار زمنًا للحياة، ومن لحظة التوقف مناسبة لاستعادة ما مضى.

 

·      الفضاء الخارجي والفضاء الداخلي

     تقوم البنية الجمالية للقصة على ثنائية مكانية ونفسية واضحة.

في الخارج، شارع وإشارات ومارّة وسيارات وزمامير، وحركة محكومة بقواعد صارمة. وفي الداخل، فضاء واسع تتحرك فيه الذاكرة بحرية، فتنتقل من مشهد اجتماعي إلى حكاية عائلية، ومن تفصيل بصري إلى استدعاء غنائي، ومن الحاضر إلى الماضي دون ترتيب زمني.

وهنا تظهر المفارقة الأجمل: الجسد ينتظر الضوء الأخضر، بينما الوعي لا ينتظر شيئًا.

إن الإشارة المرورية تضبط حركة المركبات والأجسام، لكنها لا تستطيع ضبط حركة الأفكار. ومن هذه المفارقة يستمد النص وحدته الداخلية، على الرغم من تعدد الحكايات وتباعد موضوعاتها.

 

·      الرموز والإيحاءات

     تتجاوز الإشارات المرورية في القصة وظيفتها التنظيمية لتكتسب دلالات رمزية.

فالأصفر يمثل لحظة الترقّب والتردّد، والأحمر يفرض التوقف ويعيد الجسد إلى حدود الواقع، بينما يصبح الأخضر، وإن لم يحضر بوصفه مشهدًا مستقلًا، أفقًا منتظرًا للحركة والانطلاق.

أما العكاز الذي يستند إليه الرجل ذو الساق الواحدة، فيحمل دلالة تتجاوز الإعاقة الجسدية إلى صورة الإنسان الذي يحتاج إلى سند كي يواصل طريقه. ويكتسب مشهد المتسولين بعدًا أخلاقيًا من خلال العبارة المكثفة: "بائس جدًا أن يلزمك عملك بسحنة دائمة".

إنها عبارة تلتقط مفارقة إنسانية مؤلمة؛ فحين يصبح البؤس وسيلة للعيش، قد يُجبر الإنسان على تحويل معاناته إلى صورة ثابتة يعرضها أمام الآخرين. وهكذا يمر النص من الملاحظة اليومية إلى مساءلة اجتماعية لا تحتاج إلى خطاب مباشر أو وعظ.

 

·      المفارقة بين الشجن والفكاهة

     من أبرز جماليات النص قدرته على الجمع بين نبرتين متباينتين: الشجن والفكاهة.

فمشهد المتسول يستدعي التعاطف والتأمل في البؤس الاجتماعي، ثم تنقلنا الذاكرة إلى حكاية عبّود والأندومي، وما تحمله من طرافة عائلية، ثم إلى حكاية عبد الحليم وأمينة التي تنطوي على مفارقة الزمن والانتظار.

وتؤدّي الضحكات المتكرّرة وظيفة سردية ونفسية؛ فهي جزء من شخصية الراوي، ومن طريقته في استقبال العالم، كما أنها تخفف من ثقل بعض الحكايات دون أن تلغي أبعادها الإنسانية.

وتبدو العامية هنا اختيارًا جماليًا مناسبًا؛ فهي تمنح الحكايات حرارة المشافهة، وتحافظ على نبرة الشخصيات وخصوصية البيئة الاجتماعية. كما أن التعليقات العفوية والتكرارات الصوتية تجعل القارئ قريبًا من صوت الراوي، وكأنه يستمع إلى حديث داخلي مسموع.

 

·      الذاكرة العائلية واستدعاء الزمن الاجتماعي

    لا تقتصر الحكاية العائلية على إنتاج الفكاهة، بل تحمل خلفها صورة عن الزمن الاجتماعي وتحولاته.

فقصة عبد الحليم الذي خطب أمينة إحدى عشرة سنة ولم يعد من أمريكا، تختزل زمنًا من الانتظار المعلّق، وتنتهي بزواج أمينة من أحمد المنجد.

وهنا تتجاور حكاية الانتظار العاطفي مع انتظار الإشارة المرورية، وكأن النص يقيم علاقة غير معلنة بين انتظار الطريق وانتظار الحياة.

أما استدعاء وليد توفيق وأغنيته، فيمثل امتدادًا للذاكرة الثقافية الشعبية، حيث تتداخل الأغنية مع الحكاية الشخصية، وتصبح الموسيقى جزءًا من المخزون الوجداني الذي تستحضره الذاكرة دون استئذان.

 

·      الدلالة النفسية والحكمة الشعبية

يبلغ النص لحظة تأملية خاصة عند استحضار مقولة الجد:

"النفس إن ما تعقلها ترمح بيك مثل الفرس الشموس".

هذه العبارة تختصر تجربة الراوي مع ذاكرته؛ فالنفس لا تستقر عند موضوع واحد، بل تنطلق من تفصيل إلى آخر، كما تنطلق الفرس الجامحة دون أن تستجيب بسهولة للجامها.

ويأتي التعقيب: "اعقلها بذكر الله"، ثم تكرار "لا إله إلا الله"، ليعيد السرد إلى مرجعيته الروحية والشعبية، ويمنح التداعيات خاتمة ذات طابع تأملي.

والطريف أن الراوي يعود مرة أخرى إلى السؤال عن سبب حضور وليد توفيق في ذاكرته، وكأن محاولة ضبط النفس لا تنجح تمامًا في إيقاف تدفقها.

 

·      البناء الدائري ووظيفة الخاتمة

      تعود القصة في نهايتها إلى الإشارة الحمراء والزمامير، فتستعيد المشهد الذي بدأت منه. وهذا الرجوع يحقق بناءً دائريًّا يمنح النص تماسكه رغم تعدّد مساراته.

غير أن العودة ليست تكرارًا للبداية؛ فالراوي يعود إلى المكان نفسه بعد أن قطع في داخله مسافة زمنية ووجدانية طويلة.

وتأتي عبارة "لن ينتهي العالم في دقيقة" في الختام لتؤكد أن الانتظار لم يكن زمنًا ضائعًا، بل كان مناسبة لاستعادة العالم من خلال الذاكرة.

 

    إن خصوصية قصة / عالموقف/ تكمن في قدرتها على تحويل تفصيل يومي عابر إلى تجربة سردية تتداخل فيها الذاكرة الفردية بالذاكرة الاجتماعية، ويتجاور فيها البؤس الإنساني مع الفكاهة، والحاضر مع الماضي، والواقع مع الاستدعاء.

لقد اختارت القاصّة ألا تصنع حبكة تقليدية تقوم على حدث مركزي وصراع متصاعد، وإنما جعلت من حركة الوعي حبكته الأساسية، ومن التداعي الحر وسيلته لبناء العالم القصصي.

ولعل أجمل ما في النص أن الراوي لا يتحرك من مكانه، بينما تتحرك داخله الحياة بكل اتساعها. فالشارع يفرض إشاراته على الجسد، أما الذاكرة فتشق طريقها الخاص، عابرة الأزمنة والوجوه والحكايات.

إنها قصة عن تلك المسافة الغامضة بين ما نعيشه في الخارج وما يحدث في داخلنا؛ عن دقيقة يتوقف فيها الطريق، وتستيقظ فيها حياة كاملة.

 

·      النص القصصي

عالموقف

يومضُ الأصفر. لن ألحق الإشارة. لا بأس. لن ينتهي العالم في دقيقة.

بائعة المناديل تُقبل.

بائع البسكويت. ا

لرجل ذو الساق الواحدة على عكازه يمدُّ يدهُ مستجديا.

بائس جداً أن يلزمك عملك بسحنة دائمة.

يقولون أن الشؤون الاجتماعية تعمل للحدِّ من التسول. عسى ولعلّ.

صبيّةٌ صهباء تعبر ممرّ المشاة . تتهادى برشاقة. شعرها طويييييل ومجعّد. شعرها أندومي. هههههه. عبّود يقول عن شعر سالي, أندومي. نهفات الأطفال. عبّود غريب ولعه بالأندومي. مهما كانت الوجبة يطلب أندومي. في وليمة خالته, كان الأكل أشكال وألوان, كبب, محاشي, مشاوي, مالح وحلو ومن كلّه. سرّب إلى المطبخ يعبي مي على كاسة الأندومي. جدته خبطت على صدرها وشهقت" كلّ الأكل اللي عالسفرة ما عجبك منه شي؟ ابن أختي عبد الحليم يجي من أمريكا يقول لي يا خالتي بدّي كبّة من دياتك. " عبد الحليم خطب أمينة إحدى عشرة سنة. أطول خطبة في البلد. سنة تجرّ سنة . مرّ العمر, و ما رجع عبد الحليم. أمينة الله جبر خاطرها. تزوجت أحمد المنجد. طويل وشخصية. يشبه وليد توفيق. ههههه " تجي نقسم القمر , أنا نص وإنت نص.... ههههه."

من وين اجا وليد توفيق على بالي!! غريب والله !

كيف النفس تشرد! تشرّق تغرّب!

عقولة جدّي" النفس إن ما تعْقلها ترمح بيك مثل الفرس الشموس." الله يرحمه.

" اعقلها بذكر الله . "

لا إله إلا الله . بس شو جاب سيرة وليد توفيق على بالي؟ صعب نعيد الشريط . هههه .

يومض الأحمر. زمامير. زمامير. على مهلكم . لا إله إلا الله . لن ينتهي العالم في دقيقة.

 

                     #دعبيرخالديحيي                طرطوس – سوريا                 5 /11/ 2026

شاركي المقال: تلغرام X فيسبوك واتساب لينكدإن Threads

تعليقات