المشاركات

من البلاغة إلى المشهد: تحولات الكتابة الشعرية الحديثة

صورة
في السنوات الأخيرة، اتجهت الكتابة الشعرية الحديثة إلى كسر القوالب التقليدية، فلم تعد القصيدة معنية بالموسيقى الخارجية وحدها، ولا باللغة المزخرفة أو الصورة البلاغية الكلاسيكية، بل أصبحت تميل إلى بناء "المشهد الشعري" القائم على السرد، واللغة اليومية، والتفاصيل الحياتية الصغيرة التي تحمل في داخلها توترًا نفسيًا وإنسانيًا عميقًا. هذا النمط من الكتابة يقوم غالبًا على أنسنة الأفكار الكبرى؛ فالوطن، والحرب، والمنفى، والذاكرة، والموت، لم تعد مفاهيم مجرّدة، بل تحوّلت إلى شخصيات يمكن مخاطبتها أو السخرية منها أو حتى توبيخها.  ولتوضيح هذه التقنية، يمكن تخيّل الحزن جارًا لأم شعبية لا تتعامل معه بوصفه مأساة مجردة، بل كإنسان يحتاج إلى طعام أو إلى عتاب: "لو كان الحزنُ جارَ أمّي لأرسلت له صحن ملوخيّة وقالت له: كُلْ يا زلمة… واضح إنك ما ذقتَ طبخة منيحة من زمان" ولو أكثرَ البكاء لصرخت بوجهه: "خلص! مو كلّ يوم بدك جنازة!" في هذا المثال لا يُقدَّم الحزن بوصفه حالة نفسية مجردة، بل يُؤنسن ويُدمج في الحياة اليومية، وهي إحدى السمات البارزة للمشهد الشعري الحديث الذي يستبد...

حين بكت أمي يوم مات حافظ الأسد

صورة
في مثل هذا اليوم، ظهيرة العاشر من حزيران عام 2000، أُعلن نبأ وفاة حافظ الأسد. أقول: أُعلن نبأ وفاته، لأن كثيرين منا كانوا يعتقدون أنه مات قبل ذلك بمدة طويلة، بعد سنوات من الغياب والسبات، وأن البلد كانت تُدار باسمه أكثر مما تُحكم بحضوره. لم نكن نملك دليلاً، لكن ذلك كان مما يتناقله الناس همسًا في تلك الأيام. كنت يومها في طريقي لزيارة أمي المريضة. ما إن سمعت الخبر حتى أسرعت إليها. صعدت درجات السلم درجتين بقفزة واحدة، رغم أنني كنت في بداية حملي بابنتي الصغيرة. طرقت الباب طرقات متلاحقة، فتحت أختي الباب، فتجاوزتها مباشرة نحو غرفة أمي وأنا أصرخ بفرح طفولي لا أعرف من أين جاء: ـ أمييييي... أعلنوا موت حافظ الأسد! فاجأني ما رأيت. لم تقفز فرحًا. لم تبتسم. لم تقل حتى كلمة واحدة. أشارت إليّ أن أخفض صوتي، ثم انفجرت بالبكاء. تجمدت في مكاني. كيف يمكن لإنسان عاش تحت حكم طاغية ثلاثين عامًا ألا يفرح بزواله؟ ولماذا يبدو الخوف في عينيه أقوى من الفرح؟ اقتربت من سريرها، وضعت يدي على كتفيها وقلت: ـ ماما... زعلتي؟ لازم تفرحي. مات حافظ الأسد. فهمتي؟ مات حافظ الأسد... ومات معه الخوف. رفعت رأسها نحوي و...

حين بكت أمي يوم مات حافظ الأسد

صورة
في مثل هذا اليوم، ظهيرة العاشر من حزيران عام 2000، أُعلن نبأ وفاة حافظ الأسد. أقول: أُعلن نبأ وفاته، لأن كثيرين منا كانوا يعتقدون أنه مات قبل ذلك بمدة طويلة، بعد سنوات من الغياب والسبات، وأن البلد كانت تُدار باسمه أكثر مما تُحكم بحضوره. لم نكن نملك دليلاً، لكن ذلك كان مما يتناقله الناس همسًا في تلك الأيام. كنت يومها في طريقي لزيارة أمي المريضة. ما إن سمعت الخبر حتى أسرعت إليها. صعدت درجات السلم درجتين بقفزة واحدة، رغم أنني كنت في بداية حملي بابنتي الصغيرة. طرقت الباب طرقات متلاحقة، فتحت أختي الباب، فتجاوزتها مباشرة نحو غرفة أمي وأنا أصرخ بفرح طفولي لا أعرف من أين جاء: ـ أمييييي... أعلنوا موت حافظ الأسد! فاجأني ما رأيت. لم تقفز فرحًا. لم تبتسم. لم تقل حتى كلمة واحدة. أشارت إليّ أن أخفض صوتي، ثم انفجرت بالبكاء. تجمدت في مكاني. كيف يمكن لإنسان عاش تحت حكم طاغية ثلاثين عامًا ألا يفرح بزواله؟ ولماذا يبدو الخوف في عينيه أقوى من الفرح؟ اقتربت من سريرها، وضعت يدي على كتفيها وقلت: ـ ماما... زعلتي؟ لازم تفرحي. مات حافظ الأسد. فهمتي؟ مات حافظ الأسد... ومات معه الخوف. رفعت رأسها نحوي و...

الذاكرة العابرة للأجيال: قراءة نقدية في رواية / زهرة من فستان قديم/ للروائية المصرية ناهد تاج بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

صورة
                             توطئة      تقدم رواية «زهرة من فستان قديم» تجربة سردية تتجاوز حدود الحكاية العائلية لتغدو رحلة في طبقات الذاكرة الفردية والجمعية. فالرواية لا تنشغل فقط بما حدث للشخصيات، بل بما بقي من آثار تلك الأحداث داخل النفوس والأماكن عبر الأجيال. ومن خلال توظيف التاريخ العائلي، والعلاج النفسي، والعودة إلى البيت الأول، وشخصية القطة "بسبوسة"، تبني ناهد تاج عالمًا روائيًا يقوم على فكرة مركزية مفادها أن الماضي لا يمضي تمامًا، بل يواصل العيش داخل الإنسان والأمكنة التي أحبها. وتكتسب الرواية خصوصيتها من مزجها بين السرد الواقعي -وأحيانًا الفانتازي- والاستبطان النفسي، ومن توظيفها القفزات الزمنية والعلاج بالتقمص وتوارث العقد النفسية بوصفها أدوات فنية وفكرية للكشف عن الجذور العميقة للألم الإنساني.   البؤرة الفكرية       تتمثل البؤرة الفكرية للرواية في البحث عن جذور الألم الإنساني، ومحاولة الإجابة عن سؤال محوري: هل ترث الأجيال اللاحقة آثار الص...

العدالة المؤجلة وهيبة الدولة: لماذا يطالب السوريون بمحاكمات ثورية سريعة؟

صورة
منذ سقوط النظام الأسدي، ينتظر السوريون لحظة العدالة التي طال تأجيلها لعقود، فبلد شهد مئات آلاف القتلى والمعتقلين والمختفين قسرًا، وعاش أهله تحت وطأة المجازر والتعذيب والتهجير، لا يمكن أن يتجاوز جراحه بمجرد تغيير السلطة أو رفع الشعارات؛ لذلك يطرح كثير من السوريين سؤالًا مشروعًا:  لماذا لم تبدأ حتى الآن محاكمات سريعة وعلنية بحق المسؤولين عن الجرائم الكبرى؟ إن هذا السؤال لا ينطلق من رغبة في الانتقام بقدر ما ينطلق من حاجة مجتمعية عميقة إلى استعادة الإحساس بالعدل. فالضحايا الذين فقدوا أبناءهم وأحبتهم لا يستطيعون فهم كيف يمكن الحديث عن السلم الأهلي فيما ما يزال بعض المتورطين في الجرائم أحرارًا أو مجهولي المصير، حتى الذين تم القبض عليهم، سير محاكماتهم  بطيئة للغاية، وحتى الآن لم يصدر حكم نهائي بحقهم.  كيف يمكن بناء دولة جديدة دون مساءلة من أسهم في تدمير الدولة  القديمة عن طريق الفساد والجريمة؟  لماذا لا نكثف المطالبات بتجريم النظام الأسدي دوليًّا وملاحقته قضائيًّا بحكم القانون الدولي الذي هو حق الشعوب المنكوبة على الدول؟ لقد أثبتت تجارب الشعوب الخارجة من ال...

بين التسجيلات والبيان الرسمي: من أخّر كشف مصير أطفال رانيا العباسي؟

صورة
بعد ثلاثة عشر عامًا من الانتظار والاحتمالات القاسية، جاء بيان الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا ليعلن ما كانت تخشاه القلوب منذ زمن: ترجيح استشهاد الأطفال الستة للدكتورة رانيا العباسي، بعد التوصل إلى نتائج وصفتها الهيئة بأنها "موثوقة ومتقاطعة" وتسمح بالاستنتاج بدرجة عالية من اليقين المهني. لم تكن قضية رانيا العباسي وعائلتها مجرد ملف اختفاء قسري بين آلاف الملفات السورية، بل تحولت إلى رمز أخلاقي وإنساني لمعاناة السوريين مع منظومة الإخفاء القسري التي التهمت عائلات بأكملها دون أثر أو جواب. غير أن البيان، رغم قسوته، فتح بابًا آخر من الأسئلة. فالمعلومات التي ظهرت خلال الأسابيع الماضية ربطت بين ملف أطفال رانيا العباسي وبين المساعد الأول السابق في فرع المخابرات العسكرية 227 أمجد يوسف، المعروف بدوره في مجزرة التضامن. وقد أشارت تقارير إعلامية وتحقيقات صحفية إلى وجود تسجيلات مصورة ومعلومات تم الحصول عليها بعد الوصول إلى أمجد يوسف، وأن جزءًا من هذه المواد شكّل أساسًا مهمًا في إعادة فتح الملف والتحقيق بمصير الأطفال. واليوم تؤكد الهيئة الوطنية للمفقودين أن نتائجها استندت إلى...

قراءة دلالية في البنية الوجدانية والرسالية في قصائد الشاعرة المصرية د. ثريا العسيلي بقلم الناقدة السورية د. عبير خالد يحيي

صورة
       تكشف القصائد المنتقاة من دواوين الشاعرة المصرية د. ثريا العسيلي عن تجربة وجدانية تتوزع بين موضوعات متعدّدة مثل الحب، والحنين، والرثاء، واللغة، والوطن، وهي موضوعات تلتقي جميعها في مركز شعوري واحد يتمثل في الإنسان بوصفه كائنًا يحمل ذاكرته العاطفية وقيمه الحضارية. وتتميز القصائد بطابع وجداني واضح يعتمد على الصدق العاطفي، والتكرار الإيقاعي، والصور الروحية، إضافة إلى حضور الخطاب الرسالي الذي يسعى إلى الدفاع عن اللغة والهوية الثقافية. وتكشف القراءة عن مجموعة من المستويات المتداخلة في بنيتها التعبيرية، من أبرزها المستوى الفكري والقيمي، والمستوى النفسي، والمستوى الجمالي، والمستوى اللغوي، والمستوى التداولي، والمستوى الحجاجي، وهي مستويات تتكامل فيما بينها لتشكّل البنية الدلالية الكلية لتجربتها الشعرية.     القصيدة الأولى "أبي"       تندرج قصيدة "أبي" ضمن شعر الرثاء الوجداني الذي يتجاوز مجرد الحزن على الفقد ليصل إلى استحضار الأب بوصفه حضورًا روحانيًا دائمًا في حياة الشاعرة. فالقصيدة لا تقدم صورة تقليدية للفقد، لكنها تب...