فوضى الأشياء واختلال المنظومة الأخلاقية دراسة نقدية ذرائعية في المجموعة القصصية/ فوضى الأشياء/ للقاصة السورية زرياف عبد القادر المقداد إعداد: د. عبير خالد يحيي
تنهض مجموعة /فوضى
الأشياء/ للقاصة زرياف عبد القادر المقداد على عالم تتصدع فيه العلاقة بين الإنسان
ومحيطه، وتتداخل فيه صور الحرب والفقد والحصار والاغتراب مع أسئلة الكرامة
والعدالة والهوية. ومنذ العنوان، تضعنا الكاتبة أمام مفارقة دلالية؛ فالفوضى لا
تبدو مجرد اضطراب في الأشياء أو في نظام الحياة، بل حالة تتجاوز المادي إلى
الإنساني والأخلاقي، حين تفقد الأشياء وظائفها، وتتبدل مواقع الإنسان في عالمه،
ويصبح ما يفترض أن يحميه مصدرًا للخوف أو القهر.
تضم المجموعة ست عشرة قصة، تتفاوت في بنائها
السردي ودرجة اعتمادها على الرمز والتكثيف الشعري، وتتقاطع في فضاء عام تحكمه
تجربة العنف وآثاره في الفرد والجماعة. وتظهر هذه التجربة من خلال شخصيات الأطفال
والأمهات والناجين والمهمشين، ومن خلال الأمكنة التي تتحول من فضاءات للعيش إلى
شواهد على الخراب والاقتلاع.
ولا تتجه هذه الدراسة إلى إعادة سرد القصص أو
الاكتفاء بتصنيف موضوعاتها، وإنما تسعى إلى الكشف عن آليات اشتغالها الجمالي
والفكري، وعن العلاقة بين بنائها الفني ووظيفتها الإنسانية؛ لذلك نعتمد النظرية الذرائعية بوصفها مقاربة
تربط البنية الفنية بأثرها، وتقرأ النص عبر مستوياته الفكرية والبصرية واللغوية
والديناميكية والنفسية والأخلاقية، مع الإفادة من أدوات النظرية السردية في تحليل
الراوي والشخصية والحدث والفضاء والزمن والتبئير والحوار.
· إشكالية الدراسة
تتمحور إشكالية
الدراسة حول السؤال الآتي: كيف تحوّل زرياف عبد القادر المقداد الفوضى التي تصيب
الواقع الإنساني إلى بنية قصصية ذات دلالات فكرية وجمالية وأخلاقية؟ وإلى أي حد
تنجح التقنيات السردية واللغة الشعرية والرموز المتكررة في تجسيد هذه الرؤية،
وإيصال أثرها إلى المتلقي؟
ويتفرع عن هذا السؤال عدد من الأسئلة: ما البؤرة
الفكرية التي تنتظم حولها القصص؟ كيف تتشكل صورة الإنسان في مواجهة العنف؟ وما
الوظائف التي تؤديها الأمكنة والأزمنة والرموز؟ وكيف يسهم الراوي وتوزيع المعرفة
والحوار في بناء الموقف الدلالي؟ وأين تتجلى مواطن القوة الفنية، وأين تظهر حدود
التجربة؟
· المنهج وإجراءاته
تستند الدراسة إلى
النظرية الذرائعية في قراءة النصوص، مع توظيف أدوات التحليل السردي عند الحاجة.
ولا يُنظر إلى المستويات الفنية بوصفها وحدات منفصلة؛ فاللغة، مثلًا، تُقرأ من جهة
جماليتها ومن جهة أثرها في بناء الشخصية والحدث، والفضاء يُقرأ بوصفه عنصرًا
سرديًا يحمل ذاكرة المكان ودلالته، والحوار يُدرس باعتباره وسيلة لتشكيل الصراع
وكشف المرجعيات.
وتقوم الإجراءات على القراءة النصية، واستخراج
الشواهد، وتحليل وظائفها في السياق، ثم ربط الجزئي بالبنية العامة للمجموعة، مع
الموازنة بين الإنجاز الفني وحدوده.
· البؤرة الفكرية
تتمثل البؤرة
الفكرية المركزية في المجموعة في اختلال العلاقة بين الإنسان وكرامته، حين تتغلب
القوة والمصلحة والتمييز على مقتضيات المسؤولية الأخلاقية.
تتجلى هذه البؤرة في صور متعددة؛ ففي "الأولاد
ينامون في البرد" تُسلب الأمهات حتى القدرة على استعادة أبنائهن، وتتحول
هويات المفقودين إلى بديل قاسٍ عن حضورهم الإنساني.
وفي "بلا
أسماء" يُختزل الطفل إلى سؤال عن ملته وانتمائه، بينما تنشغل الأم باستعادة
حقه في أن يكون طفلًا بين الأطفال، لا موضوعًا للتصنيف والإقصاء.
وفي "فوضى
الأشياء" يتسع الخلل ليشمل الحياة اليومية، حيث يصبح الصمت عن الفساد والخوف
من المواجهة جزءًا من استمرار منظومة الاختلال.
ولا تنحصر المسؤولية في فاعل واحد؛ فالمجموعة
ترصد القهر الخارجي الذي تمارسه القوة، كما تكشف التواطؤ الاجتماعي أو الصمت الذي
يسمح باستمرار الأذى. ومع ذلك، لا تضع الضحية في موضع المسؤولية عن العنف الواقع
عليها، بل تجعل عجزها أو صمتها جزءًا من مأساة أوسع.
وتتفرع عن هذه البؤرة ثنائيات تتكرر بصيغ
مختلفة: الحياة والموت، الاسم والرقم، البيت والمنفى، الضوء والعتمة، الذاكرة
والمحو، الخبز والحرمان، الطفولة والعنف. وهي ثنائيات لا تعمل بوصفها مقابلات
لغوية فحسب، بل تشكل شبكة دلالية توحد القصص على الرغم من اختلاف حكاياتها.
· المستوى البصري والإيحائي
تنهض الصورة البصرية
في المجموعة على مفردات متكررة: الثلج، الدم، الجدار، النافذة، الخبز، البحر،
الظل، الشمس، القمح، المقبرة. وتكتسب هذه المفردات قيمتها من انتقالها من معناها
الحسي المباشر إلى معناها الإيحائي.
في "الأولاد ينامون في البرد" يبدأ
المشهد ببياض الثلج، غير أن البياض لا يحمل دلالة الصفاء أو الطمأنينة، وإنما يرتبط
بقسوة البرد والأجساد التي تنام في العراء. يقول الراوي: "استوطن الفزع قلبي،
وأنا أرمق بياض الثلج، وأشعر بقسوة كراته فوق النيام في العراء" (ص 9). هنا
تنقلب الصورة الطبيعية إلى قوة ضاغطة، ويتحول البياض إلى غطاء بصري يخفي مأساة
الأجساد.
وفي "وطن على الجدار" يتحول الجدار من
عنصر معماري إلى سطح للذاكرة والمقاومة. يرسم الأطفال عليه ما حُرموا منه في
الواقع، وحين تُمحى رسومهم يعودون إلى رسمها. فالصورة لا تؤدي وظيفة الزينة، لكنها
تصبح فعلًا رمزيًا لاستعادة الحق في الحلم.
أما الظل، فيتجاوز وظيفته الطبيعية ليصبح علامة
على الوجود والهوية. ففي "سبع نازفات" و"بكاء الرجال" تتكرر
صورة العيش بلا ظل، بما توحي به من اغتراب وفقدان للامتداد الإنساني.
وفي "لجة
الضوء.. لجة العتمة" تتشكل الصورة البصرية في القصة من مشهد الغروب وما
يرافقه من تحولات لونية وحركية؛ فالسماء " تتوشى بحلل رمادية وبرتقالية"
فيما تنزل "بجلال وزهو، وتقترب من الأرض التي تبدو كائنًا حيًّا " تكاد
تلامس وجه الأرض بيد يسوعية ... تبتسم بحنوّ بالغ، تمسح الدموع والوجع، ثم تمسح،
وتمسح..." (ص 75–76). وتمنح هذه الاستعارات الطبيعة ملامح إنسانية، فتحوّل
الأرض إلى صورة للأمومة والمواساة، غير أن بكاءها المتجدّد يكشف عجز الحنو عن محو
الألم: "لكنها تعود باكية إلى غيومها البرتقالية" (ص 76).
وتزداد الصورة قتامة مع مشهد طيور القطا التي
ترقد "في سهل غمر بالحكايات الحزينة"، وتغني لصغارها، فيما يواجه الراعي
مصيره؛ إذ يصف السرد قطيعه بأنه فرّ "خوفًا من الذئاب"، غير أن خوفه
ساقه "نحو سوط الجلاد" (ص 76). هنا تتجاوز الصورة حدود المشهد الطبيعي
لتكشف مفارقة إنسانية موجعة: الهرب من خطر يقود إلى خطر أشد قسوة. وتستمر الصورة
في التحول حين يتخيل السرد عودة الراعي إلى قطيعه، ونبات الحشائش واخضرار السهل،
في مقابل استمرار ذاكرة الفقد؛ فالأمهات لا ينسين "لون دم أبنائهن" ولا الرجال
ينسون "لون قمصان النسوة اللواتي ما برحن ينتظرنهم على شرفات الغياب" (ص
77).
وهكذا تتقابل رقة الطبيعة مع قسوة المصير
الإنساني؛ فالضوء والغروب والغيوم والطيور لا تؤدي وظيفة تزيينية، بل تتحول إلى
مرايا للوجع والغياب. ومن خلال هذا التناقض البصري، يكتسب الضوء دلالته المزدوجة:
جمالًا في ظاهره، واحتراقًا في عمقه، كما يلخص الاستهلال: "ما أوجع الحريق
الذي يلتهمنا ويحيلنا نورًا في لجة العتمة" (ص 75).
وتظهر الصورة البحرية في "رجال الشمس"
بوصفها فضاءً للابتلاع والموت " بكت ثم بكت حتى غرقت في بحرها" (ص 96)، ثم تتحول الحيتان في نهاية الرحلة إلى صورة
ولادة جديدة "ولدتنا الحيتان من بطنها" (ص97)، فتنتقل الدلالة من الفناء
إلى استعادة الوجود.
وهكذا تتبدل الرموز بحسب السياق، ولا تستقر على
معنى واحد.
· المستوى اللغوي والجمالي
تتسم لغة المجموعة
بالتداخل بين السرد والشعر، إذ لا تكتفي بوصف الوقائع، بل تعيد تشكيلها عبر
الاستعارة والتشخيص والانزياح والتكثيف.
في "صحوة الروح" يقول الراوي:"روحي
تخربش في أطراف أناملي، مرتجف من أنين الغربة" (ص 27). يجمع التعبير بين
التجريد والحس؛ فالروح تتحول إلى كائن يترك أثرًا في أطراف الجسد، والغربة تصبح
أنينًا يسمع ويُحس. ويستمر هذا التشخيص حين "تقترب الجدر" من الراوي
هربًا من البرد (ص 27)، فينقلب المكان إلى كائن يشارك الإنسان خوفه.
وفي "فوضى الأشياء" يصف الراوي نفسه
بقوله: "أنا هو الأعمى الذي يرى كل شيء حوله!" (ص 21). تقوم العبارة على
مفارقة بين العمى والرؤية، وتكشف عن وعي يرى الخلل بوضوح، لكنه لا يمتلك بالضرورة
القدرة على تغييره.
وهنا تتجاوز اللغة وظيفتها الجمالية لتصبح
تعبيرًا عن مأزق معرفي وأخلاقي.
وتبرز الاستعارة في وصف الشمس بأنها تمسح الحزن "بيد
يسوعية" (ص 25)، ثم تتكرر الصورة في "لجة الضوء.. لجة العتمة" حين
توصف الأرض بأنها تمسح الدموع والوجع (ص 76). ويشير هذا التكرار إلى انتقال الصورة
من مواساة شخصية إلى أفق كوني للرحمة، من غير أن يلزم النص بإحالة دينية مباشرة
محددة.
وتتجلى شعرية اللغة أيضًا في الصور المركبة، مثل
"أجسادنا قطع زجاج تتحرك صبحَ مساء" (ص 64)، حيث تتداخل الهشاشة مع
الحركة، ويصبح الجسد صورة للإنسان المحاصر بعبء الزمن والقهر.
غير أن كثافة اللغة الشعرية لا تخلو من أثر
مزدوج؛ فهي تمنح بعض القصص طاقة إيحائية عالية، فيما تميل في مواضع أخرى إلى إبطاء
الحركة السردية أو مزاحمة الحدث بتراكم الصور. ومن هنا تظهر الحاجة إلى التوازن
بين شعرية العبارة وضرورة تطور الفعل القصصي.
· المستوى الديناميكي
يقصد بالمستوى
الديناميكي رصد حركة النص من حالة إلى أخرى، وما ينشأ عن ذلك من تحولات في
الشخصيات والوقائع والدلالات.
تقوم بعض قصص المجموعة على حركة حدثية واضحة،
كما في "فوضى الأشياء"، حيث ينتقل الراوي من مراقبة تفاصيل الحياة
اليومية إلى مواجهة منظومة من الفساد والاستغلال، ثم إلى استعادة صوته بعد طول
صمت.
وفي "الأولاد
ينامون في البرد" تتدرج الحركة من مشهد الأمهات اللواتي يتقدمن لاستلام هويات
أبنائهن، إلى المواجهة مع الموظف، ثم إلى سقوط النساء وتحولهن إلى أجساد تُنقل إلى
مكب النفايات. وتتخذ النهاية شكلًا دائريًا قاسيًا: تُغسل الأرصفة بعد إلقاء
الأمهات، كما لو أن إزالة الأثر أهم من مواجهة الجريمة.
وفي "أعطني دمك" تتقدم الحركة عبر
مشاهد متتابعة تتداخل فيها صور البيت والخبز والبحر والضحايا، ويُبنى التوتر من
الانتقال بين الحاجات اليومية والمأساة الجماعية.
في المقابل، تعتمد قصص أخرى على الحركة النفسية
أو الصورة أكثر من اعتمادها على الحبكة المتنامية. ففي "صحوة الروح"
تتقدم التجربة عبر إحساس الغربة والبرد واللقاء بأم تنتظر ولدًا انتُزع منها،
بينما تتشكل "فراشة" من صور متتابعة لا تتضح دلالتها النهائية إلا عند
الكشف عن الطفل المفقود.
وتكشف هذه الأنماط عن تنوع في طرائق بناء الحركة،
غير أن بعض القصص تقترب من المشهد الشعري المتتابع أكثر من اقترابها من الحدث
القصصي المتنامي. وهذه سمة تمنح النص كثافة وجدانية، لكنها قد تضعف أحيانًا
التماسك الدرامي إذا لم تتضح الصلة بين المشاهد المتعاقبة.
· المستوى النفسي والاجتماعي
تقدم المجموعة شخصيات
مثقلة بالخوف والفقد والذاكرة، وتكشف عن أثر العنف في البنية النفسية للفرد
والعلاقات الاجتماعية.
في "الأولاد ينامون في البرد" لا
تتعامل الأمهات مع فقد أبنائهن بوصفه خبرًا نهائيًا؛ فهن يتشبثن برائحة الحليب في
أفواههم، ويقلن إن الزمن لم يمحُ أثرهم: "لم يمض عليه ربيع. ولم يمض صيف"
(ص 11). إنكار الموت هنا ليس جهلًا بالواقع، لكنه مقاومة نفسية للمحو، وتمسك بحق
الأم في أن تعرف ابنها وتستعيده.
وفي "لا أحد يشبهك سواك" يتوقف الزمن
النفسي عند لحظة خروج الزوجة والطفل، ويصبح الرجل عاجزًا عن مغادرة تلك اللحظة،
على الرغم من مرور سنوات طويلة (ص 86). فالصدمة لا تقاس بمدة وقوع الحدث، وإنما بقدرتها
على تجميد الوعي وإعادة الشخص إلى الفاجعة كلما استدعت الذاكرة صورتها.
أما في "صحوة الروح" فيتجسد الاغتراب
في علاقة الجسد بالمكان، وفي لقاء الراوي بأم تنتظر ولدًا غائبًا. وتتداخل وحدته
مع حزن المرأة، فينشأ بينهما شكل من القرابة الوجدانية، لا تقوم على رابطة الدم،
تقوم على تشابه الجرح.
وعلى المستوى الاجتماعي، تكشف "فوضى
الأشياء" عن فساد العلاقات اليومية حين تصبح المنفعة المتبادلة مبررًا للسكوت
عن استغلال الناس، كما تكشف "بلا أسماء" عن خطورة تحويل الانتماء الديني
إلى أداة للتمييز حتى في لحظة الموت.
وهكذا لا تظل الأزمة نفسية فردية، تتسع لتتصل
بمنظومة اجتماعية تسمح بتكرار الأذى.
· الخلفية الأخلاقية والوظيفة الذرائعية
تحتل الخلفية الأخلاقية
موقعًا مركزيًا في المجموعة؛ فالنصوص لا تعرض الألم لمجرد إثارة التعاطف، لكن لتضع
المتلقي أمام أسئلة تتصل بالمسؤولية والعدالة والحق في الحياة والكرامة.
في "بلا أسماء" تتجسد هذه الخلفية في
موقف الأم التي ترفض أن يكون انتماء طفلها معيارًا لتحديد مكان دفنه. وهي لا تدخل
في سجال نظري حول الدين، بل تستند إلى تجربة إنسانية مباشرة، وتعيد السؤال إلى
أصله: هل يجوز أن يُحرم طفل من حقه في الدفن مع رفاقه بسبب اختلاف يُنسب إليه أو
إلى أسرته؟
وفي "فوضى الأشياء" تتخذ الخلفية
الأخلاقية شكل مساءلة للصمت أمام الفساد. فالراوي يرى ما يجري حوله، ويعرف أن بعض
الممارسات مغشوشة أو قائمة على المنفعة، غير أن المعرفة لا تتحول دائمًا إلى فعل.
وهنا يضع النص المتلقي أمام المسافة بين إدراك الخطأ والقدرة على مواجهته.
أما "عيد الخضر" فيستدعي رمز الخضر
بوصفه علامة على الحياة والعطاء والتجدد، ويضعه في مواجهة واقع يستهلك الإنسان
والأرض. وتظهر المفارقة في سؤال الشخصية للملك: "بعد أن تحرق البلد والولد،
لمن تهدي نصرك؟" (ص 50). فالسؤال لا يستهدف شخصًا بعينه بقدر ما يفضح عبث
النصر حين يُبنى على إحراق شروط الحياة.
وتتحدد الوظيفة الذرائعية للمجموعة في تحريك
الوعي الأخلاقي لدى المتلقي، وليس في تلقينه موقفًا جاهزًا. فهي تدفعه إلى إعادة
النظر في علاقته بالآخر، وفي معنى المسؤولية، وفي الأفعال الصغيرة التي قد تسهم في
استمرار الظلم أو مقاومته. وتبلغ هذه الوظيفة ذروتها حين يتحول الضحايا من موضوع
للرثاء إلى أصحاب صوت وشهادة.
· المستوى التركيبي ووحدة المجموعة
على الرغم من
استقلال كل قصة بحكايتها وشخصياتها، فإن المجموعة تتماسك عبر شبكة من الصور
والموضوعات والرموز المتكررة. فالطفل، والأم، والخبز، والجدار، والظل، والدم،
والبحر، والمدينة، ليست مفردات عابرة، بل عناصر تتنقل بين القصص وتعيد إنتاج
المعنى في سياقات مختلفة.
يتكرّر الطفل في "الأولاد ينامون في البرد"
و"بال أسماء" و"البصاق الحار" و"فراشة" و"رجال
الشمس"، غير أن حضوره يتنوع بين الطفل المفقود، والطفل المحاصر، والطفل الذي
يتعرض للاعتداء، والطفل الذي يتحول إلى رمز للشهادة.
وبذلك لا يتكرر الموضوع وحده، لكن تتغير زاوية
النظر إليه.
وتتكرر صورة الأم كذلك، فتظهر بوصفها ذاكرة حية،
وحارسة للأسماء، وصوتًا يستعيد أبناءه، وملاذًا نفسيًا في مواجهة الخوف. أما
الجدار فينتقل من مكان تتكئ عليه الأمهات في «الأولاد ينامون في البرد» إلى سطح
للرسم والمقاومة في «وطن على الجدار»، ثم إلى أثر للذاكرة والسجن في قصص أخرى.
وتتجلى وحدة المجموعة أيضًا في التقابل بين
الضوء والعتمة، حيث لا يأتي الضوء دائمًا بوصفه خلاصًا مكتملًا، ولا تكون العتمة
مجرد غياب للنور؛ فكلاهما يحمل معنى نفسيًا وأخلاقيًا يتبدل بحسب التجربة.
غير أن التكرار، على الرغم من دوره في بناء
الوحدة، قد يؤدي أحيانًا إلى تقارب المناخ الشعوري بين بعض القصص، بحيث تتشابه
نبرة الحزن والاحتجاج والصور المستخدمة، وكان من الممكن أن يزداد التمايز بين
النصوص لو اتسعت المسافة الأسلوبية بينها، أو تنوعت طرائق بناء الصراع والحركة.
· حدود الإنجاز الفني
لا تكتمل القراءة
النقدية بالوقوف عند عناصر القوة وحدها؛ فالمقاربة الذرائعية تقتضي مساءلة مدى
فاعلية الأدوات الفنية في تحقيق غايات النص.
من أبرز مواطن القوة في المجموعة قدرتها على
تحويل المأساة العامة إلى صور إنسانية ملموسة، وعلى منح الأطفال والأمهات والضحايا
حضورًا وجدانيًا يخفف من تجريد الخطاب السياسي والاجتماعي. كما تنجح في توظيف
الرمز الشعبي والديني والطبيعي، وفي بناء صور شعرية ذات أثر بصري ونفسي واضح.
في المقابل، تظهر في بعض القصص نزعة إلى
المباشرة، حين تتقدم الفكرة الأخلاقية على حساب استقلال الشخصية أو تعقيد الحدث.
وفي مواضع أخرى تتراكم الاستعارات والصور على
نحو قد يضعف التوازن بين السرد والشعر.
كما أن تكرار بعض الرموز والمناخات الوجدانية قد
يقلل من خصوصية بعض القصص إذا لم يرافقه تحول دلالي كافٍ.
وتبرز هذه الملاحظات بوصفها حدودًا في توزيع
الطاقة الفنية، لا أحكامًا مطلقة على التجربة؛ فالمجموعة تتحرك بين القصة القائمة
على الحدث، والقصة المشهدية، والنص ذي الكثافة الشعرية، وقد ينجح هذا التنوع في
مواضع ويحتاج إلى مزيد من الضبط في مواضع أخرى.
·
توظيف المرجعيات الدينية
والأسطورية والشعبية
تستثمر المجموعة رصيدًا من المرجعيات الدينية
والشعبية والأسطورية، وتعيد توظيفه في سياق التجربة المعاصرة.
يبرز الخضر في قصة "عيد الخضر" باعتباره
رمزًا للحياة والخصب والعطاء، وترتبط صورته بسنابل القمح وحبل المدار وأسرار
الحياة. وتستدعي القصة الموروث الشعبي والديني، ثم تنقله إلى مشهد سياسي واجتماعي
معاصر، بحيث يصبح الرمز أداة لمساءلة السلطة والحرب والجوع.
وفي "البصاق الحار تستحضر القاصّة صورة
الغول من الحكاية الشعبية، غير أن المفارقة تكمن في أن الطفل يكتشف رجلًا يشبه
الغول في واقعه، فيغدو الإنسان مصدر الرعب الحقيقي. وتعمل الحكاية الشعبية هنا على
قلب العلاقة بين الخيال والواقع؛ فما كان يُروى لتخويف الطفل يصبح وصفًا لعنف
يعيشه بالفعل.
أما "رجال الشمس" فتستدعي صورة طائر
الفينيق، بما تحمله من دلالة الانبعاث بعد الاحتراق، وتربطها بمصير الضحايا الذين
يُلقون في البحر ثم يعودون في صورة صوت جمعي. كما تظهر إشارات إلى رموز دينية
وتاريخية، مثل صلب الصوت وقميص يوسف ونينوى وكربلاء، وهي إشارات توسع أفق المأساة
من الواقعة الراهنة إلى ذاكرة إنسانية وحضارية ممتدة.
ولا تعمل هذه المرجعيات بوصفها زينة ثقافية، وإنما
تمنح التجربة أبعادًا زمنية ورمزية أوسع. غير أن كثافة الإحالات في بعض المواضع قد
تجعل النص بحاجة إلى مزيد من التوازن بين الرمز والسياق القصصي، حتى لا يتحول
التناص إلى طبقة متراكمة تحجب حركة الحدث.
· تكرار الرموز والصور وتحولاتها
يتكرر عدد من الرموز في
أكثر من قصة، ويكشف هذا التكرار عن استراتيجية في بناء وحدة المجموعة.
تتكرر صورة (اليد اليسوعية) في "فوضى
الأشياء" و"لجة الضوء.. لجة العتمة".
ففي الأولى ترتبط بالشمس التي تمسح الحزن، وفي
الثانية تنتقل إلى الأرض التي تمسح الدموع والوجع. ويكشف هذا التحول عن اتساع مجال
المواساة من التجربة الفردية إلى الطبيعة بوصفها كائنًا مشاركًا في الألم.
وتتكرر صورة (ابن وردان) في "سبع نازفات"
و"بكاء الرجال" و"أصنع شاهد قبري بنفسي".
ففي
الأولى يكتب حكاية عشقه على لوح الطين (ص 60)، وفي «أصنع شاهد قبري بنفسي» يكتب
حكاية قصره (ص 90). وينتقل الرمز بذلك من الذاكرة العاطفية إلى ذاكرة المكان،
فيغدو ابن وردان علامة على بقاء الحكاية بعد خراب البيت أو القصر.
أما صورة (الظل) فتظهر في "سبع نازفات"
و"بكاء الرجال" و"لجة الضوء.. لجة العتمة"، وتتحول من علامة
على الوجود إلى علامة على فقدانه، ثم إلى مقارنة بين الكبار والأطفال.
وتكشف
هذه التحولات أن التكرار لا يؤدي وظيفة التوكيد فقط، بل يسمح بتوسيع الرمز وتغيير
دلالته.
ومع ذلك، فإن تقارب بعض الصور في أكثر من قصة
يستدعي الانتباه إلى ضرورة أن يضيف التكرار في كل مرة وظيفة جديدة، حتى لا يتحول
إلى إعادة للمناخ نفسه دون تطور دلالي.
· العنوان العام وعناوين القصص
يحمل عنوان
المجموعة /فوضى الأشياء/ دلالة تتجاوز اضطراب الموجودات المادية؛ فالفوضى في
النصوص تطال العلاقات والذاكرة والهوية والقيم. وتبدو الأشياء وكأنها فقدت مواقعها
ووظائفها الطبيعية: الخبز لا يكفي، والبيت لا يحمي، والمدرسة لا تمنع الاعتداء،
والمدينة لا تصون أبناءها، والبحر لا يكون فضاءً للحياة، والجدار لا يظل حدًا
مكانيًا بل يتحول إلى سجل للذاكرة والمقاومة.
أما عناوين القصص فتتوزع بين:
العنوان
المباشر ذي البعد الإنساني، مثل "الأولاد ينامون في البرد" و"أعطني
دمك".
والعنوان الرمزي مثل "عيد الخضر" و"رجال
الشمس".
والعنوان الذي يحمل مفارقة أو سؤالًا ضمنيًا مثل
"لا أحد يشبهك سواك" و"أصنع شاهد قبري بنفسي".
وتعمل هذه العناوين بوصفها عتبات أولى لتوجيه
التلقي؛ فبعضها يحدّد الحالة الشعورية أو الحدث، وبعضها يفتح باب التأويل قبل
الدخول إلى النص.
ويكتسب العنوان العام قوته من قدرته على جمع هذه
العناوين المختلفة تحت تصور واحد، هو اختلال النظام الذي يفترض أن ينظم حياة
الإنسان ويحفظ كرامته.
· بناء الشخصيات وأنماط حضورها
تتوزع الشخصيات في
المجموعة بين شخصيات فردية محددة الملامح، وشخصيات جماعية تتحول إلى أصوات تمثل
فئة أو تجربة إنسانية. تحتل الأمهات
موقعًا مركزيًا، ولا سيما في "الأولاد ينامون في البرد" و"بلا
أسماء". فالأم ليست شخصية عاطفية هامشية، بل قوة مقاومة للمحو، تحاول استعادة
أسماء أبنائها وحقهم في الوجود. وتظهر الأم في «صحوة الروح» بوصفها امرأة تنتظر
ابنًا انتُزع منها، فتتسع شخصيتها لتكون صورة للأمومة الجريحة.
أما الأطفال، فيتجاوزون موقع الضحايا السلبيين؛
ففي "وطن على الجدار" يمارسون فعل الرسم والمقاومة، وفي "البصاق
الحار" يواجه الطفل العنف بالغناء، وفي "فوضى الأشياء" يحمل حمزة
أحلامه وأمنياته في قبضة يده، فيخطئ
الجندي في تفسير ما يحمله.
وتظهر الشخصيات السلطوية في صورة الموظف أو
الجندي أو الرجل الذي يملك قرارًا أو سلاحًا أو سلطة تصنيف. وغالبًا ما تُبنى هذه
الشخصيات من خلال أفعالها وخطابها أكثر من بنائها عبر وصف نفسي تفصيلي. وهي تمثل
منظومة القوة حين تنفصل عن المسؤولية.
كما تتكرر الشخصيات الجماعية، مثل الأمهات
والضحايا والأطفال والرجال الذين يساقون إلى البحر.
وتؤدي هذه الجماعية وظيفة توسيع التجربة من مصير
فرد إلى مأساة عامة، غير أن ذلك قد يقلل أحيانًا من التمايز النفسي لبعض الشخصيات
الثانوية، التي تظل أقرب إلى النماذج الدلالية منها إلى الشخصيات المركبة.
· الراوي والرؤية السردية
تتنوع طرائق السرد في المجموعة بين ضمير
المتكلم والرؤية القريبة من وعي الشخصية، وبين الصوت الذي يقترب من الجماعة أو
يتحدث باسمها.
في "الأولاد ينامون في البرد" يبدأ السرد
بضمير المتكلم: "استوطن الفزع قلبي" (ص 9)، فتدخل القصة من بوابة
التجربة النفسية للراوي، قبل أن تتسع إلى مشهد الأمهات.
وفي "فوضى الأشياء" يتقدم صوت الراوي
بوصفه شاهدًا على الحياة اليومية، ثم يتحول إلى طرف في المواجهة مع ذاته ومجتمعه.
وفي "صحوة الروح" تتداخل الرؤية
الداخلية مع المشاهد الخارجية؛ فالراوي لا يصف البرد والغربة من موقع مراقب محايد،
بل يمرر المكان عبر إحساسه الجسدي والنفسي.
أما "رجال الشمس" فيتحول الصوت من
ضمير فردي إلى صوت جمعي، ويتجلى ذلك في تعدد الأسماء: "أنا أحمد، وربما
عامر.. أنا أيهم، وربما تامر..." (ص 95).
وهكذا تتراجع الهوية الفردية أمام هوية جماعية
تتشكل من الضحايا الذين يجمعهم المصير.
ويمنح هذا التنوع المجموعة قدرة على الانتقال
بين الشهادة الشخصية والرؤية الجماعية، غير أن بعض الانتقالات بين الصوت الفردي
والجمعي، أو بين الحلم والواقع، تحتاج أحيانًا إلى علامات سردية أوضح، حتى لا
يلتبس مصدر الصوت أو موقع الرؤية لدى المتلقي.
· البنية القصصية وتقنيات تشكيل الحدث
لا تعتمد
المجموعة نمطًا واحدًا في بناء القصص، بل تتوزع بين الحدث المتنامي، والمشهد
المتتابع، والحالة النفسية التي تتطور عبر التداعي والصورة.
في "فوضى الأشياء" يتقدم الحدث عبر
سلسلة من الوقائع والمواجهات، وتُبنى القصة على انتقال الراوي من المراقبة إلى
الكلام والاعتراف. وفي "الأولاد ينامون في البرد" يتشكل الحدث من مواجهة
الأمهات للموظف ثم سقوطهن، وتبلغ الحركة ذروتها في النهاية الصادمة حين تُنقل
أجسادهن إلى مكب النفايات.
أما "أعطني دمك" فتقوم على مشاهد
متتابعة تتداخل فيها أصوات الشخصيات وصور المكان والذاكرة، بينما تعتمد "صحوة
الروح" على بناء الحالة أكثر من اعتمادها على حدث خارجي متنامٍ.
ويبرز التكثيف والحذف في قصص مثل "سبع
نازفات"، حيث تتجاور مشاهد مرقمة وأخرى غير مرقمة، ويأتي التصريح: "المشهد
هنا بلا رقم ولا زمن ولا تاريخ" (ص 61)، في إشارة إلى تشظي التجربة وخروجها
عن التسلسل المعتاد.
وتتباين النهايات بين نهاية تفتح أفق المقاومة،
كما في "البصاق الحار" حيث يستمر الغناء، ونهاية تؤكد الوجود الجمعي كما
في "رجال الشمس"، ونهاية تقوم على فعل الحماية والعبور كما في "لا
أحد يشبهك سواك".
ويُحسب للمجموعة تنوع أشكال الحدث، غير أن بعض
القصص تميل إلى تجاور المشاهد والصور أكثر من بناء مسار درامي متصل.
وفي هذه المواضع تحتاج العلاقة بين الصورة
والحركة إلى مزيد من الإحكام، بحيث تنبع الدلالة من تطور الحدث، لا من تراكم الصور
وحده.
· الفضاء القصصي والمكاني
لا يمثل المكان في
المجموعة خلفية محايدة للأحداث، بل يتحول إلى عنصر فاعل في بناء الدلالة.
في "الأولاد ينامون في البرد" تظهر
المدينة من خلال أطرافها ومكاتب الهويات والأرصفة ومكب النفايات. وهي مدينة تفقد
وظيفتها الإنسانية، إذ لا تستقبل الأمهات لاستعادة أبنائهن، بل تنتهي إلى محو
أجسادهن وآثارهن.
وفي "وطن على الجدار" يصبح الجدار
فضاءً بديلًا للوطن؛ فالأطفال يرسمون عليه ما حُرموا منه في الواقع. وحين تُمحى
الرسوم، يعيدون رسمها، فيغدو الجدار سطحًا للذاكرة والمقاومة.
أما البيت في " بلا أسماء" فيرتبط
بالأمان المفقود، وتتحول النافذة وحديدها إلى علامة على تعلق الطفل بالحياة.
وفي "أصنع شاهد قبري بنفسي" يستعيد
الراوي البيت من خلال رائحته وجدرانه والطين، فتغدو الذاكرة محاولة لإعادة بناء
مكان غائب.
ويكتسب البحر في "رجال الشمس" دلالة
معاكسة لما يرتبط به عادة من اتساع وحرية؛ فهو فضاء الإلقاء والابتلاع والموت. أما
الجنوب في "أعطني دمك" و"عيد الخضر" فيحمل دلالة الهوية
والخصوبة والذاكرة، إلى جانب ما يختزنه من وجع.
وتظهر أمكنة نفسية كذلك؛ فالجدران تقترب من
الراوي في "صحوة الروح"، والغبار وصراخ الطفل في "لا أحد يشبهك
سواك" يحولان المكان إلى امتداد للصدمة. وهكذا تتداخل الجغرافيا الخارجية مع
الجغرافيا النفسية، ويصبح المكان ذاكرة حية للحدث.
· الزمن وعلاقته بالمكان والذاكرة
يتخذ الزمن في المجموعة أشكالًا متعددة؛ فهو زمن
واقعي يتصل بالحرب والحصار والانتظار، وزمن نفسي يتوقف عند لحظة الفقد، وزمن رمزي
يستدعي الأسطورة ودورات الطبيعة.
في "لا
أحد يشبهك سواك" يصبح الزمن خارج التقويم، إذ يقف الرجل عند لحظة خروج زوجته
وطفله، على الرغم من مرور سنوات طويلة (ص 86).
ويكشف هذا التعليق الزمني عن قدرة الصدمة على
تعطيل الإحساس بالتتابع، بحيث تبقى اللحظة الماضية حاضرة في الوعي.
وفي "أصنع شاهد قبري بنفسي" يعود
الماضي من خلال رائحة المكان والجدران والطين، وتختصر عبارة "أنا كنت في
الهناك وما عدت!" (ص 90) انقطاع العلاقة بين الذات وماضيها؛ فالمكان باقٍ في
الذاكرة، غير أن العودة إليه لم تعد ممكنة بالصورة نفسها.
أما في "عيد الخضر" فيتداخل الزمن
الموسمي بالزمن الرمزي، ويتغير موعد العيد من تموز إلى آذار (ص 55)، بما يوحي
بتحول دورة الحياة وتجددها. وفي "رجال الشمس" يمتد الزمن إلى أفق أسطوري
عبر عبارة "صُلب صوتي منذ الأزل وصورة طائر الفينيق" (ص 96).
ولا يعمل الزمن هنا بوصفه تعاقبًا محايدًا، بل
بوصفه ذاكرة ممتدة وجرحًا لم يندمل، وأحيانًا أفقًا للتجدد. ومع ذلك، فإن تكرار
الزمن المعلق والاسترجاع والتداعي قد يجعل بعض القصص متقاربة في مناخها الشعوري،
وهو ما يستدعي مزيدًا من التنويع في طرائق تنظيم الزمن السردي.
· التبئير وطرائق توزيع المعرفة
يتصل التبئير بالطريقة
التي يوزع بها السرد المعرفة بين الراوي والشخصيات والمتلقي، وهو عنصر مؤثر في
بناء التوتر وتوجيه التعاطف.
في "الأولاد ينامون في البرد" ينقل
الراوي التجربة من داخل إحساسه بالفزع، فيتلقى المتلقي المشهد من خلال وعيه
الداخلي. وفي "صحوة الروح" تظل الرؤية محكومة بحالة الغربة والبرد
والإنهاك، فلا يظهر المكان منفصلًا عن الإحساس به.
وتقدم "فوضى الأشياء" مثالًا على
المفارقة المعرفية حين يظن الجندي أن ما يحمله حمزة قنبلة أو مادة حارقة أو حجر،
بينما يعرف المتلقي أن الطفل يحمل أحلامه وأمنياته (ص 14–15). تتولد المفارقة من
الفجوة بين معرفة الجندي المحدودة وحقيقة ما يحمله الطفل، وتكشف عن عالم يرى الخطر
في يد الصغير ولا يرى ما يختزنه من براءة ومستقبل.
وفي "البصاق الحار" يتشكل التبئير من
منظور طفولي، إذ يستعيد الطفل صورة الغول من الحكاية الشعبية ليصف الرجل الذي
اعتدى عليه. وهنا يكتسب العنف أثره من براءة الوعي الذي يحاول فهم ما حدث له.
أما في "فراشة" فيأتي الكشف المتأخر: "ذاك
كان ابني الصغير!" (ص 70)، فيعيد المتلقي تأويل الصور السابقة، ويمنحها معنى
الفقد بعد أن كان يقرأها في أفق مختلف.
وفي "رجال الشمس" يبرز التبئير الجمعي
ومحدودية المعرفة حين تتداخل الأسماء والهويات، ويقول الصوت السردي: "والله
أحياء، أو أموات. لم نكن ندري" (ص 97). إن عدم اليقين هنا ليس نقصًا في
المعلومات فقط، بل جزء من تجربة الاقتلاع والضياع.
ويؤدي التبئير وظيفة ذرائعية واضحة؛ فهو لا يحدد
ما نراه فحسب، بل يحدد كيف نفهمه، ومن أي موقع نتعاطف معه، وما المسافة التي
تفصلنا عن الحقيقة.
· الحوار والخطاب المباشر واللغة الحوارية
يتجاوز الحوار في "فوضى
الأشياء" وظيفته التواصلية إلى وظيفة كشفية وحجاجية؛ فهو يكشف علاقات القوة،
ويضع المرجعيات الأخلاقية في مواجهة بعضها، ويمنح الشخصيات مساحة للتعبير عن الخوف
والاحتجاج والشهادة.
في " بلا أسماء" يتحول الحوار إلى
مواجهة بين الأم والرجل الذي يسألها عن ملة الطفل وأبيه. فالرجل يجعل الانتماء
الديني معيارًا لتحديد مكان الدفن، بينما تتمسك الأم بوحدة الأرض والطفولة، وتقول:
"نحن أبناء التراب الواحد، وأبناء الزيت والزعتر، نحن أبناء الشيح والقيصوم"
(ص 40).
وتكشف
المواجهة عن الفجوة بين معيار التصنيف وحق الإنسان في الكرامة، ثم تبلغ ذروتها حين
تقرر الأم دفن طفلها مع رفاقه في الحديقة.
وفي "عيد الخضر" يختزل الحوار علاقة
السلطة في تبادل قصير.
ينادي الصبي الشخصية بلفظ "سيدي"،
فترد: "لست سيدك يا بني"، ثم تعيد تعريف نفسها بوصفها "صبي الخضر"
(ص 53). ويأتي هذا الرفض في مواجهة صورة الذين يقتاتون الفتات تحت الطاولة، فيكشف
التناقض بين خطاب المساواة والواقع الاجتماعي.
ويظهر الخطاب الموجه إلى الأم بوصفه صيغة للبوح
واستعادة الأمان. ففي "البصاق الحار" يقول الطفل: "أمي لن أعود قبل
أن أنظف ثيابي المدرسية من البصاق الحار!" (ص 46)، فتتحول الثياب إلى أثر
مادي للاعتداء، ويصبح الكلام محاولة لاستعادة الكرامة.
وفي "رجال الشمس" يتسع الحوار بين
الأم والابن من العلاقة الأسرية إلى الشهادة الجماعية. تسأل الأم: "أهو زمن
الوأد يا بني؟" ويجيب: "أجل يا أمي" (ص 97)، ثم تؤكد أن أبناءها "رجال
الشمس". ويتحول الخطاب هنا إلى مقاومة للمحو، وإلى تثبيت وجود الضحايا في
ذاكرة العالم.
أما في "أعطني دمك" فيتخذ الحوار
شكلًا جدليًا قائمًا على الطلب والعطاء، كما في قول الشخصية: "أعطني وطنًا كي
أعطيك خبزًا!" (ص 64). وتكشف المفارقة عن التباعد بين الرمز والحاجة المادية،
وبين الوطن بوصفه حلمًا والخبز بوصفه ضرورة يومية.
ويمتلك الحوار في المجموعة قدرة على تكثيف
الصراع، غير أن بعض الحوارات تميل إلى المباشرة حين تحمل الفكرة الأخلاقية بصورة
تقريرية، فتقترب الشخصية أحيانًا من موقع المتحدث باسم موقف فكري أكثر من اقترابها
من استقلالها النفسي. كما يتداخل الحوار في مواضع مع المونولوج والخطاب الشعري،
فتتراجع الحدود بين صوت الشخصية وصوت الراوي. وهي سمة تمنح النص كثافة وجدانية،
لكنها قد تقلل أحيانًا من تمايز الأصوات.
إن القيمة الأبرز في "فوضى
الأشياء" تكمن في قدرتها على تحويل الألم من واقعة فردية إلى سؤال إنساني
عام.
فالكاتبة لا تكتفي بتسجيل آثار العنف، بل تبحث
في ما يتركه هذا العنف داخل الذاكرة واللغة والعلاقات الاجتماعية، وفي الطريقة
التي تتغير بها الأشياء حين يختل النظام الأخلاقي الذي يمنحها معناها.
وتبرز خصوصية المجموعة في حضور الطفولة بوصفها
مقياسًا أخلاقيًا لفساد العالم؛ فالطفل الذي يحمل أحلامه في "فوضى الأشياء"،
والطفل الذي يطلب استعادة ثيابه في "البصاق الحار"، والأطفال الذين
يرسمون وطنهم على الجدار، جميعهم يكشفون مقدار الانحراف الذي أصاب الحياة حين عجز
الكبار عن حماية أبسط حقوق الصغار. ومع أن بعض النصوص تميل إلى المباشرة أو إلى
تراكم الصور الشعرية على حساب البناء الدرامي، فإن المجموعة تمتلك رؤية إنسانية
متماسكة، وتنجح في خلق عالم قصصي تتجاور فيه الذاكرة والرمز والاحتجاج، وتتعدد فيه
الأصوات من دون أن تفقد صلتها بالبؤرة الفكرية الجامعة.
ولعل المفارقة التي تلخص روح المجموعة أن
الأشياء لا تفقد ترتيبها وحدها؛ فالإنسان نفسه يصبح غريبًا عن اسمه وبيته وظله،
حتى يغدو إثبات الوجود فعل مقاومة.
ومن هنا
تأتي دلالة "رجال الشمس" في خاتمة المجموعة، حين يتحول الصوت الفردي إلى
شهادة جماعية تقول: "أنا هنا، ونحن هنا".
إنها عبارة تستعيد للإنسان حضوره في مواجهة
المحو، وتضع النقطة الأخيرة في مجموعة عنوانها الفوضى، غير أن صوتها الأخير يرفض
الاستسلام لها.
#دعبيرخالديحيي
طرطوس – سوريا 6/ 11/ 2026
المراجع
-
المقداد، زرياف
عبد القادر. (2024). فوضى الأشياء: مجموعة قصصية. الطبعة الأولى. مؤسسة ميسلون
للثقافة والترجمة والنشر.
-
الغالبي، عبد
الرزاق عودة، ويحيى، عبير خالد. (2017). الذرائعية في التطبيق: آلية نقدية عربية.
دار شعلة الإبداع.
-
الغالبي، عبد
الرزاق عودة، ويحيى، عبير خالد. (2019). الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي.
دار النابغة للنشر والتوزيع.
-
الغالبي، عبد
الرزاق عودة، ويحيى، عبير خالد. (2021). الذرائعية والعقل. منشورات اتحاد الكتاب
العراقيين.

تعليقات
إرسال تعليق